أركان عقد الوديعة

الإسلام > الأوقاف والملكية > أركان عقد الوديعة

مسائلُ فقهيةٌ في أركان عقد الوديعة على المذاهبِ الأربعةِ (الحنفيِّ، والمالكيِّ، والشافعيِّ، والحنبليِّ)، من موسوعةِ الفقهِ الإسلاميِّ.

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 8 دقيقة قراءة

تعريف أركان عقد الوديعة وحكمها

أَركانُ عَقدِ الوَديعةِ:

أَركانُ عَقدِ الوَديعةِ عندَ الجُمهورِ المالِكيةِ والشافِعيةِ والحَنابِلةِ أَربعةٌ:

١ - الصِّيغةُ ٢ - المُودِعُ ٣ - الوَديعُ ٤ - الوَديعةُ: أي العَينُ المُودَعةُ.

وعندَ الحَنفيةِ رُكنُها هو الإِيجابُ والقَبولُ فقط.

الرُّكنُ الأَولُ وشُروطُه: الصِّيغةُ:

الصِّيغةُ هي الإِيجابُ مِنْ المُودِعِ والقَبولُ مِنْ المُودَعِ، مِثلُ أنْ يَقولَ لغيرِه: «أَودعتُك هذا الشَّيءَ»، أو «احفَظْ هذا المالَ»، أو «خذْ هذا المالَ وَديعةً عندَك»، وما يَجري مَجراه أو ما يُفيدُ مَعناه ويَقبلُه الآخرُ، فإذا وُجدَ ذلك فقد تمَّ عَقدُ الوَديعةِ، وهذا مما لا خِلافَ فيه بينَ الفُقهاءِ.

إلا أنَّ العُلماءِ اختلَفُوا هل يُشترطُ للصِيغةِ إِيجابٌ وقَبولٌ لفظًا أم يَكفي ما يَدلُّ على الإِيجابِ والقَبولِ ولو بالقَرائنِ؟

فذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ إلى أنَّه لا يُشترطُ اللَّفظُ في الصِّيغةِ، بل كلُّ ما يُفهمُ منه طلبُ الحفظِ ولو بقَرائنِ الأَحوالِ.

قالَ الحَنفيةُ: يَنعقدُ الإِيداعُ بالإِيجابِ والقَبولِ صَراحةً أو دِلالةً، مَثلًا إذا قالَ صاحِبُ الوَديعةِ: «أَودعتُكَ هذا الشَّيءَ» أو «جعَلْته أَمانةً عندَك» أو «احفظْ هذا الشَّيءَ» أو «خذْ هذا الشيءَ وَديعةً عندَك»، وما يَجري مَجراه، فقالَ المُستودَعُ: «قبِلْت»؛ انعقَدَ الإِيداعُ صَراحةً، وكذا لو دخَلَ شَخصٌ خانًا فقالَ لصاحِبِ الخانِ: «أينَ أَربطُ دابَّتي؟» فأراه مَحلًّا، فربَطَ الدَّابةَ فيه، انعقَدَ الإِيداعُ دِلالةً، وكذلك إذا وضَعَ رَجلٌ مالَه في دُكانٍ فرآه صاحِبُ الدُّكانِ

وسكَتَ، ثُم ترَكَ الرَّجلُ ذلك المالَ وانصَرفَ، صارَ ذلك المالُ عندَ صاحِبِ الدُّكانِ وَديعةً، وأما لو ردَّ صاحِبُ الدُّكانِ الإِيداعَ بأنْ قالَ: «لا أَقبلُ»، فلا يَنعقدُ الإِيداعُ حينَئذٍ، وكذا إذا وضَعَ رَجلٌ مالَه عندَ جَماعةٍ على سَبيلِ الوَديعةِ وانصَرفَ وهم يَرونَه وبَقُوا ساكِتينَ صارَ ذلك المالُ وَديعةً عندَ جَميعِهم، فإذا قاموا واحدًا بعدَ واحدٍ وانصَرَفوا مِنْ ذلك المَحلِّ فبما أنَّه يَتعيَّنُ حينَئذٍ الحِفظُ على مَنْ بقِيَ منهم آخرًا يَصيرُ المالُ وَديعةً عندَ الأَخيرِ فقط (١).

وقالَ المالِكيةُ: الصِّيغةُ هي كلُّ ما يُفهمُ منه طلَبُ الحِفظِ ولو بقَرائنِ الأَحوالِ، ولا يَتوقَّفُ على إِيجابٍ وقَبولٍ باللَّفظِ، حتى لو وضَعَ شَخصٌ مَتاعَه عندَ جالِسٍ رَشيدٍ بَصيرٍ ساكِتٍ وذهَبَ الواضِعُ لحاجَتِه، فإنَّه يَجبُ على المَوضوعِ عندَه المتاعُ حِفظُه بحَيثُ إنْ فرَّطَ في حِفظِه حتى ضاعَ ضمِنَه؛ لأنَّ سُكوتَه رِضًا منه بالإِيداعِ عندَه، وأما الأَعمى فلا بدَّ أنْ يَضعَ يدَه عليها حتى يَضمنَ (٢).

وذهَبَ الشافِعيةُ إلى أنَّه يُشترطُ في الإِيداعِ الإِيجابُ مِنْ المُودِعِ لَفظًا وعَدمُ الرَّدِ مِنْ جانبِ المُودَعِ.

قالَ الشافِعيةُ: لا تَنعقدُ الوَديعةُ إلا بالإِيجابِ بالقَولِ مِنْ النَّاطقِ، وهي إما صَريحٌ: ك «استَودَعْتك هذا» أو «أودَعْتُك» أو «هو وَديعةٌ عندَك» أو «استَحفظتُك» أو «أنبْتُك في حِفظِه» أو «احفَظْه».

(١) «بدائع الصنائع» (٦/ ٢٠٧)، و «درر الحكام شرح مجلة الأحكام» (٢/ ٢٢٤، ٢٢٦).
(٢) «حاشية العدوي على كفاية الطالب الرباني» (٢/ ٢٧٧).

وإما كِنايةٌ: وتَنعقدُ بها معَ النِّيةَ، ك «خُذْه»، أو معَ القَرينةِ ك «خُذْه» أَمانةً، أما الأَخرسُ فتَكفي إِشارتُه المُفهمةُ، وعليه لا يَجبُ على حمَّاميٍّ حِفظُ ثِيابِ مَنْ لمْ يَستحفظْه، فلا يَضمنُها إنْ ضاعَت وإنْ فرَّطَ في حِفظِها.

والأَصحُّ أنَّه لا يُشترطُ في الوَديعِ القَبولُ للوَديعةِ لَفظًا، ويَكفي معَ عَدمِ اللَّفظِ والردِّ منه القَبضُ لها ولو على التَّراخي كما في الوَكالةِ بل أَولى، عَقارًا كانَت أو مَنقولًا، فإذا قبَضَها تمَّت الوَديعةُ، وإنما الشَّرطُ هو عَدمُ الردِّ لها، فإنْ لمْ يُوجبِ المالِكُ له بل وضَعَ مالَه بينَ يَديه سَواءٌ أقالَ له قبلَ ذلك: «أُريدُ أنْ أودِعَك» أم لا، أو أوجَبَ له ووضَعَه بينَ يَديه وردَّ لمْ يَصحَّ، فإنْ ذهَبَ وترَكَها لمْ يَضمنْ وإنْ أثِمَ به بأنْ كانَ ذَهابُه بعدَ غَيبةٍ المالِكِ، وإنْ قبَضَها صارَ ضامِنًا إلا إنْ كانَت مُعرَّضةً للضَّياعِ فقبَضَها حِسبةً صَونًا لها عن الضَّياعِ فلا يَضمنُ، وذَهابُ الوَديعِ معَ تَركِ الوَديعةِ والمالِكُ حاضِرٌ كردِّها.

والثانِي: يُشترطُ القَبولُ لَفظًا، والثالِثُ: يُشترطُ إنْ كانَ بصِيغةِ عَقدٍ، ك «أودَعْتُك»، ولا يُشترطُ إنْ قالَ: «احفَظْه»، أو «هو وَديعةٌ عندَك».

قالَ الخطيبُ الشِّربينيُّ: تَنبيهٌ: قَضيةُ كَلامِ الشَّيخينِ أنَّه لا بدَّ مِنْ لَفظِ ائتِمانٍ مِنْ المُودِعِ الناطِقِ، قالَ الأَذرعيُّ: ولمْ يَبعدْ أنْ يُقالَ: الشَّرطُ وُجودُ اللَّفظِ مِنْ أَحدِ الجانِبينِ، والفِعلُ مِنْ الآخرِ للعِلمِ بحُصولِ المَقصودِ بذلك، فلو قالَ الوَديعُ: «أودِعْنِيه» مَثلًا فدفَعَه له سَاكتًا كَفى كالعارِيةِ، وعليه فالشَّرطُ اللَّفظُ مِنْ أَحدِهما، وهو حَسنٌ (١).

(١) «مغني المحتاج» (٤/ ١٣٣)، ويُنْظَر: «الوسيط» (٥/ ٤٧٤، ٤٧٥)، و «روضة الطالبين» (٤/ ٥٧٥)، و «كنز الراغبين» (٣/ ٤٤٥)، و «النجم الوهاج» (٦/ ٣٤٥، ٣٤٦)، و «تحفة المحتاج» (٨/ ٣٠٤، ٣٠٥)، و «الديباج» (٣/ ١٠٧، ١٠٨).

مسائل أركان عقد الوديعة الفقهية

ارجع إلى الأوقاف والملكية للاطلاع على جميع الأبواب.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 28 ربيع الأول
هلال جديد اليوم 0 / 29.5
الإضاءة 0%
البدر بعد 15 يوم
سبحان الله