ج- ضمان الصبي للوديعة إذا تلفت

الإسلام > الأوقاف والملكية > أركان عقد الوديعة > ج- ضمان الصبي للوديعة إذا تلفت

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 12 دقيقة قراءة

ج- ضمان الصبي للوديعة إذا تلفت - الأقوال والأدلة

قَبولُه للوَديعةِ؛ لأنَّه مِنْ أهلِ الحِفظِ، وأما الصَّبيُّ المَحجورُ الذي لمْ يُؤذنْ له في التَّجارةِ فلا يَصحُّ قَبولُ الوَديعةِ منه؛ لأنَّه لا يَحفظُ المالَ عادةً، ألا تَرى أنَّه مُنعَ مِنْ مالِه (١).

ج- ضَمانُ الصَّبيِّ للوَديعةِ إذا تلِفَت:

اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأَربعةِ على أنَّ الصَّبيَّ أو المَجنونَ -وكذا السَّفيهُ عندَ الجُمهورِ خِلافًا لأَبي حَنيفةَ-إذا أُودعَ أَحدُهم وَديعةً فتلِفَت الوَديعةُ عندَه مِنْ غيرِ تَفريطٍ فلا ضَمانَ على واحدٍ منهم؛ لأنَّه إذا لمْ يَجبِ الضَّمانُ في هذه الحالةِ على مَنْ صحَّ الإِيداعُ عندَه فلئلَّا يَجبَ على مَنْ لمْ يَصحَّ الإِيداعُ عندَه أولى.

وكذا لا ضَمانَ عليهم إذا تلِفَت الوَديعةُ بتَفريطٍ منهم في حِفظِها ما لمْ يُباشرْ أَحدٌ منهم إِتلافَها؛ لأنَّهم لمْ يَلزمْهم حِفظُها فلمْ يَلزمْهم الضَّمانُ عندَ التَّفريطِ.

إلا أنَّهم اختلَفُوا فيما لو استهلَكَها أو أتلَفَها هو، هل يَضمنُها أم لا؟

فذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ في مُقابلِ الأَصحِّ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه إذا أُودعَ الصَّغيرُ وكذا السَّفيهُ أو المَجنونُ وَديعةً فأتلَفَها أو استهلَكَها بأَكلٍ أو بغيرِه أنَّه لا ضَمانَ عليه؛ لأنَّ المالِكَ سلَّطَهم على الإِتلافِ بالدَّفعِ إليهم فلا يَلزمُهم الضَّمانُ.

قالَ المالِكيةُ: مَنْ أودَعَ شَخصًا صَبيًّا أو سَفيهًا وَديعةً فأتلَفَها لمْ يَضمنْ ولو أذِنَ له أهلُه؛ لأنَّ ربَّها هو المُسلّطُ له عليها ما لمْ يُنصِّبْه وليُّه في حانوتِه

(١) «بدائع الصنائع» (٦/ ٢٠٧)، و «الفتاوى الهندية» (٤/ ٣٣٨).

مثلًا فيَضمنُ وليُّه الناصِبُ له لا الصَّبيُّ؛ لأنَّه لمَّا نَصَّبَه للبَيعِ والشِّراءِ والأَخذِ والعَطاءِ فقد أطلَقَ له التَّصرُّفَ، ومَحلَّ عَدمِ الضَّمانِ في الوَديعةِ ما لمْ يَصنِ الصَّبيُّ أو السَّفيهُ مالَه بما أخَذَه، وإلا ضمِنَ ما أتلَفَه في المالِ الذي صَونُه به أي أنَّه يَضمنُ القَدرَ الذي صَونُه فقط مِما كانَ يُنفقُ مِثلُه عادةً ولا يُعتبَرُ زيادةُ التَّرفُّه على أَكلِه أو لُبسِه، فإذا تلِفَ المالُ الذي صَونُه به فلا ضَمانَ عليه ولو استفادَ غيرُه.

وقدَّرَ اللَّخمِيُّ ذلك بما إذا لمْ يَصرفْ ذلك فيما لا بدَّ له منه وله مالٌ فيَرجعُ عليه بالأَقلِّ مِنْ مالِه أو التالِفِ، وإن ذهَبَ ذلك المالُ وأفادَ غيرَه لمْ يَتبعْه.

قالَ اللَّخمِيُّ: ولا تِباعةَ على الصَّبيِّ ولا على السَّفيهِ إلا أنْ يُثبِتا أنَّهما أنفَقا ذلك فيما لا غِنى لهما عنه فيُتْبَعا في المالِ الذي صَرفاه، فإنْ أذهَبا ذلك المالَ وأفادا غيرَه لمْ يُتبَعا فيه (١).

وقالَ الحَنابِلةُ في المَذهبِ: لو أودَعَ جائِزُ التَّصرُّفِ الصَّغيرُ أو المَجنونُ أو المَعتوهُ أو السَّفيهُ وَديعةً فأتلَفوها بأَكلٍ أو غيرِه أو تلِفَ بتَفريطِهم لمْ يَضمَنوا؛ لتَفريطِ مالِكِه بدفْعِه إلى أَحدِ هَؤلاءِ، فكَأنَّ المالِكَ سلَّطَهم على الإِتلافِ بالدَّفعِ إليهم (٢).

(١) «جامع الأمهات» (١/ ٤٠٤)، و «التاج والإكليل» (٤/ ٢٨١، ٢٨٢)، و «شرح مختصر خليل» (٦/ ١١٩)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ١٤٠، ١٤١)، و «تحبير المختصر» (٤/ ٣٦٣).
(٢) «كشاف القناع» (٤/ ٢١٦)، و «شرح منتهى الإرادات» (٤/ ٢٤٧).

وذهَبَ الشافِعيةُ في الأَصحِّ -والحَنابِلةُ في رِوايةٍ- إلى أنَّ الصَّغيرَ والسَّفيهَ إذا استهلَكَ الوَديعةَ أو أتلَفَها هو ضمِنَ ما أتلَفَه لعَدمِ تَسليطِه على إِتلافِه، فضمِنَه بالإِتلافِ كما لو أدخَلَه دارَه فأتلَفَ مالَه.

وفي مُقابلِ الأَصحِّ عندَ الشافِعيةِ: لا يَضمنُ؛ لأنَّ مالِكَها مَكَّنهما مِنْ إِتلافِها فلمْ يَضمنْها كما لو باعَهما منه شَيئًا أو أقرَضَهما وسلَّمَه إليهما فأَتلَفاه (١).

وقالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: فإنْ أودَعَ رَجلٌ عندَ صَبيٍّ أو مَعتوهٍ وَديعةً فتلِفَت لمْ يَضمنْها، سَواءٌ حفِظَها أو فرَّطَ في حِفظِها، فإنْ أتلَفَها أو أكَلَها ضمِنَها في قَولِ القاضِي وظاهِرِ مَذهبِ الشَّافِعيِّ.

ومِن أَصحابِنا مَنْ قالَ لا ضَمانَ عليه، وهو قَولُ أَبي حَنيفةَ؛ لأنَّه سلَّطَه على إِتلافِها بدَفعِها إليه فلا يَلزمُه ضَمانُها، ألا تَرى أنَّه لو دفَعَ إلى صَغيرٍ سكِّينًا فوقَعَ عليها كانَ ضَمانُه على عاقلَتِه.

ولنا: إنَّ ما ضمِنَه بإِتلافِه قبلَ الإِيداعِ ضمِنَه بعدَ الإِيداعِ كالبالغِ، ولا يَصحُّ قَولُهم إنَّه سلَّطَه على إِتلافِها، وإنما استحفَظَه إيَّاها، وفارَقَ دَفعَ السكِّينِ، فإنَّه سَببٌ للإِتلافِ، ودَفعُ الوَديعةِ بخِلافِه (٢).

أما الحَنفيةُ فقالوا: إذا أودَعَ صَبيًّا وَديعةً فهلَكَت منه فلا ضَمانَ عليه بالإِجماعِ، فإن استهلَكَها: إنْ كانَ مَأذونًا له في التِّجارةِ ضمِنَها إِجماعًا.

(١) «المهذب» (١/ ٣٥٩)، و «البيان» (٦/ ٤٧٤)، و «النجم الوهاج» (٦/ ٣٤٧)، و «مغني المحتاج» (٤/ ١٣٤)، و «تحفة المحتاج» (٨/ ٣١٠).
(٢) «المغني» (٦/ ٣١١).

وإنْ كانَ مَحجورًا عليه: فإنْ قبَضَها بإِذنِ وَليِّه ضمِنَ أيضًا إِجماعًا.

وإنْ قبَضَها بغيرِ إِذنِ وَليِّه فلا ضَمانَ عليه عندَ أَبي حَنيفةَ ومُحمَّدٍ لا في الحالِ ولا بعدَ الإِدراكِ.

وقالَ أَبو يُوسفَ: يَضمنُ في الحالِ.

وإنْ أودَعَه عَبدًا فقتَلَه ضمِنَ إِجماعًا.

والفَرقُ أنَّ الصَّبيَّ مِنْ عادَتِه تَضييعُ الأَموالِ، فإذا سلَّمَه معَ عِلمِه بهذه العادةِ فكَأنَّه رضِيَ بالإِتلافِ، فلمْ يَكنْ له تَضمينُه، وليسَ كذلك القَتلُ؛ لأنَّه ليسَ مِنْ عادَةِ الصِّبيانِ فيَضمنُه، وتَكونُ قِيمتُه على عاقلَتِه، وإنْ جَنى عليه فيما دونَ النَّفسِ كانْ أرشُه في مالِ الصَّبيِّ.

وقالَ البابرتِيُّ: وأجمَعُوا على أنَّه لو استَهلكَ مالَ الغيرِ مِنْ غيرِ أنْ يَكونَ عندهَ وَديعةً ضمِنَ في الحالِ (١).

وهذا الخِلافُ المَذكورُ قيلَ في الصَّبيِّ العاقِلِ، فأما غيرُ العاقِلِ فيَضمنُ بالاتِّفاقِ.

وقيلَ: بل العَكسُ، إنَّ الصَّبيَّ غيرُ العاقِلِ لا يَضمنُ في قَولِهم جَميعًا (٢).

(١) «العناية شرح الهداية» (١٥/ ٤٧٢)، ويُنْظَر: «بدائع الصنائع» (٦/ ٢٠٧)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ١٥٢)، و «البحر الرائق» (٨/ ٤٤٥)، و «حاشية ابن عابدين» (٨/ ٣٣٣).
(٢) «العناية شرح الهداية» (١٥/ ٤٧٢)، و «البحر الرائق» (٨/ ٤٤٥).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الوديعة
فصل في بيان ما يغير حال الوديعة من الأمانة إلى الضمان

الْمُودَعَ بَعْدَ الصُّلْحِ، وَإِنْ لَمْ يَصْطَلِحَا وَادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّ الْأَلْفَ لَهُ، لَا يَدْفَعُ إلَى أَحَدِهِمَا شَيْئًا؛ لِجَهَالَةِ الْمُقِرِّ لَهُ الْوَدِيعَةِ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَسْتَحْلِفَ الْمُودَعَ فَإِنْ اسْتَحْلَفَهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، فَالْأَمْرُ لَا يَخْلُو، إمَّا أَنْ يَحْلِفَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَإِمَّا أَنْ يَنْكُلَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَإِمَّا أَنْ يَحْلِفَ لِأَحَدِهِمَا وَيَنْكُلَ لِلْآخَرِ، فَإِنْ حَلَفَ لَهُمَا فَقَدْ انْقَطَعَتْ خُصُومَتُهُمَا لِلْحَالِ إلَى وَقْتِ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ، كَمَا فِي سَائِرِ الْأَحْكَامِ، وَهَلْ يَمْلِكَانِ الِاصْطِلَاحَ عَلَى أَخْذِ الْأَلْفِ بَيْنَهُمَا بَعْدَ الِاسْتِحْلَافِ، فَهُوَ عَلَى الِاخْتِلَافِ، وَالْمَعْرُوفُ بَيْنَ، أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَبِي يُوسُفَ، وَبَيْنَ مُحَمَّدٍ، عَلَى قَوْلِهِمَا لَا يَمْلِكَانِ وَعَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ يَمْلِكَانِ وَهِيَ مَسْأَلَةُ الصُّلْحِ بَعْدَ الْحَلِفِ، وَقَدْ مَرَّتْ فِي كِتَابِ الصُّلْحِ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 50 - 53

ارجع إلى أركان عقد الوديعة للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.1 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
أستغفر الله