الضرب الثاني: ما ملك بالإحياء وله حالتان

الإسلام > الأوقاف والملكية > أقسام الموات > الضرب الثاني: ما ملك بالإحياء وله حالتان

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 16 دقيقة قراءة

الضرب الثاني: ما ملك بالإحياء وله حالتان - الأقوال والأدلة

وقالَ الإمامُ الدّسوقِيُّ رحمة الله عليه: إذا اندرَسَت فإنْ كانَت عن ملكٍ كإِرثٍ أو هِبةٍ أو شِراءٍ؛ فالاختِصاصُ باقٍ ولو طالَ زَمنُ الاندِراسِ اتِّفاقًا (١).

وقالَ العُمرانِيُّ رحمة الله عليه: والضربُ الثانِي: مَواتٌ قد كانَ جَرى الملكُ عليه لمُسلمٍ ثُم ماتَ، أو غابَ وخرِبَت الأرضُ وصارَت كالمَواتِ، فإنْ كانَ المالكُ لها مَعروفًا؛ فهذا لا يَجوزُ إِحياؤُه بلا خِلافٍ (٢).

الضربُ الثانِي: ما مُلكَ بالإِحياءِ وله حَالتانِ:

الحالةُ الأُولى: ما مُلكَ بالإِحياءِ ثُم اندَثرَ وعُرفَ مالكُه:

اختَلفَ الفَقهاءُ فيما مُلكَ بالإِحياءِ ثُم تُرِكَ حتى دثرَ وعادَ مَواتًا، هل يَبقَى على ملكِ مالكِه ولا يَجوزُ إِحياؤُه أم يَصيرُ في حُكمِ المَواتِ ويَجوزُ إِحياؤُه؟

فذهَبَ المالِكيةُ في المَشهورِ والحَنفيةُ في قولٍ ووَجهٍ للشافِعيةِ إلى أنَّ مَنْ أَحيا أرضًا وتَركَها حتى دَثرتْ وعَادتْ إلى ما كانَت عليه وطَالَ زمنُ الاندِراسِ ثُم أَحيَاها آخرُ فهي للثانِي، وقد زالَ مُلكُ الأولِ عنها، وذلك لعُمومِ قولِ النَّبيِّ : «مَنْ أَحيا أَرضًا مَيتةً فهيَ له» (٣) فعمَّمَ ، ولأنَّ عينَ هذه الأرضِ مُباحةٌ في الأصلِ، فإذا تُركَت حتى

(١) «حاشية الدسوقي على الشرح الكبير» (٥/ ٣٤٩)، ويُنظَر: المَصادِر السابِقَة.
(٢) «البيان» (٧/ ٤٧٧).
(٣) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٣٠٧٣)، والترمذي (١٣٧٨)، والنسائي في «الكبرى» (٥٧٦١).

تَصيرَ مَواتًا عادَت إلى الأصلِ وهو الإِباحةُ، فأَشبَه مَنْ أخَذَ ماءً مِنْ النهرِ ثُّم رَدَّه إليه، وكالصيدِ يَخرجُ مِنْ يدِ صائدِه فيَلحقُ بالوَحشِ فهو لمَن صادَه بعدَه.

قالَ الموَّاقُ رحمة الله عليه: مِنْ «المدوَّنة»: مَنْ أَحيا أرضًا مَيتةً ثُم ترَكَها حتى دثَرَت وطَالَ زمانُها وهلَكَت أَشجارُها وتَهدَّمت آبارُها وعادَت كأولِ مرةً ثُم أَحيَاها غيرُه فهي لمُحيِيها آخِرًا.

قالَ ابنُ يُونسَ: قِياسًا على الصَّيدِ إذا أفلَتَ ولحِقَ بالوَحشِ وطالَ زَمانُه فهو للثانِي (١).

وذهَبَ جُمهورُ الفَقهاءِ الحَنفيةِ في الصَّحيحِ عندَهم، وسُحنونٌ مِنْ المالِكيةِ، والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّ ما مُلكَ بالإِحياءِ ثُم تُركَ حتى دثَرَ وعادَ مَواتًا وعُرفَ صاحبُه فهو لصاحبِه، ولا يَجوزُ إِحياؤُه؛ لأنَّ هذه الأرضَ يُعرَفُ مالكُها فلَم تُملَكْ بالإِحياءِ، كالتي مُلكَتْ بشِراءٍ أو عَطيةٍ، والخبَرُ مُقيَّدٌ بغيرِ المَملوكِ بقولِه في الروايةِ الأخرى: «مَنْ أَحيا أرضًا مَيتةً ليسَت لأحدٍ فهو أحقُّ بها» (٢)، فجَعلَ زوالَ الملكِ عن المَواتِ شرطًا في جَوازِ ملكِه بالإِحياءِ، فدَلَّ على أنَّ ما جَرَى عليه ملكٌ لَم

(١) «التاج والإكليل» (٤/ ٥٤٧)، ويُنظَر: «الإشراف» (٣/ ٢٤٠)، رقم (١٠٨٦)، و «الاستذكار» (٧/ ١٨٥)، و «المنتقى» (٦/ ٣٠، ٣١)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ٤٣٩، ٤٤٠)، و «تحبير المختصر» (٤/ ٦٢٥)، و «البيان» (٧/ ٤٧٨).
(٢) رواه النسائي في «الكبرى» (٥٧٥٩).

يَجزْ أنْ يُملَكَ بالإِحياءِ، وهذا الحَديثُ مُقيِّدٌ لقولِ النَّبيِّ : «مَنْ أَحيا أرضًا مَيتةً فهي له».

ولما رَواه البُخاريُّ عن عُروةَ، عن عائِشةَ رضي الله عنها، عن النَّبيِّ قالَ: «مَنْ أَعمرَ أرضًا ليسَت لأحدٍ فهو أحقُّ بها»، قالَ عُروةُ: «قَضى به عُمرُ رضي الله عنه في خِلافتِه ورَأى ذلك عَليٌّ في أرضِ الخرابِ بالكوفةِ مَواتٌ» (١).

وفي رِوايةٍ عن عُروةَ أنَّ النَّبيَّ قالَ: «مَنْ أَحيا أرضًا مَواتًا ليسَت لأحدٍ فهي له، ولا حقَّ لعرقٍ ظالمٍ»، قالَ عُروةُ: العرقُ الظالمُ: الرَّجلُ يَعمرُ الأرضَ الخَربةَ وهي للناسِ قد عَجزُوا عنها فتَرَكوها حتى خرِبَت (٢)، ولأنَّها أرضٌ استَقرَّ عليها ملكُ مُسلمٍ فلم يَجزْ أنْ تُملَكَ بالإِحياءِ.

ولأنَّ سائرَ الأَموالِ لا يَزولُ الملكُ عنها بالتَّركِ بدَليلِ سائرِ الأَملاكِ إذا تُركَت حتى تشَعَّثتْ، وما ذَكرُوه يَبطلُ بالمَواتِ إذا أَحياهُ إِنسانٌ ثُم باعَه فتركَه المُشتَري حتى عادَ مَواتًا، وباللُّقَطةِ إذا ملَكَها ثُم ضاعَت منه، ويُخالِفُ ماءَ النهرِ فإنَّه استُهلكَ.

وأما استِدلالُهم بقولِه : «مَنْ أَحيا أرضًا مَواتًا فهي له» فهو دليلٌ عليهم؛ لأنَّ الأولَ قد أَحياها فوجَبَ أنْ يَكونَ أَحقَّ بها مِنْ الناسِ؛ لأَمرينِ:

(١) أخرجه البخاري (٢٢١٠).
(٢) رواه النسائي في «الكبرى» (٥٧٦٠).

أحدهُما: أنَّه أَسبَقُ.

والثانِي: أنَّ مُلكَه قد ثبَتَ باتِّفاقٍ (١).

قالَ المَرغينانِيُّ رحمة الله عليه: فلو أَحياها ثُم ترَكَها فزرَعَها غيرُه فقد قِيل: الثانِي أَحقُّ بها؛ لأنَّ الأولَ ملَكَ استِغلالَها لا رَقبتَها، فإذا ترَكَها كانَ الثانِي أحقَّ بها، والأصحُّ أنَّ الأولَ يَنزعُها مِنْ الثانِي لأنَّه ملَكَها بالإِحياءِ على ما نطَقَ به الحَديثُ؛ إذ الإِضافةُ فيه ب «لام» التَّمليكِ، وملكُه لا يَزولُ بالتَّركِ (٢).

قالَ في «العِناية»: وقولُه: (والأَصحُّ أنَّ الأولَ يَنزعُها مِنْ الثانِي)، بَيانُه أنَّ المَشايخَ رحمهم الله اختَلفُوا في أنَّ إِحياءَ المَواتِ يُثبتُ ملكَ الاستِغلالِ أو ملكَ الرَّقبةِ، فذهَبَ بعضُهم -منهم الفَقيهُ أَبو القاسمِ أحمدُ البَّلخيُّ رحمة الله عليه إلى الأولِ قِياسًا على مَنْ جلَسَ في مَوضعٍ مُباحٍ فإنَّ له الانتِفاعَ به، فإذا قَامَ عنه وأَعرَضَ بطَلَ حقُّه.

وعامَّتُهم إلى الثانِي استِدلالًا بالحَديثِ، فإنَّه أَضافَ لامَ التَّمليكِ في قولِه: «فهي له»، وملكُه لا يَزولُ بالتَّركِ (٣).

(١) «الحاوي الكبير» (٧/ ٤٧٧، ٤٧٨)، و «البيان» (٧/ ٤٧٧، ٤٧٨)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٤٢٨)، و «حاشية عميرة» (٣/ ٢١٥)، و «المغني» (٥/ ٢٣٨)، و «كشاف القناع» (٤/ ٢٢٥، ٢٢٦)، و «شرح منتهى الإرادات» (٤/ ٢٥٩)، و «مطالب أولي النهى» (٤/ ١٧٩)، و «الهداية» (٤/ ٩٩)، و «العناية» (١٤/ ٣٠٩)، و «اللباب» (١/ ٦٨١، ٦٨٢)، و «حاشية الدسوقي مع الشرح الكبير» (٥/ ٤٣٩، ٤٤٠).
(٢) «الهداية» (٤/ ٩٩).
(٣) «العناية» (١٤/ ٣٠٩).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب إحياء الموات
مسألة

وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " مَوَتَانُ الْأَرْضِ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ هِيَ لَكُمْ مِنِّي " .

وَرَوَى الشَّافِعِيُّ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ طَاوُسٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " عِمَارَاتُ الْأَرْضِ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ ثُمَّ هِيَ لَكُمْ فَيْءٌ وَلِأَنَّ مَا لَمْ يَجر عَلَيْهِ مِلْكٌ نَوْعَانِ: أَرْضٌ، وَحَيَوَانٌ، فَلَمَّا مَلَكَ الْحَيَوَانَ إِذَا ظَهَرَ عَلَيْهِ بِالِاصْطِيَادِ مَلَكَ مَوَاتَ الْأَرْضِ إِذَا ظَهَرَ عَلَيْهِ بِالْإِحْيَاءِ.

فَصْلٌ

: فَإِذَا تَقَرَّرَ جَوَازُ الْإِحْيَاءِ قَالَ الشَّافِعِيُّ: بِلَادُ الْمُسْلِمِينَ شيئان عامر وموات ونما خَصَّ الشَّافِعِيُّ بِلَادَ الْمُسْلِمِينَ بِمَا ذَكَرَهُ مِنْ قِسْمَيِ الْعَامِرِ وَالْمَوَاتِ وَإِنْ كَانَتْ بِلَادُ الشِّرْكِ قِسْمَيْنِ: عَامِرٌ، وَمُوَاتٌ لِمَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّ عَامِرَ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ لِأَهْلِهِ لَا يُمْلَكُ عَلَيْهِ إِلَّا بِإِذْنِهِمْ وَعَامِرَ بِلَادِ الشِّرْكِ قَدْ يُمْلَكُ عَلَيْهِمْ قَهْرًا وَغَلَبَةً بِغَيْرِ إِذْنِهِمْ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ بَدَأْنَا بِذِكْرِ الْعَامِرِ مِنْ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ بِمَوَاتِهِمْ أَمَّا الْعَامِرُ فَلِأَهْلِهِ الَّذِينَ قَدْ مَلَكُوا بِأَحَدِ أَسْبَابِ التَّمْلِيكِ وَهِيَ ثَمَانِيَةٌ:

أَحَدُهَا: الْمِيرَاثُ.

وَالثَّانِي: الْمُعَاوَضَاتُ.

وَالثَّالِثُ: الْهِبَاتُ.

وَالرَّابِعُ: الْوَصَايَا.

وَالْخَامِسُ: الْوَقْفُ.

وَالسَّادِسُ: الصَّدَقَاتُ.

وَالسَّابِعُ: الْغَنِيمَةُ.

وَالثَّامِنُ: الْإِحْيَاءُ.

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب إحياء الموات
٩١٤ - مسألة؛ قال: (إلا أن تكون أرض ملح أو ماء للمسلمين فيه المنفعة، فلا يجوز أن ينفرد بها

وذَكَرَ سَعِيدٌ، في "سُنَنِه" : حَدَّثَنا عبدُ العَزِيزِ بن محمدٍ، عن رَبِيعَةَ، قال: سَمِعْتُ الحارثَ بن بِلَالِ بن الحارثِ، يقول: إنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أَقْطَعَ بِلَالَ بن الحارثِ العَقِيقَ، فلما وَلِىَ عمرُ بن الخَطَّابِ، قال: ما أقْطعَكَ لِتَحْتَجِنَهُ، فأقْطِعْهُ النّاسَ. ورَوَى عَلْقَمَةُ بن وائلٍ، عن أبِيه، أنَّ النبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أقْطَعَه أرْضًا بِحَضْرَمَوْتَ . قال التِّرْمِذِىُّ: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وقال سَعِيدٌ: حَدَّثَنا سُفْيَانُ، عن ابن أبي نُجَيْحٍ، عن عَمْرِو بن شُعَيْبٍ، أنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أقْطَعَ ناسًا مِن جُهَيْنَةَ أو مُزَيْنَةَ أرْضًا، فعَطَّلُوها، فجاءَ قَوْمٌ فأَحْيَوْهَا، فخَاصَمَهُم الذين أقْطَعَهُم رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- إلى عمرَ بن الخَطَّابِ، فقال عمرُ: لو كانت قَطِيعةً مِنِّى أو من أبى بَكْرٍ لم أَرُدَّها، ولكنها قَطِيعةٌ من رَسُولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فأنا أرُدُّها، ثم قال عمرُ رَضِىَ اللَّه عنه: مَن كانت له أرْضٌ - يَعْنِى من تَحَجَّرَ أرْضًا - فعَطَّلَهَا ثَلَاثَ سِنِينَ، فجاءَ قَوْمٌ فَعَمَرُوها، فهم أحَقُّ بها .

٩١٤ - مسألة؛ قال: (إلَّا أنْ تَكُونَ أَرْضَ مِلْحٍ أوْ مَاءً لِلْمُسْلِمِينَ فِيهِ الْمَنْفَعَةُ، فَلَا يَجُوزُ أنْ يَنْفَرِدَ بِهَا الْإِنْسَانُ)

وجملةُ ذلك، أنَّ المَعادِنَ الظّاهِرَةَ، وهى التي يُوصَلُ إلى ما فيها من غيرِ مُؤْنَةٍ، يَنْتَابُها الناسُ، ويَنْتَفِعُونَ بها، كالمِلْحِ، والماءِ، والكِبْرِيتِ، والقِيرِ ،

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 16 - 19

ارجع إلى أقسام الموات للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.1 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
اللهم صل على محمد