والثاني: أن تكون مقيدة فيهما

الإسلام > الأوقاف والملكية > أنواع العارية > والثاني: أن تكون مقيدة فيهما

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 15 دقيقة قراءة

والثاني: أن تكون مقيدة فيهما - الأقوال والأدلة

وإنْ وقَّتَها فله أنْ يَنتفِعَ ما لَم يَرجِعْ أو يَنقَضي الوقتُ؛ لأنَّه استَباحَ ذلك بالإِذنِ ففيما عدا مَحلِّ الإِذنِ يَبقى على أَصلِ التَّحريمِ.

فإنْ كانَ المُعارُ أرضًا لَم يَكنْ له أنْ يَغرِسَ ولا يَبنيَ ولا يَزرَعَ بعدَ الوقتِ أو الرُّجوعِ، فإنْ فعَلَ شيئًا مِنْ ذلك لزِمَه قَلعُ غَرسِه وبِنائِه، وحُكمُه حُكمُ الغاصبِ في ذلك؛ لِقولِ النَّبيِّ : «ليسَ لعرقٍ ظالمٍ حقٌّ» (١)، وعليه أَجرُ ما استَوفاه مِنْ نَفعِ الأرضِ على وَجهِ العُدوانِ، ويَلزمُه القَلعُ وتَسويةُ الحُفرِ ونَقصُ الأرضِ وسائرُ أَحكامِ الغَصبِ لأنَّه عُدوانٌ (٢).

والثانِي: أنْ تَكونَ مُقيَّدةً فيهما -أيْ: في الوقتِ والانتِفاعِ- بأنِ استَعارَه يومًا أو جمُعةً ليَستعمِلَه بنَفسِه.

قالَ الحَنفيةُ: فليسَ له أنْ يُركِبَ غيرَه ولا يُلبِسَه غيرَه؛ لاختِلافِ ذلك باختِلافِ المُستعمِلينَ؛ لأنَّ الأصلَ في المُقيَّدِ اعتِبارُ القيدِ فيه، إلا إذا تَعذَّرَ اعتِبارُه، واعتِبارُ هذا القَيدِ مُمكِنٌ؛ لأنَّه مُقيَّدٌ لتَفاوتِ الناسِ في استِعمالِ الدَّوابِّ والثِّيابِ رُكوبًا ولُبسًا، فلزِمَ اعتِبارُ القَيدِ فيه، فإنْ خالَفَ إلى شرٍّ ضمِنَ.

وإنْ أعارَه دارًا ليَسكنَها بنَفسِه فله أنْ يُسكِنَها غيرَه؛ لأنَّ المَملوكَ بالعَقدِ السُّكنَى، والناسُ لا تَتفاوتُ فيه، فلَم يَكنِ التَّقييدُ بسُكناه مُفيدًا فيَلغو، إلا إذا كانَ الذي يَسكنُها حَدادًا أو قَصارًا أو نحوَهما ممن يُوهِنُ

(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: تقَدمَ.
(٢) «المغني» (٥/ ١٣٣).

عليه البِناءُ، فليسَ له أنْ يُسكنَها إيَّاه ولا أنْ يَعملَ بنَفسِه ذلك؛ لأنَّ المُعيرَ لا يَرضى به عادةً، والمُطلَقُ يَتقيَّدُ بالعُرفِ والعادةِ (١).

ولا خِلافَ بينَ العُلماءِ على أنَّه لو أعارَه دابَّةً ليَركبَها إلى مَوضعٍ مُحدَّدٍ فجاوَزَه فهو مُتَعدٍّ مِنْ حينِ المُجاوَزةِ، وكذا لو أعارَه دابَّةً ليَحملَ عليها شيئًا مُعينًا فحملَ أكثرَ منها وزنًا فهو مُتَعدٍّ.

قالَ الحَنفيةُ: ولو أعارَه دابَّةً على أنْ يَحملَ عليها عشرةَ مَخاتيمَ شَعيرٍ فليسَ له أنْ يَحملَ عليها عَشرةَ مَخاتيمَ حِنطةٍ؛ لأنَّ الحِنطةَ أَثقلُ مِنْ الشَّعيرِ، فكانَ اعتِبارُ القَيدِ مُفيدًا، فإنْ فعَلَ وخالَفَ إلى شرٍّ ضمِنَ عَملًا بالتَّقييدِ فقط، ولا يَضمنُ بالخِلافِ إلى خَيرٍ ولا إلى مُساوٍ، فلو أَعارَه على أنْ يَحملَ عَشرةَ مَخاتيمَ حِنطةٍ جازَ له أنْ يَحملَ عليها عَشرةَ مَخاتيمَ شَعيرٍ أو مثلُ ذلك مما يَكونُ مثلَ الحِنطةِ أو أَخفَّ منها؛ لأنَّ الإذنَ بالشيءِ إِذنٌ بما يُساوِيه وبما هو خَيرٌ منه (٢).

وقالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: فإنِ استَعارَها إلى مَوضعٍ فجاوَزَه فقد تَعدَّى وعليه الأُجرةُ للزِّيادةِ خاصةً، فإذا استَعارَها إلى طَبريةَ فتجاوَزَ إلى القُدسِ فعليه أجرُ ما بينَ طبَريةَ والقُدسِ خاصةً.

(١) «بدائع الصنائع» (٦/ ٢١٥، ٢١٦)، و «الهداية» (٣/ ٢٢١)، و «العناية» (١٢/ ٢٥٠)، و «الاختيار» (٣/ ٦٩، ٧٠)، و «مختصر الوقاية» (٢/ ١٢٩)، و «حاشية ابن عابدين» (٨/ ٣٨٧)، و «مجمع الضمانات» (١/ ١٦٤، ١٦٥).
(٢) «بدائع الصنائع» (٦/ ٢١٥، ٢١٦)، و «الهداية» (٣/ ٢٢١)، و «العناية» (١٢/ ٢٥٠)، و «الاختيار» (٣/ ٦٩، ٧٠)، و «مختصر الوقاية» (٢/ ١٢٩)، و «حاشية ابن عابدين» (٨/ ٣٨٧)، و «مجمع الضمانات» (١/ ١٦٤، ١٦٥).

وإنِ اختلفا فقالَ المالكُ: «أَعرتُكَها إلى طبَريةَ» وقالَ المُستَعيرُ: «أَعرتَنِيها إلى القدسِ» فالقولُ قولُ المالكِ، وبهذا قالَ الشافِعيُّ وأَصحابُ الرَّأيِ.

وقالَ مالكٌ: إنْ كانَ يُشبِه ما قالَ المُستَعيرُ فالقولُ قولُه وعليه الضَّمانُ.

ولنا: إنَّ المالكَ مُدَّعًى عليه فكانَ القولُ قولَه؛ لِقولِ النَّبيِّ : «لكنَّ اليَمينَ على المُدَّعى عليه» (١).

وجاءَ في «المدونة الكبرى»: فيمَن استَعارَ دابَّةً يَركَبُها إلى سَفرٍ بَعيدٍ:

(قلْتُ) لابنِ القاسِمِ: أرَأيتَ لو أنَّ رَجلًا استَعارَ مِنْ رَجلٍ دابَّةً ليَركبَها حيثُ شاءَ ويَحمِلَ عليها ما شاءَ وهو بالفُسطاطِ فركِبَها إلى الشامِ أو إلى إِفريقيةَ؟ (قالَ): يُنظَرُ في عارِيتِه، فإن كانَ وَجهُ عارِيتِه إنَّما هو إلى المَوضعِ الذي يَركبُ إليه وإلا فهو ضامنٌ، ومِن ذلك أنَّه يَأتِي إلى الرَّجلِ فيَقولُ: «أسرِجْ لي دابَّتَك لأَركبَها في حاجةٍ لي» فيَقولُ له: «اركَبْها حيثُ أحبَبْت»، فهذا يَعلمُ الناسُ أنَّه لَم يُسرِجْها له إلى الشامِ ولا إلى إِفريقيةَ.

(قلْتُ): تَحفَظُه عن مالكٍ؟

(قالَ): هذا رَأيي.

(قالَ): ووَجدتُ في مَسائلِ عبدِ الرَّحيمِ أنَّ مالكًا قالَ فيمَن استَعارَ دابَّةً إلى بَلدٍ فاختَلفا فقالَ المُستَعيرُ: «أَعرتَنِيها إلى بَلدِ كذا وكذا» وقالَ المُعيرُ:

(١) «المغني» (٥/ ١٣٥).

«إلى مَوضعِ كذا وكذا» (قالَ) إنْ كانَ يُشبُه ما قالَ المُستَعيرُ فعليه اليَمينُ، فهذا يَدلُّك على ما فسَّرتُ لك.

وجاءَ فيها: فيمَن استَعارَ دابَّةً ليَحملَ عليها حِنطةً فحمَلَ عليها غيرَ ذلك.

(قلْتُ) لابنِ القاسِمِ: أرَأيتَ لو أنَّ رَجلًا استَعارَ دابَّةً ليَحملَ عليها حِنطةً فحمَلَ عليها حِجارةً فعطبَتْ، أيَضمنُ أم لا في قولِ مالكٍ؟

(قالَ): قالَ مالكٌ في رَجلٍ اكتَرى دابَّةً مِنْ رَجلٍ ليَحملَ عليها أو ليَركبَها فأَكْراها مِنْ غيرِه فعطبَتْ (قالَ): إنْ كانَ أَكْراها في مِثلِ ما تَكاراها له وكانَ الذي اكْتَراها عَدلًا أَمينًا لا بَأسَ به فلا ضَمانَ عليه، وإنْ كانَ ما حمَلَ على الدابَّةِ مما يُشبِه أنْ يَكونَ مثلَ الذي استَعارَها له فعطَبَت فلا ضَمانَ عليه، وإنْ كانَ ذلك أَضرَّ بالدابَّةِ فعطَبَت فهو ضامنٌ.

(قالَ): ومما يُبيِّنُ لك ذلك أنَّه لو استَعارَها ليَحملَ عليها بزًّا فحمَلَ عليها كَتانًا أو قُطنًا أو استَعارَها ليَحملَ عليها حِنطةً فحمَلَ عليها عدَسًا أنَّه لا يَضمنُ في قولِ مالكٍ، وإنَّما يَضمنُ إذا كانَ أمرًا مُخالفًا فيه ضَررٌ على الدابَّةِ، فهذا الذي يَضمَنُ إنْ عطَبَت.

(قلْتُ): أرَأيتَ إنِ استعَرتُ دابَّةً لأَحملَ عليها حِنطةً فركِبتُها أنا ولَم أَحمِلْ عليها فعطبَتْ هل أَضمَنُها أم لا؟

(قالَ): يُنظَرُ في ذلك، فإنْ كانَ رُكوبُك أضَرَّ بالدابَّةِ مِنْ الحِنطةِ وأَثقلَ ضمِنتَها وإلا فلا ضَمانَ عليك.

(قلْتُ): أرَأيتَ إنِ استعَرتُ مِنْ رَجلٍ دابَّةٍ لأَركبَها إلى مَوضعٍ مِنْ المَواضعِ فركِبتُها وحمَلتُ خَلفي رَديفًا فعطَبَتِ الدابَّةُ، ما عليَّ؟ (قالَ): ربُّها مُخيَّرٌ في أنْ يَأخذَ منك كِراءَ الرَّديفِ ولا شيءَ له غيرَ ذلك، وفي أنْ يُضمِّنَك قِيمتَها يومَ حمَلْت عليها الرَّديفَ.

(قلْتُ): أجَميعَ قِيمتِها أو نِصفَ قِيمتِها؟

(قالَ): جَميعَ قِيمتِها.

(قلْتُ): وهذا قولُ مالكٍ؟

(قالَ): سُئلَ مالكٌ عن رَجلٍ تَكارَى بَعيرًا ليَحملَ عليه وَزنًا مُسمًّى فتَعدَّى فحمَلَ عليه أكثرَ مما شرَطَ في الوَزنِ فعطَبَ البَعيرُ فهلَكَ أو أدبَرَه أو أعنَتَه، قالَ مالكٌ: يُنظَرُ في ذلك، فإن كانَ الذي زادَ عليه الرَّطلَينِ والثَّلاثةَ وما أشبَهَ ذلك مما لا يَعطبُ في مثلِ تلك الزِّيادةِ كانَ له كِراءُ تلك الزِّيادةِ إنْ أَحبَّ ولا ضَمانَ على المُتكارِي في البَعيرِ إنْ عطَبَ. (قالَ): فإنْ كانَ في مثلِ ما زادَ عليه ما يَعطبُ في مثلِه كانَ صاحبُ البَعيرِ مُخيَّرًا، فإنْ أَحبَّ فله قِيمةُ بَعيرِه يومَ تَعدَّى عليه، وإنْ أَحبَّ فله كِراءُ ما زادَ على بَعيرِه معَ الكِراءِ الأولِ ولا شيءَ له مِنْ القِيمةِ، فكذلك مَسألتُك في العارِيةِ (١).

وقالَ الشافِعيةُ: ولو استَعارَ دابَّةَ ليَركبَها إلى مَوضعٍ فجاوَزَه فهو مُتعدٍّ مِنْ حينِ المُجاوَزةِ، وعليه أُجرةُ المثلِ ذَهابًا مِنْ ذلك المَوضعِ ورُجوعًا

(١) «المدونة الكبرى» (١٥/ ١٦٢، ١٦٣)، و «البيان والتحصيل» (١٥/ ٣١٥).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب الوديعة
باب الاستطاعة للحرائر وغير الاستطاعة

باب الاستطاعة للحرائر وغير الاستطاعة

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أنْ يَنْكِحَ المُحْصَنَاتِ المُؤْمِنَاتِ فَمِن مَا مَلَكَتْ أيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمْ المْؤْمِنَاتِ) {النساء: ٢٥) وَفَيِ ذَلِكَ دليلٌ أَنَّهُ أَرَادَ الْأَحْرَارَ لِأَنَّ الملك لهم ولا يحل مِنَ الْإِمَاءِ إِلَّا مسلمةٌ وَلَا تَحِلُّ حَتَّى تجتمع شرطان أن لا يجد طول حرةٍ وَيَخَافَ الْعَنَتَ إِنْ لَمْ يَنْكحهَا وَالْعَنَتُ الزِّنَا واحتج بأن جابر بن عبد الله قال من وجد صداق امرأةٍ فلا يتزوج أمة قال طاوس لا يحل نكاح الحر الأمة وهو يجد صداق الحرة وقال عمرو بن دينارٍ لا يحل نكاح الإماء اليوم لأنه يجد طولاً إلى الحرة ".

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قَدْ مَضَى الْكَلَامُ فِي نِكَاحِ الحرائر من المسلمات والكتابيات إذا نكحن الأحرار والعبيد فأما نكاح الأمة فَلَهُ حَالَانِ:

أَحَدُهُمَا: مَعَ الْعَبْدِ.

وَالثَّانِي: مَعَ الحر.

فأما العبد في نكاح الإماء فَلَهُ أَنْ يَنْكِحَهُنَّ كَمَا يَنْكِحُ الْحَرَائِرَ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ زَائِدٍ وَالْكَلَامُ فِيهِ يَأْتِي مَعَ ذِكْرِ مَا فِيهِ مِنْ خِلَافٍ.

وَأَمَّا الْحُرُّ فَحُكْمُهُ فِي نِكَاحِ الْأَمَةِ مُخَالِفٌ لِحُكْمِهِ فِي نكاح الحرة فلا يجوز أَنْ يَنْكِحَهَا إِلَّا بِثَلَاثِ شَرَائِطَ تُعْتَبَرُ فِيهِ، وَشَرْطٍ رَابِعٍ يُعْتَبَرُ فِي الْأَمَةِ، فَأَمَّا الشَّرْطُ المعتبر في الأمة الإسلام، وَيَأْتِي الْكَلَامُ فِيهِ.

وَأَمَّا الثَّلَاثُ شَرَائِطَ الْمُعْتَبَرَةُ في الحر:

أحدها: أَنْ لَا يَكُونَ تَحْتَهُ حُرَّةٌ.

وَالثَّانِي: أَنْ لا يجد طولاً لحرة.

وَالثَّالِثُ: أَنْ يَخَافَ الْعَنَتَ إِنْ لَمْ يَنْكِحْ أَمَةً، وَالْعَنَتُ الزِّنَا فَإِذَا اسْتَكْمَلَ هَذِهِ الشُّرُوطَ الثلاثة حل له نكاح أمة، وإن أخل شرط مِنْهَا لَمْ يَحِلَّ لَهُ نِكَاحُهَا.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 184 - 188

ارجع إلى أنواع العارية للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.1 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
الله أكبر