الإسلام > الأوقاف والملكية > حكم ضمان العارية
مسائلُ فقهيةٌ في حكم ضمان العارية على المذاهبِ الأربعةِ (الحنفيِّ، والمالكيِّ، والشافعيِّ، والحنبليِّ)، من موسوعةِ الفقهِ الإسلاميِّ.
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 28 دقيقة قراءةحُكمُ ضَمانِ العارِيةِ:
اتَّفقَ الفَقهاءُ على أنَّ المُستَعيرَ إذا تَعدَّى في العارِيةِ بأيِّ نوعٍ مِنْ أَنواعِ التَّعدِّي فإنَّه ضامنٌ لها لتَعدِّيه.
إلا أنَّ الفَقهاءَ اختلَفُوا فيما لو تلِفَت العارِيةُ في يدِ المُستَعيرِ مِنْ غيرِ تَعدٍّ منه ولا تَفريطٍ، هل يَضمنُها أم لا؟
فذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّ العارِيةَ في يدِ المُستَعيرِ مَضمونةٌ، سَواءٌ تَعدَّى فيها أم لَم يَتعدَّ، تلِفَت بتَفريطٍ منه أو لا، وسَواءٌ شرَطَ ضَمانَها أم لا؛ لِمَا رُويَ عن أُميَّةَ بنِ صَفوانَ بنِ أُميَّةَ عن أَبيه أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ استَعارَ منه يومَ حُنينٍ أَدراعًا، فقالَ: أَغَصبًا يا مُحمدُ؟ قالَ: بلْ عارِيةٌ مَضمونةٌ. قالَ: فضاعَ بعضُها فعرَضَ عليه رَسولُ اللهِ ﷺ أنْ يُضمِّنَها له، قالَ: «أنا اليومَ يا رَسولَ اللهِ في الإِسلامِ أَرغبُ» (١). ولأنَّه مالٌ
(١) رواه أبو داود (٣٥٦٢، ٣٥٦٣)، والنسائي في «الكبرى» (٥٧٧٩)، والدارقطني (٣/ ٣٩)، والحاكم (٢/ ٥٤)، والبيهقي في «الكبرى» (٦/ ٨٩)، والضياء في «المختارة» (٨/ ٢٣)، والإمام أحمد في «مسنده» (١٥٣٣٧، ٢٧٦٧٧)، من طريقِ يزيدِ بنِ هارونَ عن عبدِ العزيزِ بنِ رفيعٍ عن أميةَ بنِ صفوانَ بنِ أميةَ عن أبيه أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ استَعارَ منه أَدرعًا يومَ حُنَينٍ، فقالَ: أغصبٌ يا مُحمدُ؟ فقالَ: فذكَرَه.
وهذا إِسنادٌ ضَعيفٌ فيه أُمَيَّةُ هذا، قالَ الحافظُ فيه: مقبولٌ.
وشريكٌ وهو ابنُ عبدِ اللهِ القاضي وهو سيئُ الحفظِ، قالَ الحافظُ فيه: صدوقٌ يُخطِئُ كثيرًا، وقد تابعَه قيسُ بنُ الربيعِ كما رواه البيهقيُّ معلقًا (٦/ ٨٩)، ولكنَّه خالفَه في إسنادِه فأدخلَ بينَ عبدِ العزيزِ وأُمَيَّةَ بنِ صَفوانَ ابنَ أبي مُليكةَ. =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= وتابعَه جريرُ بنُ عبدِ اللهِ كما عندَ أبي داودَ (٣٥٦٣)، وعنه البيهقيُّ (٦/ ٨٩)، لكنَّه قالَ: عن عبدِ العَزيزِ عن أُناسٍ مِنْ آلِ صَفوانَ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: «يا صَفوانُ هل عندَك مِنْ سلاحٍ»، قالَ: عارِيةً أم غصبًا، قالَ: «بل عارِيةٌ» … الحديث.
وخالفَه أيضًا أَبو الأَحوصِ كما عندَ أبي داودَ (٣٥٦٤)، والبيهقيِّ (٦/ ٨٩)، فرواه عن عبدِ العزيزِ بنِ رَفيعٍ عن عَطاءٍ عن أُناسٍ مِنْ آل صفوانَ قالَ: استَعارَ النبيُّ ﷺ فذكرَ معناه.
ثُم أخرَجَه البيهقيُّ في «الكبرى» (٦/ ٨٩)، والطبرانيُّ في «الأوسطِ» (٢/ ١٧٦) مِنْ طريقِ أنسِ بنِ عِياضٍ اللَّيثيِّ عن جَعفرِ بنِ مُحمدٍ عن أَبيه أنَّ صَفوانَ بنَ أُميَّةَ أعارَ النبيَّ ﷺ سلاحًا … فذكرَه.
ثُم قالَ البَيهقيُّ: وبعضُ هذه الأَخبارِ وإنْ كانَ مُرسلًا فإنَّه يُقوَّى بشواهدِه معَ ما تقدَّمَ مِنْ المَوصولِ.
قولُه (بشواهدِه): يُشيرُ إلى حديثِ جابرِ بنِ عبدِ اللهِ وحديثِ ابنِ عباسٍ رضي الله عنهما.
أما حديثُ جابرٍ فأخرَجَه الحاكمُ (٣/ ٥١)، ومِن طريقِه البيهقيُّ في «الكبرى» (٦/ ٨٩) مِنْ طريقِ ابنِ إسحاقَ قالَ: حدَّثني عاصمُ بنُ عمرَ بنِ قتادةَ عن عبدِ الرحمنِ بنِ جابرٍ عن أبيه جابرِ بنِ عبدِ اللهِ أنَّ رسولَ اللهِ سارَ إلى حُنَينٍ، فذكَرَ الحديثَ، وفيه: بعثَ رسولُ اللهِ ﷺ إلى صَفوانَ بنِ أُمَيَّةَ فسأَلَه أدرعًا مائةَ درعٍ وما يُصلِحُها مِنْ عدَّتِها، فقالَ: أغصبًا يا مُحمدُ؟ قالَ: «بل عارِيةٌ مَضمونةٌ حتى نُؤدِّيَها إليك … ».
(٢) قالَ الحاكمُ: صحيحُ الإسنادِ ووافَقَه الذهبيُّ: قالَ الشيخُ الألبانِيُّ في «الصحيحةِ» (٢/ ١٣٠): وإنما هو حسنٌ فقط للكلامِ المَعروفِ في ابنِ إسحاقَ، والمُستقِرُّ أنَّه حسنُ الحديثِ إذا صرَّحَ بالحديثِ كما في هذا.
أما حديثُ ابنِ عباسٍ فأخرَجَه الحاكمُ في «المُستدركِ» (٢/ ٥٤) عن إسحاقَ بنِ عبدِ الواحدِ القرشيِّ عن خالدِ بنِ عبدِ اللهِ عن خالدٍ الحذاءِ عن عكرمةَ عن ابنِ عباسٍ أنَّ =
يَجبُ ردُّهُ إلى مالكِه فيَضمنُ عندَ تلَفِه كالمُستَأمِنِ؛ لقولِ النَّبيِّ ﷺ: «على اليدِ ما أخذَتْ حتى تُؤدِّيَه» (١) ولأنَّه أخَذَ مالَ غيرِه لنَفعِ نَفسِه مُنفردًا بنَفعِه مِنْ غيرِ استِحقاقٍ، ولا إذنٍ في الإِتلافِ، فكانَ مَضمونًا كالغاصبِ والمَأخوذِ على وَجهِ السَّومِ (٢).
=رسولَ اللهِ ﷺ استعارَ مِنْ صفوانَ بنِ أُمَيَّةَ أدرعًا وسنانًا في غَزوةِ حُنَينٍ، فقالَ يا رَسولَ اللهِ: أعارِيةٌ مؤدَّاة، قالَ: «عاريةٌ مؤدَّاةٌ».
قلْتُ: هذا إِسنادٌ ضَعيفٌ، وعلَّتُه إِسحاقُ هذا، قالَ أبو عليٍّ الحافظُ كما نقلَه عنه ابنُ الجوزيِّ: متروكُ الحديثِ. وقَالَ الخطيبُ: لا بأسَ به، ورَدَّ قولَ الخطيبِ هذا الذهبيُّ بقولِه: بل هو واهٍ.
ولهذا قالَ الحافظُ في «بلوغ المرام» عقبَ حديثِ صفوانَ هذا. رواه أبو داودَ، وأحمدُ، والنَّسائيُّ، وصحَّحَه الحاكمُ وأخرجَ له شاهدًا ضعيفًا عن ابنِ عباسٍ رضي الله عنهما. انظرْ: «سبل السلام» (٨٧٠).
والحديثُ ذكرَه الشيخُ الألبانِيُّ رحمة الله عليه في «السلسلةِ الصحيحةِ» (٦٣١).
(١) رواه أبو داود (١/ ٣٥٦)، والترمذي (١٢٦٦) وقَالَ: حديثٌ حسنٌ صَحيحٌ، والنسائي في «الكبرى» (٥٧٨٣)، وابن ماجه (٢٤٠٠)، وأحمد في «المسند» (٥/ ٨، ١٣)، والدارمي (٢٥٩٦)، وابن أبي شيبة في «المصنف» (٤/ ٣١٦)، والحاكم (٢/ ٥٥) وقَالَ: صحيحُ الإسنادِ على شرطِ البخاريِّ ولم يُخرِجاه، والبيهقي في «الكبرى» (٦/ ٩٠، ٩٥)، والروياني في «مسنده» (٧٨٤)، وابن الجارود في «المنتقى» (١٠٢٤)، والشهاب في «مسنده» (٢٨٠، ٢٨١)، والطبراني في «الكبير» (٧/ ٢٠٨) عن سعيدِ بنِ أبي عروبةَ عن قتادةَ عن الحسنِ عن سَمرةَ بنِ جُندبٍ مَرفوعًا به قالَ الحافظُ في «الفتح» (٥/ ٢٤١)، وسماعُ الحسنِ مِنْ سَمرةَ مُختلفٌ فيه فإنْ ثبتَ ففيه حجةٌ لقولِ الجمهورِ، واللهُ أعلمُ. قلْتُ: والحديثُ ضعَّفَه الشيخُ الألبانِيُّ رحمة الله عليه في «الإرواء» (١٥١٦).
(٢) «الأم» (٣/ ٢٤٤، ٢٤٥)، و «الحاوي الكبير» (٧/ ١١٨)، و «البيان» (٦/ ٥١٢، ٥١٣)، =
قالَ الشافِعيةُ: كلُّ عارِيةٍ مَضمونةٌ على المُستَعيرِ وإنْ تلِفَت مِنْ غيرِ تَفريطٍ وإنْ شرَطَ نَفيَ الضَّمانِ -للأَدلةِ السابقةِ-، إلا أنَّه إنِ استَعارَ عَينًا فاستَعمَلَها استِعمالًا مَأذونًا فيه فرَدَّها وقد نقَصَ شيءٌ مِنْ أَجزائِها بأنْ كانَ ثَوبًا فرَدَّه وقد رقَّ ونقَصَت قِيمتُه بذلك أو انمحَقَ بالاستِعمالِ بأن تلِفَ بالكليَّةِ لَم يَجبْ عليه ضَمانُ ما نقَصَ؛ لأنَّ الإِذنَ في استِعمالِه تَضمَّنَ الإذنَ في إِتلافِ ذلك منه، هذا على الصَّحيحِ مَنْ المَذهبِ.
وقيلَ يَضمنُ المُنمحِقَ الذي هلَكَ بالكُليةِ دونَ المُنسحِقِ الذي نقَصَ بعضُه بالاستِعمالِ؛ لأنَّ مُقتَضى الإِعارةِ الردُّ ولَم يُوجدْ في المُنمحِقِ فيَضمنُه، بخِلافِ المُنسحِقِ (١).
قالَ الماوَرديُّ رحمة الله عليه: اتَّفقَ الفَقهاءُ على أنَّ ما تلِفَ مِنْ أَجزائِها بالاستِعمالِ غيرُ مَضمونٍ على المُستَعيرِ (٢).
=و «روضة الطالبين» (٣/ ٦٢١، ٦٢٢)، و «النجم الوهاج» (٥/ ١٤٨، ١٤٩)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٢٧٣، ٢٧٤)، و «تحفة المحتاج» (٦/ ٧٠١، ٧٠٢)، و «الإفصاح» (٢/ ٣، ٤)، و «المغني» (٥/ ١٢٩)، و «كشاف القناع» (٤/ ٨٧)، و «شرح منتهى الإرادات» (٤/ ١١٢).
(١) «الأم» (٣/ ٢٤٤، ٢٤٥)، و «الحاوي الكبير» (٧/ ١١٨)، و «البيان» (٦/ ٥١٢، ٥١٣)، و «روضة الطالبين» (٣/ ٦٢١، ٦٢٢)، و «النجم الوهاج» (٥/ ١٤٨، ١٤٩)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٢٧٣، ٢٧٤)، و «تحفة المحتاج» (٦/ ٧٠١، ٧٠٢).
(٢) «الحاوي الكبير» (٧/ ١١٨).
وقالَ الحَنابلةُ: العارِيةُ المَقبوضةُ مَضمونةٌ ويَضمنُها بقِيمتِها يومَ التَّلفِ؛ لأنَّه يَتحقَّقُ حينَئذٍ فَواتُ العارِيةِ فوجَبَ اعتِبارُ الضَّمانِ به إنْ كانَت مُتقوِّمةً، وإن كانَت مِثليَّة فضَمانُها بمثلِها؛ لأنَّه أَقربُ إليها مِنْ القِيمةِ (١).
قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: وإذا انتَفعَ بها وردَّها على صِفتِها فلا شيءَ عليه؛ لأنَّ المَنافعِ مَأذونٌ في إِتلافِها فلا يَجبُ عِوضُها، وإنْ تلِفَ شيءٌ مِنْ أَجزائِها التي لا تَذهبُ بالاستِعمالِ فعليه ضَمانُها؛ لأنَّ ما ضُمنَ جُملتُه ضُمنَت أَجزاؤُه كالمَغصوبِ.
وأما أَجزاؤُها التي تَذهبُ بالاستِعمالِ كخَملِ المِنشَفةِ والقَطيفةِ وخفِ الثَّوبِ يَلبسُه ففيه وَجهانِ:
أحدُهما: يَجبُ ضَمانُه؛ لأنَّها أَجزاءُ عَينٍ مَضمونةٍ فكانَت مَضمونةً كما لو كانَت مَغصوبةً، ولأنَّها أَجزاءُ يَجبُ ضَمانُها لو تلِفَت العَينُ قبلَ استِعمالِها فتُضمَنُ إذا تلِفَت وحدَها كسائرِ الأَجزاءِ.
والثانِي: لا يَضمنُها، وهو قولُ الشافِعيِّ؛ لأنَّ الإذنَ في الاستِعمالِ تَضمَّنَه فلا يَجبُ ضَمانُه كالمَنافعِ، وكما لو أذِنَ في إِتلافِها صَريحًا، وفارقَ إذا تلِفَت العَينُ قبلَ استِعمالِها لأنَّه لا يُمكنُ تَمييزُها مِنْ العَينِ، ولأنَّه إنَّما أذِنَ في إِتلافِها على وجهِ الانتِفاعِ، فإذا تلِفَت العَينُ قبلَ ذلك فقد فاتَت على غيرِ الوَجهِ الذي أُذِنَ فيه فضمِنَها، كما لو أَجَّرَ العَينَ المُستَعارةَ فإنَّه يَضمنُ
(١) «المغني» (٥/ ١٢٩)، و «المبدع» (٥/ ١٤٤)، و «كشاف القناع» (٤/ ٨٧)، و «شرح منتهى الإرادات» (٤/ ١١٢).
مَنافعَها، فإذا قُلنا: لا يَضمنُ الأَجزاءَ فتلِفَت العينُ بعدَ ذَهابِها بالاستِعمالِ فإنَّها تُقوَّمُ حالَ التَّلفِ؛ لأنَّ الأَجزاءَ التالِفةَ تلِفَت غيرَ مَضمونةٍ؛ لكَونِها مَأذونًا في إِتلافِها فلا يَجوزُ تَقويمُها عليه.
وإنْ قُلنا: يَجبُ ضَمانُ الأَجزاءِ قُوِّمَتِ العينُ قبلَ تَلفِ أَجزائِها، وإنْ تلِفَت العينُ قبلَ ذَهابِ أَجزائِها ضمِنَها كلَّها بأَجزائِها، وكذلك لو تلِفَت الأَجزاءُ باستِعمالٍ غيرِ مَأذونٍ فيه مثلُ أنْ يُعيرَه ثَوبًا ليَلبسَه فحمَلَ فيه تُرابًا، فإنَّه يَضمنُ نَقصَه ومَنافعَه؛ لأنَّه تلِفَ بتَعدِّيه، وإنْ تلِفَ بغيرِ تَعدٍّ منه ولا استِعمالٍ كتَلفِها لطولِ الزَّمانِ عليها ووُقوعِ نارٍ عليها فيَنبغي أنْ يَضمَنَ ما تلِفَ منها بالنارِ ونحوِها؛ لأنَّه تَلفٌ لَم يَتضمَّنْه الاستِعمالُ المَأذونُ فيه فأشبَه تَلفَها بفِعلٍ غيرِ مَأذونٍ فيه، وما تلِفَ بمُرورِ الزَّمانِ عليه يَكونُ حُكمُه حُكمَ ما تلِفَ بالاستِعمالِ؛ لأنَّه تلِفَ بالإِمساكِ المَأذونِ فيه فأشَبَه تَلفَه بالفِعلِ المَأذونِ فيه (١).
وذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّ العينَ المُستعارةَ في يدِ المُستعيرِ أمانةٌ لا تُضمَنُ إلا إذا تَعدَّى أو فرَّطَ فيها، واستَدلُّوا على ذلك بما رُويَ مَرفوعًا: «ليسَ على المُستعيرِ غيرُ المُغلِّ ضَمانٌ» (٢)، والمُغِلُّ هو الخائنُ، فقد نَفى الضَّمانَ
(١) «المغني» (٥/ ١٢٩، ١٣٠).
(٢) رواه الدارقطني (٣/ ٤١) في البيوعِ عن عليِّ بنِ حربٍ عن عمرِو بنِ عبدِ الجبارِ عن عبيدِ بنِ حسانٍ عن عمرِو بنِ شعيبٍ عن أبيه عن جدِّه. ثُم قالَ: عمرٌو وعبيدٌ ضعيفانِ، وإنما يُروَى عن شريحٍ القاضي غيرَ مَرفوعٍ.
عن المُستَعيرِ عندَ عدمِ الخِيانةِ، والمَعنى فيه أنَّه قبَضَ العَينَ للانتِفاعِ به بإذنٍ صَحيحٍ فلا يَكونُ مَضمونًا عليه كالمُستأجِرِ، وتَأثيرُه أنَّ وُجوبَ الضَّمانِ يَكونُ للجُبرانِ، وذلك لا يَتحقَّقُ إلا بعدَ تَفويتِ شيءٍ على المالكِ، وبالإذنِ الصَّحيحِ يَنعدمُ التَّفويتُ، ألَا تَرى أنَّ القبضَ في كونِه مُوجبًا للضَّمانِ لا يَكونُ فوقَ الإِتلافِ؟ ثُم الإِتلافُ بالإذنِ لا يَكونُ مُوجِبًا للضَّمانِ فالقبضُ أَولى، ولا يَجوزُ أنْ يَجبَ الضَّمانُ هناك باعتِبارِ العقدِ؛ لأنَّ العَقدَ عقدُ تَبرعٍ فلا يَكونُ عَقدَ ضَمانٍ كالهِبةِ.
والدَّليلُ عليه أنَّ ما تَناولَه العَقدُ وهو المَنفعةُ لا يَصيرُ مَضمونًا بهذا العَقدِ، فما لَم يَتناولْه العَقدُ أَولى، ولأنَّ العَقدَ على المَنفعةِ إذا كانَ بعِوضٍ -وهو الإِجارةُ- لا يُوجِبُ ضَمانَ العَينِ، وتَأثيرُ العِوضِ في تَقديرِ حُكمِ ضَمانِ العَقدِ، فإذا كانَ العَقدُ على المَنفعةِ مَقرونًا بالعِوضِ لا يُوجبُ الضَّمانَ فالمُتعرِّي عن العِوضِ كيفَ يُوجبُ الضَّمانَ؟
والدَّليلُ عليه أنَّه لو تلِفَ في الاستِعمالِ لَم يَضمَنْ، ولا يَجوزُ أنْ يُجعَلَ فعلُه كفعلِ المالكِ؛ لأنَّه استَعمَلَ لمَنفعةِ نَفسِه، ولكنْ إنَّما لا يَضمنُ لوُجودِ الإذنِ مِنْ المالكِ في الاستِعمالِ فكذلك للقَبضِ، وإنْ قالَ بحكمِ الإذنِ مِنْ المالكِ في الاستَعمالِ جعَلَ استِعمالُه كاستِعمالِ المالكِ، فبحُكمِ الإذنِ في القَبضِ والإِعطاءِ يَنبغي أنْ يُجعَلَ قَبضُه كقَبضِ المالكِ.
ولأنَّ الضَّمانَ إما أنْ يَجبَ بالعَقدِ أو بالقَبضِ أو بالإِذنِ، وليسَ هنا شيءٌ مِنْ ذلك، أما العَقدُ فلأنَّ اللَّفظَ الذي تَنعقدُ به العارِيةُ لا يُنبئُ عن
التِزامِ الضَّمانِ؛ لأنَّه تَمليكُ المَنافعِ بغيرِ عِوضٍ أو لإِباحتِها على الاختِلافِ.
وما وُضعَ لتَمليكِ المَنافعِ لا يُتعرَّضُ فيه للعَينِ حتى يُوجَبَ الضَّمانَ عندَ هَلاكِه.
وأما القَبضُ فإنما يُوجِبُ الضَّمانَ إذا وقَعَ بطَريقِ التَّعدِّي، وما هنا ليسَ كذلك؛ لكَونِه مَأذونًا فيه.
وأما الإِذنُ فلأنَّ إِضافةَ الضَّمانِ إليه فَسادٌ في الوَضعِ؛ لأنَّ إذنَ المالكِ في قَبضِ الشيءِ يَنفي الضَّمانَ فكيفَ يُضافُ إليه؟
ولأنَّ الإِتلافَ يَكونُ حَقيقةً ويَكونُ معنًى، فالإِتلافُ حَقيقةً بإِتلافِ العينِ، كعَطبِ الدابَّةِ بتَحميلِها ما لا يَحملُه مثلُها، أو استِعمالُها فيما لا يُستعمَلُ مثلُها فيه، والإِتلافُ معنًى بالمَنعِ بعدَ الطَّلبِ، أو بعدَ انقِضاءِ المُدةِ، أو بجُحودِ الإِعارةِ، أو بتَركِ الحِفظِ، أو بمُخالفةِ الشُّروطِ في استِعمالِها، فلو حبَسَ العارِيةَ بعدَ انقِضاءِ المدةِ يَضمنُ؛ لأنَّها واجِبةُ الردِّ في هاتينِ الحالَتينِ؛ لقولِه عليه السلام: «العارِيةُ مُؤدَّاةٌ» وقولِه عليه السلام: «على اليدِ ما أخذَت حتى تردَّه»، ولأنَّ حُكمَ العقدِ انتَهى بانقِضاءِ المُدةِ أو الطَّلبِ، فصارَت العَينُ في يدِه كالمَغصوبِ.
والمَغصوبُ مَضمونُ الردِّ حالَ قِيامِه، ومَضمونُ القِيمةِ حالَ هَلاكِه (١).
(١) «بدائع الصنائع» (٦/ ٢١٧، ٢١٨)، و «المبسوط» للسرخسي (١١/ ١٣٥)، و «أحكام القران» للجصاص (٣/ ١٧٣، ١٧٥)، و «العناية شرح الهداية» (٧/ ٤٦٩)، و «تبيين الحقائق» للزيلعي (٥/ ٨٥)، و «الاختيار» (٣/ ٦٩)، و «مختصر الوقاية» (٢/ ١٢٧)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ١٦٨، ١٦٩)، و «اللباب» (١/ ٦٥٣).
وذهَبَ المالِكيةُ إلى التَّفريقِ بينَ ما يُغيَّبُ عليه ويُمكنُ إِخفاؤُه كالحُليِّ والثِّيابِ فيَضمَنُ، وبينَ ما لا يُغيَّبُ عليه ولا يُمكنُ إِخفاؤُه كالحَيوانِ والعَقارِ فلا يَضمَنُ، وذلك لأنَّ العارِيةَ قد أخَذَت شَبهًا مِنْ الأَمانةِ؛ لأنَّ المالكَ بذَلَ للمُستَعيرِ مَنفعتَها من غيرِ عِوضٍ، فكانَ كالعبدِ المُوصى بخِدمتِه، وأخَذَت شَبهًا مِنْ المَضمونِ؛ لأنَّه قبَضَها لمَنفعةِ نَفسِه على التَّجريدِ، فجازَ أنْ يَتعلَّقَ بها الضَّمانُ فوجَبَ أنْ يَكونَ حُكمُها مُتردِّدًا بينَ الأَمرينِ، فإذا علِمَ تَلفَها بغيرِ تَفريطٍ منه سقَطَ الضَّمانُ.
وإنِ ادَّعى المُستَعيرُ أنَّ الهَلاكَ أو الضَّياعَ ليسَ بسَببِ تَعدِّيه أو تَفريطِه في الحِفظِ فهو مُصدَّقٌ في ذلك بيَمينِه، إلا أنْ تَقومَ بَينةٌ أو قَرينةٌ على كَذبِه، كأَنْ يَقولَ: «تلَفَ أو ضاعَ يومَ كذا»، فتقولُ البَينةُ: «رَأيناه معَه بعدَ ذلك اليومِ»، أو تُقولُ الرُّفقةُ التي معَه في السَّفرِ: «ما سمِعْنا ذلك ولا رَأيناه»، وسَواءٌ في ذلك ما يُغابُ عليه وما لا يُغابُ.
قالَ الإمامُ ابنُ عبدِ البَرِّ رحمة الله عليه: وقد اختَلفَ الفَقهاءُ في ضَمانِ العارِيةِ، فذهَبَ مالكٌ وأَصحابُه إلى أنَّ العارِيةَ أَمانةٌ غيرُ مَضمونةٍ إذا كانَت حَيوانًا أو ما لا يُغابُ عليه إذا لَم يَتعدَّ المُستَعيرُ فيه ولا ضيَّعَ، وكذلك ما يُغابُ عليه أَمانةٌ أيضًا إذا ظهَرَ هَلاكُه وصحَّ مِنْ غيرِ تَضييعٍ ولا تَعدٍّ، فإنْ خفِيَ هَلاكُه ضمِنَ، ولا يُقبَلُ قولُ المُستَعيرِ فيه إذا ادَّعى هَلاكَه وذَهابَه
ولَم يُقمْ على ما قالَ بَينةً، وتَضمَّنَ أَبدًا إذا كانَ هكذا، ولا يَضمَنُ إذا كانَ هَلاكُه ظاهرًا مَعروفًا أو قامَت به بَينةٌ بلا تَضييعٍ ولا تَفريطٍ، هذا هو المَشهورُ مِنْ قولِ مالكٍ، وهو قولُ ابنِ القاسِمِ، وقالَ أَشهبُ: يَضمَنُ كلَّ ما يُغابُ عليه، قامَت بَينةٌ بهَلاكِه أو لَم تَقمْ، وسَواءٌ هلَكَ بسَببِه أو بغيرِ سَببِه يَضمَنُ أَبدًا؛ لأنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قالَ لصَفوانَ حينَ استَعارَ منه السِّلاحَ وهو مما يُغابُ عليه: «بل عارِيةٌ مَضمونةٌ مُؤدَّاةٌ»، قالَ: وأما الحَيوانُ وما لا يُغابُ عليه فلا ضَمانَ عليه (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه: هل العارِيةُ هي مَضمونةٌ أو أَمانةٌ؟ فمنهم مَنْ قالَ إنَّها مَضمونةٌ وإنْ قامَت البَينةُ على تَلفِها، وهو قولُ أَشهبَ والشافِعيِّ وأحدُ قولَيْ مالكٍ.
ومنهم مَنْ قالَ نَقيضَ هذا وهو أنَّها ليسَت مَضمونةً أصلًا، وهو قولُ أَبي حَنيفةَ.
ومنهم مَنْ قالَ: يُضمَّنُ فيما يُغابُ عليه إذا لَم يَكنْ على التَّلفِ بَينةٌ، ولا يَضمنُ فيما لا يُغابُ عليه ولا فيما قامَت البَينةُ على تَلفِه، وهو مَذهبُ مالكٍ المَشهورُ وابنِ القاسِمِ وأَكثرِ أَصحابِه.
(١) «التمهيد» (١٢/ ٣٨)، ويُنظَر: «الإشراف» (٣/ ١٠٤، ١٠٥) رقم (٩٦٣)، و «المعونة» (٢/ ١٨٥، ١٨٦)، و «مواهب الجليل» (٧/ ٢٤٤)، و «البيان والتحصيل» (٧/ ٤١٣)، و «بداية المجتهد» (٢/ ٢٣٥)، و «التاج والإكليل» (٤/ ٢٨٨)، و «شرح مختصر خليل» (٦/ ١٢٣)، و «الشرح الكبير» (٥/ ١٤٦)، و «الشرح الصغير» (٨/ ١٨٧).
وسَببُ الخِلافِ: تَعارضُ الآثارِ في ذلك، وذلك أنَّه ورَدَ في الحَديثِ الثابتِ أنَّه قالَ عليه الصلاة والسلام لصَفوانَ بنِ أُميةَ: «بل عارِيةٌ مَضمونةٌ مُؤدَّاةٌ»، وفي بعضِها: «بل عارِيةٌ مُؤدَّاةٌ»، ورُويَ عنه أنَّه قالَ: «ليسَ على المُستَعيرِ ضَمانٌ»، فمَن رجَّحَ وأخَذَ بهذا أسقَطَ الضَّمانَ عنه، ومَن أخَذَ بحَديثِ صَفوانَ بنِ أُميةَ ألزَمَه الضَّمانَ، ومَن ذهَبَ مَذهبَ الجَمعِ فرَّقَ بينَ ما يُغابُ عليه وبينَ ما لا يُغابُ عليه، فحمَلَ هذا الضَّمانَ على ما يُغابُ عليه والحَديثَ الآخرَ على ما لا يُغابُ عليه، إلا أنَّ الحَديثَ الذي فيه: «ليسَ على المُستَعيرِ ضَمانٌ» غيرُ مَشهورٍ، وحَديثُ صَفوانَ صَحيحٌ، ومَن لَم يرَ الضَّمانَ شبَّهَها بالوَديعةِ، ومَن فرَّقَ قالَ: الوَديعةُ مَقبوضةٌ لمَنفعةِ الدافعِ، والعارِيةُ لمَنفعةِ القابِضِ.
واتَّفقوا في الإِجارةِ على أنَّها غيرُ مَضمونةٍ -أَعني الشافعيَّ وأَبا حَنيفةَ ومالكًا-، ويُلزِمُ الشافعيُّ إذا سلَّمَ أنَّه لا ضَمانَ عليه في الإِجارةِ ألَّا يَكونَ ضَمانٌ في العارِيةِ إنْ سلَّمَ أنَّ سَببَ الضَّمانِ هو الانتِفاعُ؛ لأنَّه إذا لَم يَضمنْ حيثُ قبَضَ لمَنفعتِهما فأحرَى ألَّا يَضمنَ حيثُ قبَضَ لمِنفعتِه إذا كانَت مَنفعةُ الدافعِ مُؤثِّرةً في إِسقاطِ الضَّمانِ (١).
(١) «بداية المجتهد» (٢/ ٢٣٥، ٢٣٦).
ارجع إلى الأوقاف والملكية للاطلاع على جميع الأبواب.