الإسلام > الأوقاف والملكية > حكم ضمان العارية > حكم العارية من حيث اللزوم وعدمه
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 28 دقيقة قراءةحُكمُ العارِيةِ مِنْ حيثُ اللُّزومُ وعَدمُه:
اختَلفَ الفَقهاءُ في العارِيةِ، هل هي لَازمةٌ أو غيرُ لَازمةٍ فيَجوزُ للمُعيرِ أنْ يَرجعَ فيها متى شاءَ؟
وذلك بعدَ اتِّفاقِهم على أنَّه يَجوزُ للمُستَعيرِ أنْ يَردَّ العارِيةَ متى شاءَ؛ لأنَّه إِباحةٌ، فكانَ لمَن أُبِيحَ له تَركُه كإِباحةِ الطَّعامِ (١).
فذهَبَ المالِكيةُ إلى أنَّ العاريةَ إما أنْ تَكونَ مُقيَّدةً بعَملٍ كإِعارةِ أرضٍ لزَرعِها بَطنًا أو أكثرَ، أو طَحنِ إِردبٍّ أو حَملِه لكذا، أو رُكوبٍ له، أو أَجلٍ كسُكنَى دارٍ شَهرًا مثلًا، فهي لَازمةٌ في هذه الحالةِ، وليسَ للمُعيرِ أنْ يَرجعَ قبلَ المدةِ أو العملِ المُحدَّدِ، ولا يَجوزُ له أَخذُها قبلَه؛ لأنَّ المُدةَ قد صارَت حقًّا للمُستَعيرِ فلَم يَكنْ للمُعيرِ الرُّجوعُ فيها، كما ليسَ له الرُّجوعُ في الهِبةِ، وذلك لقولِه تعالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]، وقولِه ﷺ: «كلُّ مَعروفٍ صَدقةٌ» (٢)، ولأنَّ المُعيرَ قد ملَّكَه الانتِفاعَ مدةً مَعلومةً وصارَت العَينُ في يدِه بعَقدٍ مُباحٍ، فلَم يَكنْ له الرُّجوعُ فيها كالعبدِ المُوصى بخِدمتِه والعُمريِّ.
فإذا غرَسَ المُستَعيرُ وبَنى ثُم انقَضَت المُدةُ المُؤقَّتةُ أو مُدةٌ يَنتفِعُ في مثلِها فالمالكُ بالخِيارِ، إنْ شاءَ أخذَ المُستَعيرَ بقلعِ غَرسِه وبِنائِه، وإنْ شاءَ أَعطاه قِيمتَه مَقلوعًا إذا كانَ مما له قِيمةٌ بعدَ القلعِ، وسَواءٌ شرَطَ ذلك في العَقدِ أم لَم
(١) «المغني» (٥/ ١٣٣).
(٢) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: تقَدمَ.
يَشتَرطْ، أنَّه ردَّ العارِيةِ مَشغولةً بملكِه، فوجَبَ أنْ يُؤخَذَ بإِزالتِه عنه، أصلُه إذا ردَّ الدارَ وفيها مَتاعٌ، ولأنَّ ما هو مِنْ مُوجبِ الشيءِ لا يَحتاجُ إلى شَرطٍ، ومِن مُوجبِ العارِيةِ أنْ يَردَّ العاريةَ فارغةً ليَتمكنَ المالكُ مِنْ الانتِفاعِ، ولأنَّ ذلك مِنْ مَعنى تَبقيةِ بعضِ العارِيةِ في يدِه؛ لأنَّ مَوضعَ الغِراسِ لا يُمكنُ للمالكِ أنْ يَستَنفعَ به، ولا أنْ يَغرسَ فيه شيئًا، ولا أنْ يَزرَعَ ولا أنْ يَبنيَ، فصارَ كمَن استَعارَ مَتاعًا ثُم ردَّ بعضَه وبقِيَ البعضُ في يدِه فيَلزمُه ردُّه.
وأما إذا كانَت العارِيةُ مُطلقةً بأنْ أَعارَه ثَوبًا ليَلبسَه أو أرضًا ليَزرعَها أو دارًا ليَسكنَها وأَطلقَ؛ فقَولانِ في المَذهبِ:
أحدُهما: أنَّه يَلزمُه تَركُه في يدِه مُدةً يَنتفِعُ في مثلِها، وهو ما جرَت به العادةُ أنَّه يُعارُ إليه، فليسَ لرَبِّها أَخذُها قبلَه؛ لأنَّ العُرفَ كالشَّرطِ.
ومَحلُ لُزومِ المُعتادِ فيما أُعيرَ لغيرِ البِناءِ والغَرسِ أو فيهما قبلَ حُصولِهما، أو بعدَ الحُصولِ حيثُ لَم يَدفعِ المُعيرِ للمُستَعيرِ ما أَنفقَ، وأما إنْ دفعَ ما أَنفقَ في البِناءِ أو الغَرسِ فله الإِخراجُ قبلَ المُعتادِ.
والثانِي وهو الصَّحيحُ: أنَّها إنْ كانَت مُطلَقةً أنَّها لا تَلزمُ، بل لرَبِّها أَخذُها متى شاءَ، ولا يَلزمُ قَدرُ ما تُرادُ لمثلِه عادةً على المُعتَمدِ.
وفي قولٍ: أنَّه إنْ أعارَه للبِناءِ أو الزِّراعةِ وحصَلا فإنَّه يَلزمُ المُعتادُ اتِّفاقًا.
إلا أنَّه لو أخرجَه في بناءٍ وغَرسٍ ولو بقُربِ الإِعارةِ فإنَّه يَدفعُ له ما أَنفقَ في ذلك (١).
(١) «الإشراف» (٣/ ١٠٥، ١٠٦)، رقم (٩٦٤، ٩٦٥)، و «المعونة» (٢/ ١٨٦)، و «الذخيرة» (٦/ ٢٢٠)، و «التاج والإكليل» (٤/ ٢٩١، ٢٩٢)، و «شرح مختصر خليل» (٦/ ١٢٦)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ١٥١، ١٥٢)، و «الشرح الصغير» (٨/ ١٩٣).
وذهَبَ جُمهورُ الفَقهاءِ الحَنفيةِ والشافِعيةِ والحَنابلةِ إلى أنَّ عقدَ العارِيةِ عقدٌ جائزٌ وليسَ بلَازمٍ، فيَجوزُ للمُعيرِ أنْ يَرجعَ في عارِيتِه متى شاءَ؛ لأنَّها عَقدُ ارتِفاقٍ ومَعونةٌ، وسَواءٌ قدَّرَها بمُدةٍ أم لا؛ لأنَّه ملكٌ لا يُقابلُه عِوضٌ فلا يَكونُ لَازمًا، ولأنَّ لُزومَها يُخرجُها عن حُكمِ العارِيةِ إلى حُكمِ الإِجارةِ، ولو جازَ أنْ يَختلفَ حُكمُها بتَقديرِ المُدةِ في حقِّ المُعيرِ لاختَلفَ في حقِّ المُستَعيرِ، وفائدةُ المُدةِ مَنعُ المُستَعيرِ مِنْ التَّصرُّفِ بعدَ مُضيِّ المُدةِ، ولأنَّ المَنافعَ المُستقبَلةَ لَم تَحصلْ في يدِه فلَم يَملكْها بالإِعارةِ كما لو لَم تَحصلِ العَينُ في يدِه، ولأنَّ العارِيةَ مَكرُمةٌ ومبَرَّةٌ مِنْ المُعيرِ، وارتِفاقٌ مِنْ المُستَعيرِ، فلو أَلزَمْناها لامتَنعَ الناسُ منها (١).
إلا أنَّ الفَقهاءَ اختلَفُوا فيما لو أعارَه أرضًا للزِّراعةِ أو البِناءِ، هل له الرُّجوعُ؟
فقالَ الحَنفيةُ: ولو استَعارَ أرضًا على أنْ يَبنيَ فيها بِناءً أو يَغرسُ فيها غَرسًا فإما إنْ كانَ مُطلقًا أو مُؤقَّتًا إلى عشرِ سِنينَ ونحوِه.
(١) «تحفة الفقهاء» (٣/ ١٧٩)، و «بدائع الصنائع» (٦/ ٢١٦، ٢١٧)، و «الاختيار» (٣/ ٧٠)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ١٦٨)، و «اللباب» (١/ ٦٥٢)، و «مختصر الوقاية» (٢/ ١٢٧)، و «تبيين الحقائق» (٥/ ٨٨)، و «الحاوي الكبير» (٧/ ١١٨)، و «البيان» (٦/ ٥١٦)، و «المهذب» (١/ ٣٦٣)، و «النجم الوهاج» (٥/ ١٥٣)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٢٧٧، ٢٧٨)، و «تحفة المحتاج» (٦/ ٧٠٩، ٧١٠)، و «المغني» (٥/ ١٣٣)، و «شرح منتهى الإرادات» (٤/ ١٠٣)، و «كشاف القناع» (٤/ ٨٠).
فإنْ كانَ مُطلقًا فبَنى فيها أو غرَسَ فلصاحبِ الأرضِ أنْ يَستَردَّها في أيِّ وقتٍ شاءَ؛ لأنَّ العارِيةَ غيرُ لَازمةٍ، وعلى المُستَعيرِ أنْ يَأخذَ غَرسَه وبِناءَه؛ لأنَّه شغَلَ أرضَ غيرِه ولَم يَرضَ صاحبُه بذلك، وليسَ للمُستَعيرِ أنْ يُضمِّنَ المُعيرَ قِيمةَ غَرسِه وبِنائِه ويَتركَ ذلك عليه؛ لأنَّه لَم يُوجدْ منه الغُرورُ؛ لأنَّ العارِيةَ تُستَردُّ على كلِّ حالٍ.
وإنْ كانَ مُؤقَّتًا فله أنْ يَستَردَّ أيضًا، لكنَّ المُستَعيرَ بالخِيارِ، إنْ شاءَ ضمَّنَ المُعيرَ قِيمةَ غَرسِه وبِنائِه ويَتركُ ذلك عليه؛ لأنَّه غرَّه حيثُ وقَّتَ وَقتًا طَويلًا ثُم استَردَّ قبلَ مُضيِّه، وإنْ شاءَ أخَذَ غَرسَه وبِناءَه إنْ لَم يَضرَّ القَلعُ بأرضِ المُعيرِ، فأما إذا كانَ يَضرُّ به فالخِيارُ للمُعيرِ، إنْ شاءَ أخذَ الغَرسَ والبِناءَ بالضَّمانِ وإنْ شاءَ رضِيَ بالقَطعِ.
فأما إذا أَعارَ الأرضَ ليَزرعَ فزرَعَ ثُم أَرادَ أنْ يَستَردَّ والزَّرعُ غيرُ مُدركٍ فليسَ له ذلك، وتَبقى الأرضُ في يدِه بطَريقِ الإِجارةِ إلى أنْ يَأخذَ الغلَّةَّ؛ لأنَّ هذه مدةٌ يَسيرةٌ مَعلومةٌ فيه، وفيه نَظرٌ مِنْ الجانِبينِ بخِلافِ الغَرسِ والبِناءِ، فإنَّه لو انقَلبَت إِجارةً يَتضرَّرُ به المُعيرُ لطولِ المُدةِ (١).
وقالَ الشافِعيةُ: إذا أعارَ أرضًا للبِناءِ أو الغِراسِ ولَم يَذكرْ مُدةً، ثُم رجَعَ بعدَ أنْ بَنى أو غرَسَ، فإنْ كانَ المُعيرُ شَرطَ القَطعَ كالهَدمِ مَجانًا -أيْ بلا بَدلٍ- لزِمَه عَملًا بالشَّرطِ؛ لأنَّه رضِيَ بالتِزامِ الضَّررِ الذي يَدخلُ
(١) «تحفة الفقهاء» (٣/ ١٧٩)، و «بدائع الصنائع» (٦/ ٢١٦، ٢١٧)، و «الاختيار» (٣/ ٧٠)، و «تبيين الحقائق» (٥/ ٨٨).
عليه بالقَلعِ، فإنِ امتَنعَ فلِلمُعيرِ قَطعُه وعلى المُستَعيرِ تَسويةُ الأرضِ إنْ شرَطَها وإلا فلا.
وإنْ لَم يَشتَرطْ عليه القَلعَ فإنِ اختارَ المُستَعيرُ القَلعَ قلَعَ بلا أَرشٍ؛ لأنَّه ملَكَه وقد رضِيَ بنَقصِه، ولا يَلزمُه تَسويةُ الأرضِ في الأصحِّ؛ لأنَّ الإِعارةَ معَ عِلمِ المُعيرِ أنَّ للمُستَعيرِ أنْ يَقلعَ رضًا بما يَحدثُ عن القَلعِ.
والثانِي وصحَّحَه النَّوويُّ رحمة الله عليه: يَلزمُه؛ لأنَّه قلَعَه باختِيارِه، ولو امتَنعَ منه لَم يُجبِرْ عليه فيَلزمُه إذا قلَعَ أنْ يَردَّها إلى ما كانَت عليه.
وإنْ لَم يَختَرِ القَلعَ لَم يَقلَعْ مَجانًا، بل للمُعيرِ الخِيارُ بينَ أنْ يُبقيَه بأُجرةِ مثلِه أو يَقلعَه، أو يَهدمَ البِناءَ ويَضمَنُ أَرشَ نَقصِه وهو قَدرُ ما بينَ قِيمتِه قائِمًا ومَقلوعًا.
فإنْ لَم يَختَرِ المُعيرُ شيئًا مما ذُكرَ لَم يَقلَعْ مَجانًا إنْ بذَلَ المُستَعيرُ الأُجرةَ؛ لانتِفاءِ الضَّررِ، وكذا إذا لَم يَبذُلْها في الأصحِّ (١).
أما الحَنابلةُ فقالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: فإنْ أَعارَه شَيئًا ليَنتفِعَ به انتِفاعًا يَلزمُ مِنْ الرُّجوعِ في العارِيةِ في أَثنائِه ضَررٌ بالمُستَعيرِ لَم يَجزْ له الرُّجوعُ؛ لأنَّ الرُّجوعَ يَضرُّ بالمُستَعيرِ فلَم يَجزْ له الإِضرارُ به، مثلُ أنْ يُعيرَه لَوحًا يُرقِّعُ به سَفينتَه فرقَّعَها به ولجَّجَ بها في البَحرِ لَم يَجزِ الرُّجوعُ ما دامَت في البَحرِ، وله
(١) «البيان» (٦/ ٥١٩، ٥٢٠)، و «النجم الوهاج» (٥/ ١٥٤، ١٥٧)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٢٧٩، ٢٨١)، و «تحفة المحتاج» (٦/ ٧١٧، ٧٢٠)، و «الديباج» (٢/ ٣٧٢، ٣٧٣).
الرُّجوعُ قبلَ دُخولِها في البَحرِ وبعدَ الخُروجِ منه لعَدمِ الضَّررِ فيه، وإنْ أَعارَه أَرضًا ليَدفنَ فيها فله الرُّجوعُ ما لَم يَدفنْ فيها، فإذا دفَنَ لَم يَكنْ له الرُّجوعُ ما لَم يَبلْ المَيتُ، وإنْ أعارَه حائِطًا ليَضعَ عليه أَطرافَ خَشبِه جازَ كما تَجوزُ إِعارةُ الأرضِ للبِناءِ والغِراسِ، وله الرُّجوعُ ما لَم يَضعْه وبعدَ وَضعِه ما لَم يَبنِ عليه؛ لأنَّه لا ضَررَ فيه، فإنْ بَنى عليه لَم يَجزِ الرُّجوعُ لِمَا في ذلك مِنْ هدمِ البِناءِ، وإنْ قالَ: «أنا أَدفعُ إليك أَرشَ ما نقَصَ بالقلعِ» لَم يَلزمِ المُستَعيرُ ذلك؛ لأنَّه إذا قلَعَه انقَلعَ ما في ملكِ المُستَعيرِ منه، ولا يَجبُ على المُستَعيرِ قَلعُ شيءٍ مِنْ ملكِه بضَمانِ القِيمةِ، وإنِ انهَدمَ الحائطُ وزالَ الخَشبُ عنه أو أَزالَه المُستَعيرُ باختِيارِه لَم يَملكْ إِعادتَه، سَواءٌ بَنى الحائِطَ بآلتِه أو بغيرِها؛ لأنَّ العارِيةَ لا تَلزمُ، وإنَّما امتَنعَ الرُّجوعُ قبلَ انهِدامِه؛ لِمَا فيه مِنْ الضَّررِ بالمُستَعيرِ بإِزالةِ المَأذونِ في وَضعِه، وقد زالَ ذلك، وكذلك إذا سقَطَ الخَشبُ والحائِطُ بحالِه.
وإنْ أعارَه أرضًا لزِراعةِ شيءٍ فله الرُّجوعُ ما لَم يَزرعْ، فإذا زرَعَ لَم يَملكِ الرُّجوعَ فيها إلى أنْ يَنتهيَ الزَّرعُ، فإنْ بذَلَ له قِيمةَ الزَّرعِ ليَملكَه لَم يَكنْ له ذلك، نصَّ عليه أحمدُ؛ لأنَّ له وقتًا يَنتَهي إليه، فإنْ كانَ مما يُحصَدُ قَصيلًا (١) فله الرُّجوعُ في وقتِ إِمكانِ حَصادِه لعَدمِ الضَّررِ فيه، وإنْ لَم يَكنْ كذلك لَم يَكنْ له الرُّجوعُ حتى يَنتَهيَ، وإنْ أذِنَ له في البِناءِ والغِراسِ فيها فله الرُّجوعُ قبلَ قَلعِه.
(١) ما اقتُطعَ مِنْ الزَّرعِ أخضَرَ لعَلفِ الدَّوابِّ.
فإذا غرَسَ وبَنى فلِلمالكِ الرُّجوعُ فيما بينَ الغِراسِ والبِناءِ؛ لأنَّه لَم يَتعلَّقْ به ملكُ المُستَعيرِ ولا ضَررَ عليه في الرُّجوعِ منه، فأشبَه ما لَم يَبنِ في الأرضِ شيئًا ولَم يَغرسْ فيها، ثُم إنِ اختارَ المُستَعيرُ أخذَ بنائِه وغِراسِه فله ذلك؛ لأنَّه ملكَه فملَكَ نقَلَه، ويَلزمُه تَسويةُ الحُفرِ، ذكَرَه القاضِي لأنَّ المُستَعيرَ رضِيَ بذلك حيثُ أعارَه معَ عِلمِه بأنَّ له قلعُ غَرسِه، ويُحتمَلُ أنَّ عليه تَسويةَ الحَفرِ لأنَّ القَلعَ باختِيارِه، فإنه لو امتَنعَ منه لَم يُجبَرْ عليه، فلزِمَه تَسويةُ الحفرِ كما لو خرَّبَ أرضَه التي لَم يَستَعرْها.
وإنْ أَبى القَلعَ فبذَلَ له المُعيرُ ما يَنقصُ بالقلعِ أو قِيمةَ غِراسِه وبنائِه قائِمًا ليَأخذَه المُعيرُ أُجبِرَ المُستَعيرُ عليه؛ لأنَّه رُجوعٌ في العارِيةِ مِنْ غيرِ إِضرارٍ، وإنْ قالَ المُستَعيرُ أنا أَدفعُ قِيمةَ الأرضِ لتَصيرَ لي لَم يَكنْ له؛ لأنَّ الغِراسَ تابعٌ والأرضُ أصلٌ، ولذلك يَتبعُها الغِراسُ والبِناءُ في البَيعِ ولا تَتبعُهما، وبهذا كلِّه قالَ الشافِعيُّ.
وقالَ أَبو حَنيفةَ ومالكٌ: يُطالَبُ المُستَعيرُ بالقَلعِ مِنْ غيرِ ضَمانٍ، إلا أنْ يَكونَ أعارَه مدةً مَعلومةً فرجَعَ فيها قبلَ انقِضائِها؛ لأنَّ المُعيرَ لَم يُعرْهُ فكانَ عليه القَلعُ، كما لو شُرطَ عليه.
ولنا: إنَّه بَنى وغرَسَ بإذنِ المُعيرِ مِنْ غيرِ شَرطِ القَلعِ فلَم يَلزمْه القَلعُ مِنْ غيرِ ضَمانٍ، كما لو طالَبَه قبلَ انقِضاءِ الوقتِ، وقولُهم: «لمْ يَغُرَّه» مَمنوعٌ؛ فإنَّ الغِراسَ والبِناءَ يُرادُ للتَّبقيةِ، وتقَديرُ المُدةِ يَنصرِفُ إلى ابتِدائِه، كأنَّه قالَ له: «لا تَغرسْ بعدَ هذه المُدةِ».
فإنِ امتَنعَ المُعيرُ مِنْ دَفعِ القِيمةِ وأَرشِ النَّقصِ وامتَنعَ المُستَعيرُ عن القَلعِ ودفَعَ الأُجرةَ لَم يُقلَعْ؛ لأنَّ الإِعارةَ تَقتَضي الانتِفاعَ مِنْ غيرِ ضَمانٍ، والإذنُ فيما يَبقى على الدَّوامِ وتَضرُّ إِزالتُه رضًا بالإِبقاءِ.
وقولُ النَّبيِّ ﷺ: «ليسَ لعرقٍ ظالمٍ حقٌّ» يَدلُ بمَفهومِه على أنَّ العِرقَ الذي ليسَ بظالمٍ له حقٌّ، فعندَ ذلك إنِ اتَّفَقا على البَيعِ بِيعتِ الأرضُ بغِراسِها، ودُفعَ إلى كلِّ واحدٍ منهما قَدرُ حقِّه، فعندَ ذلك إنِ اتَّفَقا على البَيعِ بِيعَت الأرضُ بغِراسِها، ودفَعَ إلى كلِّ واحدٍ منهما قَدرَ حقِّه، فيُقالُ: كم قِيمةُ الأرضِ غيرَ مَغروسةٍ ولا مَبنيَّةٍ؟ فإذا قيلَ: عَشرةٌ، قلْنا: وكم تُساوي مَغروسةً ومَبيَّنةً؟ فإنْ قالوا: خمسةَ عشرَ، قلْنا: فلِلمُعيرِ ثُلثا الثَّمنِ وللمُستَعيرِ ثُلثُه (١).
(١) «المغني» (٥/ ١٣٣، ١٣٥).
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب العارية
فصل
كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ. وَالثَّالِثُ أَنَّهُ الْمَالُ بِلِسَانِ قُرَيْشٍ وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ الْمُسَيَّبِ وَالزُّهْرِيِّ وَالرَّابِعُ أَنَّهُ الزَّكَاةُ وَهُوَ قَوْلُ عَلِيٍّ وَابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عنهما ومنه قول لبيد الرَّاعِي:
(قومٌ عَلَى الْإِسْلَامِ لَمَّا يَمْنَعُوا ... مَاعُونَهُمْ وَيُضَيِّعُوا التَّهْلِيلَا)
وَالْخَامِسُ أَنَّهُ الْمَنَافِعُ وَهُوَ قَوْلُ أبي جعفر الحميري استشهد عَلَيْهِ بِقَوْلِ أَعْشَى بْنِ ثَعْلَبَةَ:
(بَأجود مِنْهُ بِمَاعُونِهِ ... إِذَا مَا سَمَاؤُهُمْ لَمْ تَغِمْ)
وَرَوَى إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ عَنْ شُرَحْبِيلَ بْنِ مُسْلِمٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا أُمَامَةَ الْبَاهِلِيَّ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يقول العارية مؤادةٌ وَالْمِنْحَةُ مردودةٌ وَالدَّيْنُ مَقْضِيٌّ مَضْمُونٌ وَالزَّعِيمُ غارمٌ. وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " مَا مِنْ صَاحِبِ إِبِلٍ لَا يُؤَدِّي حَقَّهَا إِلَّا جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِقَاعٍ قرقرٍ فَتَطَأُهُ بِخِفَافِهَا كُلَّمَا مَضَتْ أُخْرَاهَا عَادَتْ عَلَيْهِ أُولَاهَا قِيلَ فَمَا حَقُّهَا فَمَا حَقُّ الْإِبِلِ قال: يعطي الكريمة ويمنح العزيرة وَيَعْقِرُ الظَّهْرَ وَيُطْرِقُ الْفَحْلَ وَيَسْقِي اللَّبَنَ. وَرُوِيَ أَنَّهُ قَالَ مِنْ حَقِّهَا إعارةٌ دَلْوِهَا وَإِطْرَاقُ فَحْلِهَا وَمِنْحَةِ لَبَنِهَا يَوْمَ وَرْدِهَا فَدَلَّ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ ذَلِكَ عَلَى إِبَاحَةِ الْعَارِيَةِ وَاللَّهُ أعلم.
فَصْلٌ
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب العارية
فصل في بيان حال المستعار
كَانَتْ مُطْلَقَةً لَهُ أَنْ يُجْبِرَ الْمُسْتَعِيرَ عَلَى قَلْعِ الْغَرْسِ وَنَقْضِ الْبِنَاءِ؛ لِأَنَّ فِي التَّرْكِ ضَرَرًا بِالْمُعِيرِ؛ لِأَنَّهُ لَا نِهَايَةَ لَهُ، وَإِذَا قَلَعَ وَنَقَضَ لَا يَضْمَنُ الْمُعِيرُ شَيْئًا مِنْ قِيمَةِ الْغَرْسِ وَالْبِنَاءِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ وَجَبَ عَلَيْهِ الضَّمَانُ لَوَجَبَ بِسَبَبِ الْغُرُورِ، وَلَا غُرُورَ مِنْ جِهَتِهِ، حَيْثُ أَطْلَقَ الْعَقْدَ وَلَمْ يُوَقِّتْ فِيهِ وَقْتًا فَأَخْرَجَهُ قَبْلَ الْوَقْتِ، بَلْ هُوَ الَّذِي غَرَّرَ نَفْسَهُ حَيْثُ حَمَلَ الْمُطْلَقَ عَلَى الْأَبَدِ، وَإِنْ كَانَتْ مُوَقَّتَةً فَأَخْرَجَهُ قَبْلَ الْوَقْتِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُخْرِجَهُ، وَلَا يُجْبَرُ عَلَى النَّقْضِ وَالْقَلْعِ.
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب العارية
٨٦١ - مسألة؛ قال: (والعارية مضمونة، وإن لم يتعد فيها المستعير)
مَالِكِها، فكانت أمَانَةً، كالوَدِيعَةِ. قالوا: وقولُ النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "العَارِيَّةُ مُؤَدَّاةٌ" . يَدُلُّ على أنَّها أمَانَةٌ، لقولِ اللهِ تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} . ولَنا، قولُ النبىّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، في حَدِيثِ صَفْوَانَ: "بل عَارِيَّةٌ مَضْمُونَة" . ورَوَى الحَسَنُ، عن سَمُرَةَ، عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه قال: "عَلَى الْيَدِ مَا أخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَهُ" . رَوَاهُ أبو دَاوُدَ، والتِّرْمِذِىُّ . وقال: حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. ولأنَّه أخَذَ مِلْكَ غيرِه لِنَفْعِ نَفْسِه، مُنْفَرِدًا بِنَفْعِه من غيرِ اسْتِحْقَاقٍ، ولا إذْنٍ في الإِتْلَافِ، فكان مَضْمُونًا كالغَصْبِ ، والمَأْخُوذِ على وَجْهِ السَّوْمِ. وحَدِيثُهُم يَرْوِيهِ عُمَرُ بن عبد الجَبَّارِ، عن عُبَيْدِ بن حَسَّانٍ، عن عَمْرِو بن شُعَيْبٍ، وعُمَرُ وعُبَيْدٌ ضَعِيفَانِ. قالَه الدَّارَقُطْنِىُّ. ويَحْتَمِلُ أنَّه أرَادَ ضَمَانَ المَنَافِعِ والأَجْزَاءِ، وقِيَاسُهم مَنْقُوضٌ بالمَقْبُوضِ على وَجْهِ السَّوْمَ.
فصل: وإن شَرَطَ نَفْىَ الضَّمَانِ، لم يَسْقُطْ. وبهذا قال الشَّافِعِىُّ. وقال أبو حَفْصٍ العُكْبَرِىُّ: يَسْقُطُ. قال أبو الخَطَّابِ. أَوْمَأَ إليه أحمدُ. وهو قولُ قَتَادَةَ والعَنْبَرِىِّ؛ لأنَّه لو أَذِنَ في إِتْلَافِها لم يَجِبْ ضَمَانُها، فكذلك إذا أسْقَطَ عنه ضَمَانَها. وقيل: بل مذهبُ قَتَادَةَ والعَنْبَرِىِّ، أنَّها لا تُضْمَنُ إلَّا أن يَشْتَرِطَ ضَمَانَها فيَجِبُ؛ لقولِ النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لِصَفْوَانَ: "بَلْ عَارِيَّةٌ مَضْمُونَة" . ولَنا، أنَّ كلَّ عَقْدٍ اقْتَضَى الضَّمَانَ، لم يُغَيِّرْهُ الشَّرْطُ، كالمَقْبُوضِ بِبَيْعٍ صَحِيحٍ أو فاسِدٍ، وما اقْتَضَى الأَمَانَةَ، فكذلك، كالوَدِيعَةِ
ارجع إلى حكم ضمان العارية للاطلاع على جميع المسائل.