الحالة الثانية: أن يظفر بحقه من غاصب له أو جاحد له أو غير ذلك، وهو عاجز عن أخذه

الإسلام > الأوقاف والملكية > ضمان إتلاف الخمر والخنزير أو غصبهما > الحالة الثانية: أن يظفر بحقه من غاصب له أو جاحد له أو غير ذلك، وهو عاجز عن أخذه

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 57 دقيقة قراءة

الحالة الثانية: أن يظفر بحقه من غاصب له أو جاحد له أو غير ذلك، وهو عاجز عن أخذه - الأقوال والأدلة

وقالَ الإِمامُ الشِّيرازيُّ رحمة الله عليه: مَنْ وجَبَ له حَقٌّ على رَجلٍ وهو غيرُ مُمتنِعٍ من دَفعِه لم يَجزْ لصاحِبِ الحَقِّ أنْ يأخُذَ من مالِه حَقَّه بغيرِ إِذنِه؛ لأنَّ الخيارَ فيما يُقضَى به الدَّينُ إلى مَنْ عليه الدَّينُ، ولا يَجوزُ أنْ يأخُذَ إلا ما يُعطيه، وإنْ أخَذَ بغيرِ إِذنِه لزِمَه رَدُّه، فإنْ تلِفَ ضمِنَه؛ لأنَّه أخَذَ مالَ غيرِه بغيرِ حَقٍّ (١).

الحالةُ الثانيةُ: أنْ يَظفرَ بحَقِّه من غاصِبٍ له أو جاحِدٍ له أو غيرِ ذلك، وهو عاجِزٌ عن أخذِه:

اختَلفَ أهلُ العِلمِ فيمَن له حَقٌّ عندَ غيرِه وهو عاجِزٌ عن أخذِه كمَن له وَديعةٌ عندَ آخَرَ فجحَدَها فهل يَجوزُ له إذا ظفِرَ بمالٍ لمَن عليه الحَقُّ أنْ يأخُذَه أو لا؟ وهل يَجوزُ أنْ يأخُذَ إذا كانَ من جِنسِ حَقِّه ولا يَجوزُ من غيرِه أو لا يَجوزُ مُطلَقًا؟ على أَقوالٍ:

القَولُ الأولُ: أنَّه يَجوزُ لمَن ظفِرَ بحَقِّه أنْ يأخُذَه سَواءٌ كانَ من جِنسِ حَقِّه أو من غيرِه، وسَواءٌ علِمَ المَأخوذَ منه أو لم يَعلَمْ.

ذهَبَ المالِكيةُ في المُعتمَدِ من المَذهبِ (٢) والشافِعيةُ (٣) والحَنابِلةُ في

(١) «المهذب» (٢/ ٣١٧)، و «التنبيه» ص (٢٦٥).
(٢) «التمهيد» (٢٠/ ١٥٩، ١٦٠)، و «شرح مختصر خليل» (٦/ ١١٨)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ١٣٩، ١٤٠)، و «التاج والإكليل» (٤/ ٢٧٧، ٢٨٠)، و «تحبير المختصر» (٤/ ٣٦١، ٣٦٢)، و «بلغة السالك» (٣/ ٣٦٠)، و «منح الجليل» (٨/ ٥٥٠).
(٣) «الأم» (٥/ ١٠٣، ١٠٥)، و «المهذب» (٢/ ٣١٧)، و «التنبيه» ص (٢٦٥)، و «شرح صحيح مسلم» (١٢/ ٧).

قَولٍ (١) وهو الذي عليه الفَتوَى عندَ الحَنفيةِ في هذه الأَزمانِ (٢) إلى أنَّه يَجوزُ للإِنسانِ إذا كانَ له حَقٌّ عندَ غيرِه وجحَدَه أو عجَزَ عن أخذِه ووجَدَ مالًا له أنَّ له الأخْذَ منه، سَواءٌ كانَ من جِنسِ حَقِّه أو لا، وسَواءٌ علِمَ المانِعُ الحَقَّ أو لم يَعلَمْ، واستدَلُّوا على ذلك بما يَلي:

١ - بقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤].

٢ - وبما رَواه الشَّيخانِ وغيرُهما عن عائِشةَ رضي الله عنها قالَت: دخَلَت هِندُ بِنتُ عُتبةَ امرأةُ أَبي سُفيانَ على رَسولِ اللهِ ، فقالَت: يا رَسولَ اللهِ، إنَّ أَبا سُفيانَ رَجلٌ شَحيحٌ، لا يُعطيني من النَّفقةِ ما يَكفيني ويَكفي بَنيَّ إلا ما أخَذتُ من مالِه بغيرِ عِلمِه، فهل علَيَّ في ذلك من جُناحٍ؟ فقالَ رَسولُ اللهِ : «خُذي من مالِه بالمَعروفِ ما يَكفيكِ ويَكفي بَنيكِ» (٣).

٣ - وبحَديثِ عُقبةَ بنِ عامِرٍ رضي الله عنه قالَ: قُلنا للنَّبيِّ : إنَّك تَبعَثُنا، فنَنزِلُ بقَومٍ لا يَقرُونَنا، فما تَرى فيه؟ فقالَ لنا: «إنْ نزَلتُم بقَومٍ،

(١) «المغني» (١٠/ ١٧٥، ٢٧٧)، و «الشرح الكبير» (١١/ ٣٦٣)، و «المبدع» (١٠/ ٩٧)، و «الإنصاف» (١١/ ٣٠٨، ٣١٠).
(٢) «ابن عابدين» (٦/ ١٥١).
(٣) أخرجه البخاري (٢/ ٨٦٨)، ح رقم (٢٣٢٨) بابُ قِصاصِ المَظلومِ إذا وجَدَ مالَ ظالمِه وقالَ ابنُ سِيرينَ: يقاصُّه وقرَأَ ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ﴾ [النحل: ١٢٦]، ومسلم (١٧١٤)، وأبو داود (٣/ ٢٨٩)، ح رقم (٣٥٣٢) باب في الرَّجلِ يَأخذُ حقَّه من تحتَ يدِهِ.

فأُمرَ لكم بما يَنبَغي للضَّيفِ فاقبَلوا، فإنْ لم يَفعَلوا، فخُذوا منهم حَقَّ الضَّيفِ» (١).

قالَ المالِكيةُ في المَذهبِ: من جُحدَ حَقُّه عندَ رَجلٍ مُلِدٍّ أو مُنكِرٍ أو ظالِمٍ سَواءٌ كانَت وَديعةً أو غيرَها ثم قدِرَ على مالِ الآخِذِ أو الجاحِدِ جازَ له أنْ يأخُذَ منه بقَدرِ حَقِّه بشَرطَينِ:

الأولُ: ألَّا تَكونَ في عُقوبةٍ، فإنْ كانَت عُقوبةً من ضَربٍ أو حَبسٍ أو قَطعٍ أو قَتلٍ لا يَستَوفيها بنَفسِه، بل لا بدَّ من الحاكِمِ، فلا يَجرَحُ مَنْ جرَحَه ولا يَضرِبُ مَنْ ضرَبَه ولا يُؤدِّبُ مَنْ شتَمَه ولا يَحُدُّ من قذَفَه ولا يَقتصُّ ممَّن جَنى عليه.

والثانِي: أنْ يأمَنَ وُقوعَ فِتنةٍ من قِتالٍ أو ضَربٍ أو جَرحٍ أو نَحوِ ذلك، وأنْ يأمَنَ على نَفسِه الرَّذيلةَ بألَّا يُنسَبَ إلى الخيانةِ أو السَّرقةِ أو الغَصبِ لأخذِ حَقِّه؛ لأنَّ حِفظَ العِرضِ واجِبٌ كالنَّفسِ.

وكذا إذا كانَ شَخصانِ لكلٍّ منهما حَقٌّ على الآخَرِ فجحَدَ أحَدُهما حَقَّ صاحِبِه، فاللآخَرِ جَحدُ ما يُعادِلُه، وله أنْ يَحلِفَ ويَتحاشى، وذلك لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] ولحَديثِ هِندَ السابِقِ، ولا فَرقَ بينَ أخذِ العَينِ والمِثلِ والقيمةِ على المَذهبِ.

(١) أخرجه البخاري (٢/ ٨٦٨)، ح رقم (٢٣٢٩) بابُ قِصاصِ المَظلومِ إذا وجَدَ مالَ ظالمِه وقالَ ابنُ سِيرينَ: يقاصُّه وقرَأَ ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ﴾ [النحل: ١٢٦]، ومسلم (١٧٢٧).

وأَجابوا عن حَديثِ: «أدِّ الأَمانةَ إلى مَنْ ائتَمَنك ولا تَخُنْ مَنْ خانَك»، بأنَّ مَعنى «لا تَخُنْ» أي: لا تَخُنْ مَنْ خانَك بعدَ أنِ انتصَرتَ منه في خيانَتِه لكَ، والنَّهيُ إنَّما وقَعَ على الابتِداءِ أو ما يَكونُ في مَعنى الابتِداءِ، كأنَّه يَقولُ: ليسَ لك أنْ تَخونَه وإنْ كانَ قد خانَكَ، كما مَنْ لم يَكُنْ له أنْ يَخونَك أولًا، وأمَّا مَنْ عاقَبَ بمِثلِ ما عُوقِبَ به وأخَذَ حَقَّه فليسَ بخائِنٍ، وإنَّما الخائِنُ مَنْ أخَذَ ما ليسَ له أو أكثَرَ ممَّا له (١).

وأمَّا الشافِعيةُ فقالَ منهم الإِمامُ الشِّيرازيُّ رحمة الله عليه: فَصلٌ: ومَن وجَبَ له حَقٌّ على رَجلٍ وكانَ مُمتنِعًا من أَدائِه فإنْ لم يَقدِرْ على أخذِه بالحاكِمِ، فله أنْ يأخُذَ مِنْ مالِه؛ لقَولِه : «لا ضَررَ ولا ضِرارَ»، وفي مَنعِه من أخذِ مالِه في هذه الحالِ إِضرارٌ به.

وإنْ كانَ يَقدِرُ على أخذِه بالحاكِمِ بأنْ تَكونَ له عليه بَيِّنةٌ ففيه وَجهانِ:

أَحدُهما: أنَّه لا يَجوزُ أنْ يأخُذَه؛ لأنَّه يَقدِرُ على أخذِه بالحاكِمِ فلم يَجزْ أنْ يأخُذَه بنَفسِه.

والثانِي: وهو المَذهبُ أنَّه يَجوزُ؛ لأنَّ هِندَ قالَت: يا رَسولَ اللهِ، إنَّ أَبا سُفيانَ رَجلٌ شَحيحٌ، وإنَّه لا يُعطيني ما يَكفيني ووَلدي إلا ما آخُذُه سِرًّا.

(١) «التمهيد» (٢٠/ ١٥٩، ١٦٠)، و «شرح صحيح البخاري» لابن بطال (٦/ ٥٨٥، ٥٨٦)، و «شرح مختصر خليل» (٦/ ١١٨)، و (٧/ ٢٣٥)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ١٣٩، ١٤٠)، (٦/ ١٥٥، ١٥٦)، و «التاج والإكليل» (٤/ ٢٧٧، ٢٨٠)، و «تحبير المختصر» (٤/ ٣٦١، ٣٦٢)، و «بلغة السالك» (٣/ ٣٦٠)، و «منح الجليل» (٨/ ٥٥٠).

فقالَ عليه السلام: «خُذي ما يَكفيكِ ووَلَدَك بالمَعروفِ» (١). فأذِنَ لها في الأخذِ مع القُدرةِ على الأخذِ بالحاكِمِ، ولأنَّ عليه في المُحاكَمةِ مَشقةً فجازَ له أخذُه، فإنْ كانَ الذي قدِرَ عليه من جِنسِ حَقِّه أخَذَ قَدرَ حَقِّه، وإنْ كانَ من غيرِ جِنسِه أخَذَه ولا يَجوزُ أنْ يَتملَّكَه؛ لأنَّه من غيرِ جِنسِ مالِه، فلا يَجوزُ أنْ يَتملَّكَه ولكنْ يَبيعُه ويَصرِفُ ثَمنَه في حَقِّه، وفي كَيفيةِ البَيعِ وَجهانِ:

أَحدُهما: أنَّه يُواطِئُ رَجلًا ليُقرَّ له بحَقِّه وأنَّه مُمتنِعٌ من أَدائِه فيَبيعُ الحاكِمُ المالَ عليه.

والثانِي: وهو المَذهبُ أنَّه يَبيعُ المالَ بنَفسِه؛ لأنَّه يَتعذَّرُ عليه أنْ يُثبتَ الحَقَّ عندَ الحاكِمِ، وأنَّه مُمتنِعٌ من بَيعِه، فملَكَ بَيعَه بنَفسِه، فإنْ تلِفَت العَينُ قبلَ البَيعِ ففيه وَجهانِ:

أَحدُهما: أنَّها تَتلَفُ من ضَمانِ مَنْ عليه الحَقُّ ولا يَسقُطُ دَينُه لأنَّها مَحبوسةٌ لاستِيفاءِ حَقِّه منها، فكانَ هَلاكُها من ضَمانِ المالِكِ كالرَّهنِ.

والوَجهُ الثانِي: أنَّها تَتلَفُ من ضَمانِ صاحِبِ الحَقِّ؛ لأنَّه أخَذَها بغيرِ إِذنِ المالِكِ فتَلِفَت من ضَمانِه بخِلافِ الرَّهنِ، فإنَّه أخَذَه بإِذنِ المالِكِ فتَلِفَ من ضَمانِه (٢).

وقالَ الإِمامُ النَّوويُّ رحمة الله عليه: وفي هذا الحَديثِ -أي: حَديثِ هِندَ- فَوائدُ، منها: أنَّ مَنْ له على غيرِه حَقٌّ وهو عاجِزٌ عن استِيفائِه يَجوزُ له أنْ

(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: تقدم.
(٢) «المهذب» (٢/ ٣١٧، ٣١٨)، و «التنبيه» ص (٢٦٥).

يأخُذَ من مالِه قَدرَ حَقِّه بغيرِ إِذنِه، وهذا مَذهبُنا، ومنَعَ ذلك أَبو حَنيفةَ ومالِكٌ رضي الله عنهما (١).

وهذا القَولُ الذي يُجيزُ للإِنسانِ إذا ظفِرَ بحَقِّه ولو من غيرِ جِنسِه أنْ يأخُذَه هو ما عليه الفَتوَى عندَ مُتأخِّري الحَنفيةِ، قالَ الإِمامُ ابنُ عابدينَ رحمة الله عليه:

تَنبيهٌ: قالَ الحَمَويُّ في شَرحِ «الكَنز» نَقلًا عن العَلَّامةِ المَقدِسيِّ عن جَدِّه الأشقَرِ عن «شَرح القُدوري» للأخصَبِ: إنَّ عَدمَ جَوازِ الأخذِ من خِلافِ الجِنسِ كانَ في زَمانِهم؛ لمُطاوَعتِهم في الحُقوقِ، والفَتوَى اليَومَ على جَوازِ الأخذِ عندَ القُدرةِ من أيِّ مالٍ كانَ، لا سيَّما في ديارِنا لمُداوَمتِهم العُقوقَ.

قالَ الشاعِرُ:

عَفاءٌ على هذا الزَّمانِ فإنَّه زَمانُ عُقوقٍ لا زَمانُ حُقوقِ

وكلُّ رَفيقٍ فيه غيرُ مُرافِقٍ وكلُّ صَديقٍ فيه غيرُ صَدوقِ (٢)

وقالَ الإِمامُ ابنُ المُنذرِ رحمة الله عليه: بابُ المُودَعِ يَجحَدُ الوَديعةَ ويَقعُ بيَدِ رَبِّ المالِ مِثلُه من مالِ المُودَعِ:

قالَ أبو بَكرٍ: وإذا أودَعَ الرَّجلُ الرَّجلَ مِئةَ دِرهمٍ فجحَدَها المُودَعُ ثم أودَعَ المُودَعُ الجاحِدُ رَبَّ الوَديعةِ الأُولى مِئةً مِثلَها.

(١) «شرح صحيح مسلم» (١٢/ ٧).
(٢) «حاشية ابن عابدين» (٦/ ١٥١).

فقالَ الشافِعيُّ وأَصحابُ الرأيِ: له أنْ يأخُذَها من مالِه.

والجَوابُ عندَهم: في الحِنطةِ والشَّعيرِ وما يُكالُ أو يُوزَنُ مِثلُه إذا أودَعَه مِثلَها، فلَه أنْ يأخُذَ ذلك قِصاصًا.

وقالَ مالِكٌ: لا يَجحَدُه ولا يأخُذُها.

وفي قَولِ الشافِعيِّ: إنْ وصَلَ إلى سِلعةٍ من السِّلعِ، فله أنْ يَبيعَها ويَقتَضيَ من ثَمنِها مالَه.

وليسَ له إِمساكُ ذلك في قَولِ أَصحابِ الرأيِ.

قالَ أبو بَكرٍ: قَولُ الشافِعيِّ صَحيحٌ استِدلالًا بخَبَرِ عائِشةَ رضي الله عنها أنَّ النَّبيَّ قالَ لهِندَ: «خُذي ما يَكفيكِ ووَلدَكِ بالمَعروفِ» (١).

وعلى رِوايةِ الحَنابِلةِ القائِلةِ بالجَوازِ قالَ الزَّركَشيُّ: (وعلى القَولِ الآخَرِ) وإنْ وجَدَ جِنسَ حَقِّه أخَذَ منه قَدرَ حَقِّه، ولا يأخُذُ من غيرِه مع قُدرتِه عليه، وإنْ لم يَجِدْ إلا من غيرِ جِنسِ حَقِّه أخَذَ منه قيمةَ حَقِّه، مُتحرِّيًا للعَدلِ في ذلك، جزَمَ به أَبو البَركاتِ، وأَبو الخَطابِ في «الهِداية» وغيرُهما، وهو أحدُ احتِمالَيْ أَبي مُحمدٍ كما في الرَّهنِ.

(والاحتِمالُ الثاني) ليسَ له ذلك؛ لإِفضائِه إلى بَيعِ مالِ غيرِه من نَفسِه بغيرِ إِذنٍ له في ذلك، وهذه المَسألةُ تُلقَّبُ بمَسألةِ الظَّفَرِ (٢).

(١) «الإشراف» (٦/ ٣٤١، ٣٤٢).
(٢) «شرح الزركشي» (٣/ ٤٣٤، ٤٣٥).

القَولُ الثانِي: أنَّه لا يَجوزُ لمَن ظفِرَ بحَقِّه أنْ يأخُذَ منه شَيئًا، وهو قَولٌ للمالِكيةِ اختارَه خَليلٌ، وهو رِوايةُ ابنِ القاسِمِ عن مالِكٍ (١) وللحَنابِلةِ في المَذهبِ (٢)، واستدَلُّوا على ذلك بما رَواه أَحمدُ وأَبو داودَ وغيرُهما عن يُوسفَ بنِ ماهَكَ المَكيِّ، قالَ: كُنْتُ أكتُبُ لفُلانٍ نَفقةَ أَيتامٍ كانَ وَليَّهم فغالَطوه بألفِ دِرهمٍ، فأَداها إليهم فأدرَكتُ لهم من مالِهم مِثلَيْها، قالَ: قُلتُ: أقبِضُ الألفَ الذي ذَهَبوا به منك؟ قالَ: لا، حدَّثَني أَبي أنَّه سمِعَ رَسولَ اللهِ يَقولُ: «أَدِّ الأَمانةَ إلى مَنْ ائتَمَنَك، ولا تَخُنْ مَنْ خانَكَ» (٣).

جاءَ في «المُدوَّنة الكُبرى» فيمَن استَودَع رَجلًا مالًا أو أقرَضَه فجحَدَه ثم استَودَعه الجاحِدُ مِثلَه:

(قُلتُ): أرأيتَ لو أنَّ رَجلًا استَودَعتُه ألفَ دِرهمٍ أو أقرَضتُه إياها قَرضًا أو بِعتُه بها سِلعةً فجحَدَني ذلك ثم إنَّه استَودَعَني بعدَ ذلك ألفَ دِرهمٍ أو

(١) «التمهيد» (٢٠/ ١٥٩، ١٦٠)، و «شرح مختصر خليل» (٦/ ١١٨)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ١٣٩، ١٤٠)، و «التاج والإكليل» (٤/ ٢٧٧، ٢٨٠)، و «تحبير المختصر» (٤/ ٣٦١، ٣٦٢)، و «بلغة السالك» (٣/ ٣٦٠)، و «منح الجليل» (٨/ ٥٥٠).
(٢) «المغني» (١٠/ ١٧٥، ٢٧٧)، و «الشرح الكبير» (١١/ ٣٦٣)، و «المبدع» (١٠/ ٩٧)، و «الإنصاف» (١١/ ٣٠٨، ٣١٠).
(٣) رواه الإمام أَحمد في «مسنده» (١٥٤٦٢)، وأبو داود (٣٥٣٤)، واختَلفَ أهلُ العلمِ في تَصحيحِه وتَضعيفِه.

باعَني بها بَيعًا، فأرَدتُ أنْ أجحَدَه لمَكانِ حَقِّي الذي كانَ جحَدَني ويَستوفيها من حَقِّي الذي لي عليه؟ (قالَ): سُئلَ مالِكٌ عنها غيرَ مَرةٍ فقالَ: لا يَجحَدُه. (قالَ): فقُلتُ: لِمَ قالَ ذلك مالِكٌ؟ (قالَ) ظَنَنْتُ أنَّه قالَه للحَديثِ الذي جاءَ: «أَدِّ الأَمانةَ إلى مَنْ ائتَمَنَك ولا تَخُنْ مَنْ خانَكَ» (١).

وقالَ ابنُ بَطَّالٍ: اختَلفَ العُلماءُ في الذي يَجحَدُ وَديعةَ غيرِه، ثم يَجِدُ المُودِعُ له مالًا، هل يأخُذُه عِوضًا من حَقِّه أو لا؟

اختَلفَ قَولُ مالِكٍ في ذلك، فرَوى ابنُ القاسِمِ عن مالِكٍ أنَّه لا يَفعلُ، واحتَجَّ بما رُويَ عن النَّبيِّ أنَّه قالَ: «أَدِّ الأَمانةَ إلى مَنْ ائتَمَنَك، ولا تَخُنْ مَنْ خانَكَ» (٢).

وأمَّا الحَنابِلةُ فقالَ منهم ابنُ قُدامةَ: مَسألةٌ: قالَ: (ومَن كانَ له على أحَدٍ حَقٌّ فمنَعَه منه وقدِرَ له على مالٍ لم يأخُذْ منه مِقدارَ حَقِّه؛ لمَا رُويَ عن النَّبيِّ أنَّه قالَ: «أَدِّ الأَمانةَ إلى مَنْ ائتَمَنَك ولا تَخُنْ مَنْ خانَكَ» رَواه التِّرمذيُّ (٣).

وجُملتُه أنَّه إذا كانَ لرَجلٍ على غيرِه حَقٌّ وهو مُقِرٌّ به باذِلٌ له لم يَكُنْ له أنْ يأخُذَ من مالِه إلا ما يُعطيه بلا خِلافٍ بينَ أهلِ العِلمِ، فإنْ أخَذَ من مالِه شَيئًا بغيرِ إِذنِه لزِمَه رَدُّه إليه، وإنْ كانَ قَدرَ حَقِّه؛ لأنَّه لا يَجوزُ أنْ يَملكَ عليه

(١) «المدونة الكبرى» (١٥/ ١٦٠).
(٢) «شرح صحيح البخاري» (٦/ ٥٨٤).
(٣) تقدم.

عَينًا من أَعيانِ مالِه بغيرِ اختِيارِه لغيرِ ضَرورةٍ، وإنْ كانَت من جِنسِ حَقِّه؛ لأنَّه قد يَكونُ للإِنسانِ غَرضٌ في العَينِ، فإنْ أتلَفَها أو تلِفَت فصارَت دَينًا في ذِمتِه وكانَ الثابِتُ في ذِمتِه من جِنسِ حَقِّه تَقاصَّا في قياسِ المَذهبِ وفي المَشهورِ من مَذهبِ الشافِعيِّ، وإنْ كانَ مانِعًا له لأمرٍ يُبيحُ المَنعَ كالتأجيلِ والإِعسارِ لم يَجزْ أخذُ شَيءٍ من مالِه بغيرِ خِلافٍ، وإنْ أخَذَ شَيئًا لزِمَه رَدُّه إنْ كانَ باقيًا أو عِوضَه إنْ كانَ تالِفًا، ولا يَحصُلُ التَّقاصُّ ههنا؛ لأنَّ الدَّينَ الذي له لا يَستحِقُّ أخْذَه في الحالِ بخِلافِ التي قبلَها.

وإنْ كانَ مانِعًا له بغيرِ حَقٍّ وقدِرَ على استِخلاصِه بالحاكِمِ أو السُّلطانِ لم يَجزْ له الأخذُ أيضًا بغيرِه؛ لأنَّه قدِرَ على استِيفاء حَقِّه بمَن يَقومُ مَقامَه فأشبَهَ ما لو قدِرَ على استِيفائِه من وَكيلِه.

وإنْ لم يَقدِرْ على ذلك لكَونِه جاحِدًا له ولا بَيِّنةَ له به أو لكَونِه لا يُجيبُه إلى المُحاكَمةِ ولا يُمكنُه إِجبارُه على ذلك أو لنَحوِ هذا فالمَشهورُ في المَذهبِ أنَّه ليسَ له أخْذُ قَدرِ حَقِّه، وهو إِحدى الرِّوايتَينِ عن مالِكٍ، قالَ ابنُ عَقيلٍ: جعَلَ أَصحابُنا المُحدِّثونَ لجَوازِ الأخْذِ وَجهًا في المَذهبِ أخْذًا من حَديثِ هِندَ حينَ قالَ لها النَّبيُّ : «خُذي ما يَكفيكِ ووَلدَك بالمَعروفِ»، وقالَ أَبو الخَطابِ: ويَتخرَّجُ لنا جَوازُ الأخْذِ.

فإنْ كانَ المَقدورُ عليه من جِنسِ حَقِّه أُخذَ بقَدرِه، وإنْ كانَ من غيرِ جِنسِه تَحرَّى واجتهَدَ في تَقويمِه، مَأخوذٌ من حَديثِ هِندَ ومِن قَولِ أَحمدَ في

المُرتهَنِ يُركَبُ ويُحلَبُ بقَدرِ ما يُنفَقُ، والمَرأةُ تأخُذُ مُؤنتَها، وبائِعُ السِّلعةِ يأخُذُها من مالِ المُفلِسِ بغيرِ رِضًا.

وقالَ الشافِعيُّ: إنْ لم يَقدِرْ على استِخلاصِ حَقِّه بعَينِه فله أخْذُ قَدرِ حَقِّه من جِنسِه أو من غيرِ جِنسِه، وإنْ كانَت له بَيِّنةٌ وقدِرَ على استِخلاصِه ففيه وَجهانِ، والمَشهورُ من مَذهبِ مالِكٍ أنَّه إنْ لم يَكُنْ لغيرِه عليه دَينٌ فله أنْ يأخُذَ بقَدرِ حَقِّه، وإنْ كانَ عليه دَينٌ لم يَجُزْ؛ لأنَّهما يَتحاصَّانِ في مالِه إذا أفلَسَ.

وقالَ أَبو حَنيفةَ: له أنْ يأخُذَ بقَدرِ حَقِّه إنْ كانَ عَينًا أو وَرِقًا أو من جِنسِ حَقِّه، وإنْ كانَ المالُ عَرضًا لم يَجُزْ؛ لأنَّ أخْذَ العَرضِ عن حَقِّه اعتِياضٌ، ولا تَجوزُ المُعاوَضةُ إلا برِضًا من المُتعاوِضَينِ، قالَ اللهُ تَعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩].

واحتَجَّ من أَجازَ الأخْذَ بحَديثِ هِندَ حين جاءَت إلى رَسولِ اللهِ فقالَت: يا رَسولَ اللهِ، إنَّ أَبا سُفيانَ رَجلٌ شَحيحٌ وليسَ يُعطيني من النَّفقةِ ما يَكفيني ووَلدي، فقالَ: «خُذي ما يَكفيكِ ووَلدَك بالمَعروفِ» مُتَّفقٌ عليه، وإذا جازَ لها أنْ تأخُذَ من مالِه ما يَكفيها بغيرِ إِذنِه جازَ للرَّجلِ الذي له الحَقُّ على الرَّجلِ.

ولنا: قَولُ النَّبيِّ : «أَدِّ الأَمانةَ إلى مَنْ ائتَمَنك ولا تَخُنْ مَنْ خانَكَ» رَواه التِّرمذيُّ وقالَ: حَديثٌ حَسنٌ، ومَتى أخَذَ منه قَدرَ حَقِّه من مالِه بغيرِ عِلمِه فقد خانَه، فيَدخلُ في عُمومِ الخَبَرِ، وقالَ : «لا يَحلُّ

مالُ امرِئٍ مُسلمٍ إلا عن طِيبِ نَفسٍ منه»، ولأنَّه إنْ أخَذَ من غيرِ جِنسِ حَقِّه كانَ مُعاوَضةً بغيرِ تَراضٍ، وإنْ أخَذَ من جِنسِ حَقِّه فليسَ له تَعيينُ الحَقِّ بغيرِ رِضا صاحِبِه، فإنَّ التَّعيينَ إليه، ألَا تَرى أنَّه لا يَجوزُ له أنْ يَقولَ: «اقضِني حَقِّي من هذا الكِيسِ دَونَ هذا»؟ ولأنَّ كلَّ ما لا يَجوزُ له تَملُّكُه إذا لم يَكُنْ له دَينٌ لا يَجوزُ له أخْذُه إذا كانَ له دَينٌ، كما لو كانَ باذِلًا له.

وأمَّا حَديثُ هِندَ، فإنَّ أَحمدَ اعتذَرَ عنه بأنَّ حَقَّها واجِبٌ عليه في كلِّ وَقتٍ، وهذا إِشارةٌ منه إلى الفَرقِ بالمَشقةِ في المُحاكمةِ في كلِّ وَقتٍ، والمُخاصَمةُ في كلِّ يَومٍ تَجبُ فيه النَّفقةُ بخِلافِ الدَّينِ.

وفرَّقَ أبو بَكرٍ بينَهما بفَرقٍ آخَرَ، وهو أنَّ قيامَ الزَّوجيةِ كقيامِ البَيِّنةِ، فكأنَّ الحَقَّ صارَ مَعلومًا يُعلَمُ قيامُ مُقتَضيه، وبينَهما فَرقانِ آخَرانِ:

أَحدُهما: أنَّ للمَرأةِ من التَّبسُّطِ في مالِه بحُكمِ العادةِ ما يُؤثِّرُ في إِباحةِ أخْذِ الحَقِّ وبَذلِ اليَدِ فيه بالمَعروفِ، بخِلافِ الأجنَبيِّ.

الثانِي: أنَّ النَّفقةَ تُرادُ لإِحياءِ النَّفسِ وإِبقاءِ المُهجةِ، وهذا ممَّا لا يُصبَرُ عنه ولا سَبيلَ إلى تَركِه، فجازَ أخْذُ ما تَندفِعُ به هذه الحاجةُ بخِلافِ الدَّينِ، حتى نَقولَ: لو صارَت النَّفقةُ ماضيةً لم يَكُنْ لها أخْذُها، ولو وجَبَ لها عليه دَينٌ آخَرُ لم يَكُنْ لها أخْذُه.

فعلى هذا إنْ أخَذَ شَيئًا لزِمَه رَدُّه إنْ كانَ باقيًا، وإنْ كانَ تالِفًا وجَبَ مِثلُه إنْ كانَ مِثليًّا أو قيمَتُه إنْ كانَ مُتقوَّمًا، فإنْ كانَ من جِنسِ دَينِه تَقاصَّا وتَساقَطا في قياسِ المَذهبِ، وإنْ كانَ من غيرِ جِنسِه لزِمَه غُرمُه، ومَن جوَّزَ من

أَصحابِنا الأخذَ فإنَّه قالَ: إنْ وجَدَ من جِنسِ حَقِّه جازَ له الأخْذُ منه بقَدرِ حقِّه من غيرِ زيادةٍ، وليسَ له الأخذُ من غيرِ جِنسِ حَقِّه مع قُدرتِه على أخذِه من جِنسِه، وإنْ لم يَجِدْ إلا من غيرِ جِنسِ حَقِّه فيَحتملُ ألَّا يَجوزَ له تَملُّكُه؛ لأنَّه لا يَجوزُ أنْ يَبيعَه من نَفسِه، وهذا يَبيعُه من نَفسِه وتَلحَقُه فيه تُهمةٌ، ويَحتملُ أنْ يَجوزَ له ذلك، كما قالوا: الرَّهنُ يُنفَقُ عليه إذا كانَ مَركوبًا أو مَحلوبًا يُركَبُ ويُحلَبُ بقَدرِ النَّفقةِ، وهي من غيرِ الجِنسِ، واختَلفَ أَصحابُ الشافِعيِّ، فمنهم مَنْ جوَّزَ له هذا ومنهم مَنْ قالَ: يُواطئُ رَجلًا يَدَّعي عليه عندَ الحاكِمِ دَينًا فيُقرُّ له بمِلكِ الشَّيءِ الذي أخَذَه، فيَمتنِعُ مَنْ عليه الدَّعوى من قَضاءِ الدَّينِ، ليَبيعَ الحاكِمُ الشَّيءَ المَأخوذَ ويَدفعَه إليه (١).

القَولُ الثالِثُ: يَجوزُ للإِنسانِ إذا ظفِرَ بجِنسِ حقِّه أنْ يأخُذَه، وإنْ كانَ من غيرِ جِنسِه فلا يَجوزُ له أخْذُه، وهو مَذهبُ الحَنفيةِ المُتقدِّمينَ إلا إذا كانَ حقُّه دَراهمَ فأخَذَ دَنانيرَ أو خِلافَ ذلك فيَجوزُ اتِّفاقًا.

نَصَّ الحَنفيةُ على أنَّ الإِنسانَ إذا كانَ له حَقٌّ عندَ غيرِه وظفِرَ بجِنسِ حَقِّه جازَ له أنْ يأخُذَه، وإنْ ظفِرَ بغيرِ جِنسِ حَقِّه كمَن له دَنانيرُ فوجَدَ عُروضًا له لا يَجوزُ له أخْذُها، أمَّا إنْ كانَ حَقُّه دَراهمَ فأخَذَ دَنانيرَ، أو كانَ دَنانيرَ فأخَذَ دَراهمَ جازَ له قياسًا عندَ أبي يُوسفَ ومُحمدٍ، واستِحسانًا عندَ أبي حَنيفةَ، وَجهُ الاستِحسانِ اتِّحادُهما في الثَّمنيَّةِ، ولهذا يُضمَّ أَحدُهما إلى

(١) «المغني» (١٠/ ١٧٥، ٢٧٧)، و «الكافي» (٤/ ٥١٠، ٥١١)، و «الإنصاف» (١١/ ٣٠٨، ٣١٢).

الآخَرِ في الزَّكاةِ مع أنَّهما مُختلِفانِ في الصُّورةِ حَقيقةً وهو ظاهِرٌ، وحُكمًا لأنَّه لا يَجري بينَهما رِبا الفَضلِ.

وهذا بخِلافِ العُروضِ؛ لأنَّ الأَغراضَ تَتعلَّقُ بصُورِها وأَعيانِها (١).

قالَ الإِمامُ السَّرخَسيُّ: وإذا جحَدَ المُستودَعُ ما عندَه من الوَديعةِ ثم أودَعَ من مالِه عندَ المُودِعِ مِثلَ ذلك وسِعَه إِمساكُه قِصاصًا بما ذهَبَ به من وَديعتِه؛ لأنَّ المالَ صارَ دَينًا له على المُستودَعِ بجُحودِه، وصاحِبُ الحَقِّ متى ظفِرَ بجِنسِ حَقِّه من مالِ المَدينِ يَكونُ له أنْ يأخُذَه، والأصلُ فيه قَولُ رَسولِ اللهِ لهِندَ: «خُذي من مالِ أَبي سُفيانَ ما يَكفيك ووَلدَك بالمَعروفِ».

(وقيلَ) في تأويلِ قَولِه : لصاحِبِ الحَقِّ اليَدُ واللِّسانُ: المُرادُ أخْذُ جِنسِ حَقِّه إذا ظفِرَ به، وكذلك إنْ كانَ المالُ دَينًا عليه وأنكَرَه ثم أودَعَه مِثلَه.

فأمَّا إذا أودَعَه شَيئًا من غيرِ جِنسِ حَقِّه لم يَسَعْه إِمساكُه عنه؛ لأنَّ هذا بَيعٌ عندَ اختِلافِ الجِنسِ، فلا يَنفرِدُ هو به، والأولُ استِيفاءٌ، وصاحِبُ الحَقِّ يَنفرِدُ بالاستِيفاءِ، وحُكيَ عن ابنِ أَبي لَيلَى رحمة الله عليه التَّسويةُ بينَهما للمُجانَسةِ من حيثُ الماليةُ، ولكنَّه بَعيدٌ، فالوَديعةُ عَينٌ لا يَكونُ له أنْ يَحبسَها باعتبارِ

(١) يُنْظَر: «المبسوط» (١١/ ١٢٨، ١٢٩)، و «بدائع الصنائع» (٧/ ٧١، ٧٢)، و «تبيين الحقائق» (٥/ ١٩٩، ٢٠٠)، و «مجمع الضمانات» (٢/ ٣٩٣)، و «حاشية ابن عابدين» (٦/ ١٥٠، ١٥١).

صِفةِ الماليةِ إذا لم يَثبُتْ له حَقُّ تَملُّكِ العَينِ، ولا يَدخلُ عليه المَرهونُ؛ لأنَّ المُرتهَنَ هناك يَحبِسُ المَرهونَ بإِيجابِ الراهِنِ مِلكَ اليَدِ له في العَينِ، وإنْ كانَ عندَ الهَلاكِ يَصيرُ مُستوفيًا دَينَه باعتِبارِ الماليةِ.

ثم عندَ المُجانَسةِ إذا طلَبَ الثانِي يَمينَ المُودَعِ الأولِ كانَ له أنْ يَحلفَ باللهِ: «لا يَلزَمُني تَسليمُ شَيءٍ إليك».

فإنْ قالَ للقاضي: «حَلِّفْه باللهِ: ما استَودَعتُه كذا»، فله ذلك، إلا أنْ يُؤديَ المُدَّعى عليه فيَقولَ: قد يُودِعُ الرَّجلُ غيرَه شَيئًا ثم لا يَلزمُه تَسليمُ شَيءٍ إليه، فإنْ أدَّى بهذه الصِّفةِ، فقد طلَبَ من القاضِي أنْ يَنظُرَ له فيُجيبَه إلى ذلك.

فأمَّا إذا لم يَذكُرْ هذا فإنَّ القاضِي يُحلِّفُه كما طلَبَ الخَصمُ: «باللهِ ما أودَعَه ما يَدَّعي»، ثم لا يَنبَغي له أنْ يَحلِفَ على ذلك؛ لأنَّه يَكونُ كاذِبًا في يَمينِه، ولا رُخصةَ في اليَمينِ الكاذِبةِ، فطَريقُ التَّخلُّصِ له أنْ يُعرِّضَ للقاضي بما ذَكَرنا، أو يَحلِفَ: «ما استَودَعتَني شَيئًا إلا كذا وكذا»، فيَستَثنيَ ذلك بكَلامِه ويُخفيَه من خَصمِه ومن القاضِي، ويَسعُه ذلك لأنَّه مَظلومٌ دافِعٌ للضَّررِ عن نَفسِه غيرُ قاصِدٍ إلى الإِضرارِ بغيرِه، إلا أنَّ مُجردَ نيَّتِه لا تَكفي لذلك؛ لأنَّه يَحتاجُ إلى إِخراجِه من جُملةِ ما يَتناوَلُه كَلامُه لولا الاستِثناءُ، وذلك يَحصلُ بالنِّيةِ؛ لأنَّ الاستِثناءَ بَيانُ أنَّ كَلامَه عِبارةٌ عمَّا وَراءَ المُستَثنَى، فلا يَحصُلُ ذلك إلا بما يَصلُحُ أنْ يَكونَ ناسِخًا أو مُعارِضًا، ومُجردُ النِّيةِ لا تَصلحُ لذلك، فلهذا شُرِط التَّكلمُ بالاستِثناءِ.

وَجهُ ذلك ما لو قرَّبَ إِنسانٌ أُذُنَه من فَمِه سمِعَ ذلك وفهِمَه (١).

وقالَ ابنُ عابدِين أيضًا: قَولُه: (يَعني بلا أمْرِه)؛ لأنَّ للدائِنِ أنْ يأخُذَ بيَدِه إذا ظفِرَ بجِنسِ حَقِّه بغيرِ رِضا المَدينِ، فكانَ للقاضي أنْ يُعيِّنَه «زَيلَعي».

قَولُه: (وكذا لو كانَ) أي: كلٌّ مِنْ مالِه ودَينِه، وفي نُسخٍ «كانا» بضَميرِ التَّثنيةِ.

قَولُه: (استِحسانًا)، والقياسُ ألَّا يَجوزَ؛ لأنَّ هذا الطَّريقَ غيرُ مُتعيَّنٍ لقَضاءِ الدَّينِ فصارَ كالعُروضِ.

قَولُه: (لاتِّحادِهما في الثَّمنيةِ) بَيانٌ لوَجهِ الاستِحسانِ، ولهذا يُضمُّ أَحدُهما إلى الآخَرِ في الزَّكاةِ مع أنَّهما مُختلِفانِ في الصُّورةِ حَقيقةً وهو ظاهِرٌ، وحُكمًا لأنَّه لا يَجري بينَهما رِبا الفَضلِ، فبالنَّظرِ للاتِّحادِ يَثبُتُ للقاضي وِلايةُ التَّصرفِ، وبالنَّظرِ للاختِلافِ يُسلبُ عن الدائِنِ وِلايةُ الأخْذِ عَملًا بالشَّبَهَينِ بخِلافِ العُروضِ؛ لأنَّ الأَغراضَ تَتعلَّقُ بصُورِها وأَعيانِها.

أَقولُ: ورأيتُ في الحَظرِ والإِباحةِ من «المُجتَبى» رامِزًا ما نَصُّه: وجَدَ دَنانيرَ مَدينِه وله عليه دِرهمٌ، له أنْ يأخُذَه لاتِّحادِهما جِنسًا في الثَّمنيةِ. اه.

(١) «المبسوط» (١١/ ١٢٨، ١٢٩)، و «بدائع الصنائع» (٧/ ٧١، ٧٢)، و «تبيين الحقائق» (٥/ ١٩٩، ٢٠٠)، و «مجمع الضمانات» (٢/ ٣٩٣)، و «حاشية ابن عابدين» (٦/ ١٥٠، ١٥١).

ومِثلُه في «شَرح تَلخيصِ الجامِعِ الكَبير للفارِسي» في بابِ اليَمينِ في المُساومةِ: تَنبيهٌ: قالَ الحَمَويُّ في شَرحِ «الكَنز» نَقلًا عن العَلَّامةِ المَقدِسيِّ عن جَدِّه الأشقَرِ عن «شَرح القُدوري» للأخصَبِ: إنَّ عَدمَ جَوازِ الأخْذِ من خِلافِ الجِنسِ كانَ في زَمانِهم؛ لمُطاوَعتِهم في الحُقوقِ، والفَتوى اليَومَ على جَوازِ الأخْذِ عندَ القُدرةِ من أيِّ مالٍ كانَ، لا سيَّما في دِيارِنا؛ لمُداوَمتِهم العُقوقَ.

قالَ الشاعِرُ:

عَفاءٌ على هذا الزَّمانِ فإنَّه … زَمانُ عُقوقٍ لا زَمانُ حُقوقِ

وكلُّ رَفيقٍ فيه غيرُ مُرافِقٍ … وكلُّ صَديقٍ فيه غيرُ صَدوقِ (١)

القَولُ الرابِعُ: جَوازُ الأخْذِ ولو قدِرَ على أخْذِه بالحاكِمِ في الحَقِّ الثابِتِ بإِقرارٍ أو بَيِّنةٍ أو كانَ سَببُ الحَقِّ ظاهِرًا، وإلا فلا يَجوزُ، وهو اختِيارُ شَيخِ الإِسلامِ ابنِ تَيميةَ وتِلميذِه ابنِ القَيمِ (٢).

قالَ شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميةَ رحمة الله عليه: ومَن كانَ له عندَ إِنسانٍ حَقٌّ ومنَعَه إياه جازَ له الأخْذُ من مالِه بغيرِ إِذنِه إذا كانَ سَببُ الحَقِّ ظاهِرًا لا يَحتاجُ إلى إِثباتٍ، مِثلَ استِحقاقِ المَرأةِ النَّفقةَ على زَوجِها، واستِحقاقِ الأَقاربِ النَّفقةَ على أَقاربِهم، واستِحقاقِ الضَّيفِ الضِّيافةَ على مَنْ نزَلَ به، وإنْ كانَ سَببُ الحَقِّ خَفيًّا يَحتاجُ إلى إِثباتٍ لم يَجُزْ، وهذه الطَّريقةُ المَنصوصُ عليها عن الإِمامِ أَحمدَ، وهو أعدَلُ الأَقوالِ (٣).

وسُئلَ شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميةَ رحمة الله عليه عن الرَّجلِ يَكونُ له على الرَّجلِ دَينٌ فيَجحَدُه أو يَغصِبُه شَيئًا ثم يُصيبُ له مالًا من جِنسِ مالِه، فهل له أنْ يأخُذَ منه مِقدارَ حَقِّه؟

فأَجابَ:

وأمَّا إذا كانَ لرَجلٍ عندَ غيرِه حَقٌّ من عَينٍ أو دَينٍ فهل يأخُذُه أو نَظيرَه بغيرِ إِذنِه؟ هذانِ نَوعانِ: أَحدُهما: أنْ يَكونَ سَببُ الاستِحقاقِ ظاهِرًا لا يَحتاجُ إلى إِثباتٍ، مِثلَ استِحقاقِ المَرأةِ النَّفقةَ على زَوجِها واستِحقاقِ الوَلدِ أنْ يُنفقَ عليه والِدُه واستِحقاقِ الضَّيفِ الضِّيافةَ على مَنْ نزَلَ به،

(١) «حاشية ابن عابدين» (٦/ ١٥٠، ١٥١).
(٢) «الفتاوى الكبرى» (٤/ ٣٦٥)، و «إغاثة اللهفان» (٢/ ٧٧)، و «الإنصاف» (١١/ ٣١١).
(٣) «الفتاوى الكبرى» (٤/ ٣٦٥).

فهنا له أنْ يأخُذَ بدونِ إِذنِ مَنْ عليه الحَقُّ بلا رَيبٍ، كما ثبَتَ في الصَّحيحَينِ «أنَّ هِندَ بِنتَ عُتبةَ بنِ رَبيعةَ قالَت: يا رَسولَ اللهِ: إنَّ أَبا سُفيانَ رَجلٌ شَحيحٌ، وإنَّه لا يُعطيني من النَّفقةِ ما يَكفيني وبَنِيَّ. فقالَ: خُذي ما يَكفيك ووَلدَكِ بالمَعروفِ»، فأذِنَ لها أنْ تأخُذَ نَفقتَها بالمَعروفِ بدونِ إِذنِ وَليِّه.

وهكذا مَنْ علِمَ أنَّه غصَبَ منه مالَه غَصبًا ظاهِرًا يَعرِفُه الناسُ، فأخَذَ المَغصوبَ أو نَظيرَه من مالِ الغاصِبِ، وكذلك لو كانَ له دَينٌ عندَ الحاكِمِ وهو يُماطِلُه فأخَذَ من مالِه بقَدرِه، ونَحوُ ذلك.

والثانِي: ألَّا يَكونَ سَببُ الاستِحقاقِ ظاهِرًا، مِثلَ أنْ يَكونَ قد جحَدَ دَينَه أو جحَدَ الغَصبَ ولا بَيِّنةَ للمُدَّعي، فهذا فيه قَولانِ: أَحدُهما: ليس له أنْ يأخُذَ، وهو مَذهبُ مالِكٍ وأَحمدَ.

والثانِي: له أنْ يأخُذَ، وهو مَذهبُ الشافِعيِّ، وأمَّا أَبو حَنيفةَ رحمة الله عليه تَعالى فيُسوِّغُ الأخْذَ من جِنسِ الحَقِّ؛ لأنَّه استِيفاءٌ، ولا يَسوغُ الأخْذُ من غيرِ الجِنسِ؛ لأنَّه مُعاوَضةٌ، فلا يَجوزُ إلا برِضا الغَريمِ.

والمُجوِّزونَ يَقولونَ: إذا امتنَعَ من أَداءِ الواجِبِ عليه ثبَتَت المُعاوَضةُ بدونِ إِذنِه للحاجةِ، لكنْ مَنْ منَعَ الأخْذَ مع عَدمِ ظُهورِ الحَقِّ استدَلَّ بما في السُّننِ عن أَبي هُرَيرةَ عن النَّبيِّ أنَّه قالَ: «أَدِّ الأَمانةَ إلى مَنْ ائتَمَنك ولا تَخُنْ مَنْ خانَك».

وفي المُسندِ عن بَشيرِ بنِ الخَصاصيةِ أنَّه قالَ: يا رَسولَ اللهِ، إنَّ لنا جِيرانًا لا يَدَعون لنا شاذَّةً ولا فاذَّةً إلا أخَذوها، فإذا قدِرْنا لهم على شَيءٍ أنأخُذُه؟ قالَ: «لا، أَدِّ الأَمانةَ إلى مَنْ ائتَمَنك ولا تَخُنْ مَنْ خانَك».

وفي السُّننِ عن النَّبيِّ أنَّه قيلَ له: إنَّ أهلَ الصَّدقةِ يَعتَدونَ علينا، أفنَكتُمُ من أَموالِنا بقَدرِ ما يَعتَدونَ علينا؟ قالَ: «لا»، رَواه أَبو داودَ وغيرُه، فهذه الأَحاديثُ تُبيِّنُ أنَّ حَقَّ المَظلومِ في الأمرِ نَفسِه إذا كانَ سَببُه ليس ظاهِرًا وأخَذَه خِيانةً لم يَكُنْ له ذلك، وإنْ كانَ هو يَقصِدُ أخْذَ نَظيرِ حَقِّه، لكنَّه خانَ الذي ائتَمَنه، فإنَّه لمَّا سلَّمَ إليه مالَه فأخَذَ بعضَه بغيرِ إِذنِه والاستِحقاقُ ليس ظاهِرًا كانَ خائِنًا، وإذا قالَ: أنا مُستحِقٌّ لمَا أخَذتُه في

الأمرِ نَفسِه لم يَكُنْ ما ادَّعاه ظاهِرًا مَعلومًا، وصارَ كما لو تزوَّجَ امرأةً فأنكَرَت نِكاحَه ولا بَيِّنةَ له، فإذا قهَرَها على الوَطءِ من غيرِ حُجةٍ ظاهِرةٍ فإنَّه ليس له ذلك، ولو قُدِّرَ أنَّ الحاكِمَ حكَمَ على رَجلٍ بطَلاقِ امرأتِه ببَيِّنةٍ اعتقَدَ صِدقَها وكانَت كاذِبةً في الباطِنِ لم يَكُنْ له أنْ يَطأَها؛ لمَا هو الأمرُ عليه في الباطِنِ.

فإنْ قيلَ: لا رَيبَ أنَّ هذا يَمنعُ منه ظاهِرًا وليس له أنْ يُظهرَ ذلك قُدامَ الناسِ؛ لأنَّهم مَأمورونَ بإِنكارِ ذلك؛ لأنَّه حَرامٌ في الظاهِرِ، لكنَّ الشأنَ إذا كانَ يَعلمُ سِرًّا فيما بينَه وبينَ اللهِ، قيلَ: فِعلُ ذلك سِرًّا يَقتَضي مَفاسِدَ كَثيرةً مَنهيٌّ عنها، فإنْ فعَلَ ذلك في مَظنَّةِ الظُّهورِ والشُّهرةِ وفيه ألَّا يَتشبَّهَ به مَنْ ليسَ حالُه كحالِه في الباطِنِ، فقد يَظنُّ الإِنسانُ خَفاءَ ذلك فيَظهرُ مَفاسِدُ كَثيرةٌ، ويَفتحُ أيضًا بابَ التأويلِ، وصارَ هذا كالمَظلومِ الذي لا يُمكنُه الانتِصارُ إلا بالظُّلمِ، كالمُقتَصِّ الذي لا يُمكِنُه الاقتِصاصُ إلا بعُدوانٍ، فإنَّه لا يَجوزُ له الاقتِصاصُ، وذلك أنَّ الخيانةَ نَفسَها مُحرمةُ الجِنسِ، فلا يَجوزُ استِيفاءُ الحَقِّ بها؛ كما لو جرَّعَه خَمرًا أو تلَوَّط به أو شهِدَ عليه بالزُّورِ لم يَكُنْ له أنْ يَفعلَ ذلك، فإنَّ هذا مُحرَّمُ الجِنسِ، والخِيانةُ من جِنسِ الكَذبِ.

فإنْ قيلَ: هذا ليسَ بخِيانةٍ بل هو استِيفاءُ حَقٍّ، والنَّبيُّ نَهى عن خِيانةِ مَنْ خانَ، وهو أنْ يأخُذَ من مالِه مالًا يَستحِقُّ نَظيرَه.

قيلَ: هذا ضَعيفٌ لوُجوهٍ:

أَحدُها: أنَّ الحَديثَ فيه «أنَّ قَومًا لا يَدَعون لنا شاذَّةً ولا فاذَّةً إلا

أخَذوها، أفنَأخُذُ من أَموالِهم بقَدرِ ما يَأخُذونَ؟ فقالَ: لا، أَدِّ الأَمانةَ إلى مَنْ ائتَمَنك، ولا تَخُنْ مَنْ خانَك»، وكذلك قَولُه في حَديثِ الزَّكاةِ: «أفنَكتُم من أَموالِنا بقَدرِ ما يأخُذونَ منا؟ فقالَ: لا».

الثانِي: أنَّه قالَ: «ولا تَخُنْ مَنْ خانَك»، ولو أَرادَ بالخِيانةِ الأخذَ على طَريقِ المُقابَلةِ لم يَكُنْ فَرقٌ بينَ مَنْ خانَه ومَن لم يَخُنْه، وتَحريمُ مِثلِ هذا ظاهِرٌ لا يَحتاجُ إلى بَيانٍ وسُؤالٍ، وقد قالَ: «ولا تَخُنْ مَنْ خانَك»، فعُلمَ أنَّه أَرادَ أنَّك لا تُقابِلُه على خيانَتِه فتَفعَلُ به مِثلَ ما فعَلَ بك، فإذا أودَعَ الرَّجلَ مالًا فخانَه في بعضِه ثم أودَعَ الأولُ نَظيرَه ففعَلَ به مِثلَ ما فعَلَ فهذا هو المُرادُ بقَولِه: «ولا تَخُنْ مَنْ خانَك».

الثالِثُ: أنَّ كَونَ هذا خِيانةً لا رَيبَ فيه، وإنَّما الشأنُ في جَوازِه على وَجهِ القِصاصِ؛ فإنَّ الأُمورَ منها ما يُباحُ فيه القِصاصُ كالقتل وقطعِ الطريق وأخذ المال، ومنها ما لا يُباحُ فيه القِصاصُ كالفَواحشِ والكَذبِ ونَحوِ ذلك، قالَ تَعالى في الأولِ: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠]، وقالَ: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦]، وقالَ: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]، فأَباحَ العُقوبةَ والاعتِداءَ بالمِثلِ، فلمَّا قالَ ههنا: «ولا تَخُنْ مَنْ خانَك» عُلمَ أنَّ هذا ممَّا لا يُباحُ فيه العُقوبةُ بالمِثلِ (١).

(١) «مجموع الفتاوى» (٣٠/ ٣٧١، ٣٧٥).

وقالَ ابنُ القَيمِ رحمة الله عليه بعدَ أنْ ذكَرَ هذه الأَقوالَ التي حَكاها شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميةَ: والخامِسُ: أنَّه إنْ كانَ سَببُ الحَقِّ ظاهِرًا كالنِّكاحِ والقَرابةِ وحَقِّ الضَّيفِ جازَ للمُستحِقِّ الأخْذُ بقَدرِ حَقِّه، كما أذِنَ فيه النَّبيُّ لهِندَ أنْ تأخُذَ من مالِ أَبي سُفيانَ ما يَكفيها ويَكفي بَنِيها، وكما أذِنَ لمَن نزَلَ بقَومٍ ولم يُضيِّفوه أنْ يُعقِبَهم في مالِهم بمِثلِ قِراه، كما في الصَّحيحَينِ عن عُقبةَ بنِ عامِرٍ قالَ: قُلتُ للنَّبيِّ: إنَّك تَبعثُنا فنَنزلُ بقَومٍ لا يَقرونَنا، فما تَرى؟ فقالَ لنا: «إنْ نَزَلتُم بقَومٍ فأمَروا لكم بما يَنبَغي للضَّيفِ فاقبَلوا، وإنْ لم يَفعَلوا فخُذوا منهم حَقَّ الضَّيفِ الذي يَنبَغي لهم»، وفي المُسندِ من حَديثِ المِقدامِ أَبي كَريمةَ أنَّه سمِعَ النَّبيَّ يَقولُ: «مَنْ نزَلَ بقَومٍ فعليهم أنْ يَقروه، فإنْ لم يَقروه فله أنْ يُعقِبَهم بمِثلِ قِراه».

وفي المُسندِ لأَحمدَ أيضًا من حَديثِ أَبي هُرَيرةَ رَضيَ اللهُ تَعالى عنه قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ : «أيُّما ضَيفٍ نزَلَ بقَومٍ فأصبَحَ الضَّيفُ مَحرومًا فله أنْ يأخُذَ بقَدرِ قِراه ولا حَرجَ عليه».

وإنْ كانَ سَببُ الحَقِّ خَفيًّا بحيث يُتَّهمُ بالأخْذِ ويُنسَبُ إلى الخِيانةِ ظاهِرًا لم يَكُنْ له الأخْذُ وتَعريضُ نَفسِه للتُّهمةِ والخِيانةِ، وإنْ كانَ في الباطِنِ آخِذًا حَقَّه، كما أنَّه ليسَ له أنْ يَتعرَّضَ للتُّهمةِ التي تُسلِّطُ الناسَ على عِرضِه، وإنِ ادَّعى أنَّه مُحقٌّ غيرُ مُتَّهمٍ، وهذا القَولُ أصَحُّ الأَقوالِ وأَسدُّها وأَوفَقُها لقَواعدِ الشَّريعةِ وأُصولِها، وبه تَجتمِعُ الأَحاديثُ (١).

(١) «إغاثة اللهفان» (٢/ ٧٥، ٧٩).

القَولُ الخامِسُ: لا يَجوزُ إذا لم يَكُنْ عليه دَينٌ، فإنْ كانَ لم يأخُذْ إلا حِصتَه، وهو قَولٌ للمالِكيةِ.

قالَ الإِمامُ القَرافِيُّ رحمة الله عليه: في «الجَواهر» من كِتابِ الوَديعةِ: إذا ظفِرَ صاحِبُ الدَّينِ بجِنسِ حَقِّه وقد تعذَّرَ عليه أخْذُ حَقِّه مِثلَ أنْ يَجحدَه وَديعَتَه ثم يُودِعَ عندَه، فهل له جَحدُ هذه الوَديعةِ في الأُولى؟ خَمسةُ أَقوالٍ: رَوى ابنُ القاسِمِ في الكِتابِ المَنعَ، والكَراهةُ رَواها أشهَبُ، وقالَ ابنُ عبدِ الحَكمِ: واستحَبَّه عبدُ المَلكِ تَخليصًا للظالِمِ من الظالِمِ.

والخامِسُ أنَّ هذا كلَّه إذا لم يَكُنْ عليه دَينٌ، فإنْ كانَ لم يأخُذْ إلا حِصَّتَه (١).

(١) «الذخيرة» (٨/ ٢١٣).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بداية المجتهد ونهاية المقتصد · ابن رشد الحفيد · كتاب الغصب
الباب الثاني الطوارئ على المغصوب بالزيادة أو النقصان

فِيمَا لَا يُنْقَلُ وَلَا يُحَوَّلُ مِثْلِ الْعَقَارِ، فَقَالَ الْجُمْهُورُ: إِنَّهَا تُضَمَّنُ بِالْغَصْبِ - أَعْنِي أَنَّهَا إِنِ انْهَدَمَتِ الدَّارُ ضُمِّنَ قِيمَتَهَا -، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يُضَمَّنُ.

الرُّكْنُ الثَّالِثُ وَهو الواجب في الغصب، وَالْوَاجِبُ عَلَى الْغَاصِبِ إِنْ كَانَ الْمَالُ قَائِمًا عِنْدَهُ بِعَيْنِهِ لَمْ تَدْخُلْهُ زِيَادَةٌ وَلَا نُقْصَانٌ أَنْ يَرُدَّهُ بِعَيْنِهِ، وَهَذَا لَا اختلَافَ فِيهِ، فَإِذَا ذَهَبَتْ عَيْنُهُ فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ إِذَا كَانَ مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا أَنَّ عَلَى الْغَاصِبِ الْمِثْلَ (أَعْنِي: مِثْلَ مَا اسْتَهْلَكَ صِفَةً وَوَزْنًا) ، وَاخْتَلَفُوا فِي الْعُرُوضِ فَقَالَ مَالِكٌ: لَا يُقْضَى فِي الْعُرُوضِ مِنَ الْحَيَوَانِ وَغَيْرِهِ إِلَّا بِالْقِيمَةِ يَوْمَ اسْتُهْلِكَ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَدَاوُدُ: الْوَاجِبُ فِي ذَلِكَ المِثْل وَلَا تَلْزَمُ الْقِيمَةُ إِلَّا عِنْدَ عَدَمِ الْمِثْلِ.

وَعُمْدَةُ مَالِكٍ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمَشْهُورُ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ أَعْتَقَ شِقْصًا لَهُ فِي عَبْدٍ قُوِّمَ عَلَيْهِ الْبَاقِي قِيمَةَ الْعَدْلِ» الْحَدِيثَ. وَوَجْهُ الدَّلِيلِ مِنْهُ أَنَّهُ لَمْ يُلْزِمْهُ الْمِثْلَ وَأَلْزَمَهُ الْقِيمَةَ.

وَعُمْدَةُ الطَّائِفَةِ الثَّانِيَةِ قَوْله تَعَالَى: {فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} المائدة: ٩٥ ; وَلِأَنَّ مَنْفَعَةَ الشَّيْءِ قَدْ تَكُونُ هِيَ الْمَقْصُودَةَ عِنْدَ الْمُتَعَدَّى عَلَيْهِ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 517 - 539

ارجع إلى ضمان إتلاف الخمر والخنزير أو غصبهما للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.7 / 29.5
الإضاءة 43%
البدر بعد 8 يوم
سبحان الله