الإسلام > الأوقاف والملكية > ضمان إتلاف الخمر والخنزير أو غصبهما > ضمان كسر الصليب
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 8 دقيقة قراءةأظهَروا صَليبًا أو طُنبورًا جازَ كَسرُه، وإنْ أظهَروا كُفرَهم أُدِّبوا على ذلك، ويُمنَعونَ من إِظهارِ ما يَحرُمُ على المُسلِمينَ (١).
ضَمانُ كَسرِ الصَّليبِ:
لا خِلافَ بينَ الفُقهاءِ على أنَّ المُسلمَ إذا كانَ معه صَليبٌ فأتلَفَه إِنسانٌ فلا ضَمانَ عليه.
أمَّا إنْ كانَ الصَّليبُ لأهلِ الذِّمةِ فإنْ أظهَروه وجَبَت إِزالَتُه، ولا ضَمانَ على مُتلِفِه.
وإنْ كانَ على وَجهٍ يُسرُّونَه عن المُسلِمينَ ولا يُظهِرونَه فإنْ غصَبَه غاصِبٌ وجَبَ رَدُّه عندَهم جَميعًا.
إلا أنَّهم اختَلَفوا فيما لو أتلَفَه مُتلِفٌ، هل يَجبُ عليه ضَمانُه أو لا؟
فقالَ الحَنفيةُ: لو أتلَفَ مُسلمٌ صَليبًا على نَصرانِيٍّ يَضمَنُ قيمَتَه صَليبًا؛ لأنَّه مُقَرٌّ على ذلك، فصارَ كالخَمرِ التي هُمْ مُقَرُّونَ عليها.
قالَ الكاسانِيُّ رحمة الله عليه: ولو غصَبَ مُسلمٌ من نَصرانِيٍّ صَليبًا له فهلَكَ في يَدِه يَضمَنُ قيمَتَه صَليبًا؛ لأنَّه مُقَرٌّ على ذلك (٢).
(١) «المغني» (٥/ ١٧٣)، و «شرح الزركشي» (٢/ ١٦٤)، و «كشاف القناع» (٤/ ٩٥)، و «شرح منتهى الإرادات» (٤/ ٢١٢)، و «المعونة» (٢/ ١٩٤)، و «الحاوي الكبير» (٧/ ٢٢١، ٢٢٤)، و «البيان» (٧/ ٨١)، و «النجم الوهاج» (٥/ ١٨٩)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٣٠١، ٣٠٢).
(٢) «بدائع الصنائع» (٧/ ١٤٨)، و «الهداية» (٤/ ٢٣)، و «مجمع الضمانات» (١/ ٣١٧)، و «عمدة القاري» (١٣/ ٢٩)، و «الفتاوى الهندية» (٥/ ١٣١).
وقالَ ابنُ بَطالٍ المالِكيُّ: وأمَّا الساعةَ فلو كُسِر صَليبٌ لأهلِ الكِتابِ المُعاهَدينَ بينَ أظهُرِنا لكانَ ذلك تَعدِّيًا؛ لأنَّهم على ذلك يُؤدُّونَ الجِزيةَ، وإنْ كسَرَه لأهلِ الحَربِ كانَ مَشكورًا، وكذلك قَتلُ الخِنزيرِ (١).
وذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ المُسلمَ إذا أتلَفَ صَليبًا فلا ضَمانَ عليه؛ لأنَّه لا يَحلُّ بَيعُه فلم يَضمَنْه كالمَيتةِ، والدَليلُ على أنَّه لا يَحلُّ بَيعُه قَولُ النَّبيِّ ﷺ: «إنَّ اللهَ حَرَّمَ بَيعَ الخَمرِ والمَيتةِ والخِنزيرِ والأَصنامِ» مُتَّفقٌ عليه.
قالَ الشافِعيةُ: الأَصنامُ والصُّلبانُ لا يَجبُ في إِبطالِها شَيءٌ؛ لأنَّ مَنفعتَها مُحرمةٌ لا تُقابَلُ بشَيءٍ.
والأصَحُّ أنَّها لا تُكسَرُ الكَسرَ الفاحِشَ؛ لإِمكانِ إِزالةِ الهَيئةِ المُحرمةِ مع بَقاءِ بَعضِ الماليةِ، إلا للإِمامِ فله ذلك زَجرًا وتَأديبًا، بل تُفصَّلُ لتَعودَ كما قبلَ التأليفِ؛ لزَوالِ الاسمِ بذلك.
ومُقابِلُ الأصَحِّ: تُكسَرُ وتُرضَّضُ حتى تَنتَهيَ إلى حَدٍّ لا يُمكِنُ فيه إعادَتُها صَنمًا أو صَليبًا أو غيرَ ذلك من المُحرَّماتِ (٢).
قالَ البُهوتيُّ رحمة الله عليه: ومَن أتلَفَ مِزمارًا ونَحوَه بأنْ حَرَقه وأَلقاه في نَحوِ بَحرٍ أو كسَرَ مِزمارًا أو طُنبورًا أو صَليبًا أو كسَرَ إِناءَ ذَهبٍ أو فِضةٍ لم
(١) «شرح صحيح البخاري» (٦/ ٦٠٥).
(٢) «النجم الوهاج» (٥/ ١٩١)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٣٠٢، ٣٠٣)، و «كنز الراغبين» (٣/ ٧٨، ٧٩)، و «البيان» (٧/ ٨٢)، و «المغني» (٥/ ١٧٤)، و «الكافي» (٢/ ٤١١)، و «المحرر» (١/ ٣٦٣).
يَضمَنْه، وأمَّا إذا أتلَفَه فإنَّه يَضمَنُه بوَزنِه ذَهبًا أو فِضةً بلا صِناعةٍ كما تقدَّمَ، قالَ الحارِثيُّ: لا خِلافَ فيه. انتَهى (١).
وقد عَنونَ الإِمامُ البُخاريُّ رحمة الله عليه في صَحيحِه بابًا بعُنوانِ: بَابُ كَسرِ الصَّليبِ وقَتلِ الخِنزيرِ:
حدَّثَنا علِيُّ بنُ عبدِ اللهِ: حدَّثَنا سُفيانُ: حدَّثَنا الزُّهريُّ قالَ: أخبَرَني سَعيدُ ابنُ المُسيِّبِ: سمِعَ أبا هُرَيرةَ رضي الله عنه، عن رَسولِ اللهِ ﷺ قالَ: «لا تَقومُ الساعةُ حتى يَنزِلَ فيكم ابنُ مَريمَ حَكمًا مُقسِطًا، فيَكسِرَ الصَّليبَ، ويَقتلَ الخِنزيرَ، ويَضعَ الجِزيةَ، ويَفيضَ المالُ حتى لا يَقبَلَه أحدٌ» (٢).
قالَ الحافِظُ ابنُ حَجرٍ رحمة الله عليه: وفي إِيرادِه هنا إِشارةٌ إلى أنَّ مَنْ قتَلَ خِنزيرًا أو كسَرَ صَليبًا لا يَضمَنُ؛ لأنَّه فعَلَ مَأمورًا به، وقد أخبَرَ عليه الصلاة والسلام بأنَّ عيسى عليه السلام سيَفعَلُه، وهو إذا نزَلَ كانَ مُقرِّرًا لشَرعِ نَبيِّنا ﷺ، ولا يَخفَى أنَّ مَحلَّ جَوازِ كَسرِ الصَّليبِ إذا كانَ مع المُحارِبينَ أو الذِّميِّ إذا جاوَزَ به الحَدَّ الذي عُوهِدَ عليه، فإذا لم يَتجاوَزْ وكسَرَه مُسلمٌ كانَ مُتعدِّيًا؛ لأنَّهم على تَقريرِهم على ذلك يُؤدُّونَ الجِزيةَ، وهذا هو السِّرُّ في تَعميمِ عيسى كَسرَ كلِّ صَليبٍ؛ لأنَّه لا يَقبلُ الجِزيةَ، وليس ذلك منه نَسخًا لشَرعِ نَبيِّنا مُحمدٍ ﷺ، بل الناسِخُ هو شَرعُنا على لِسانِ نَبيِّنا؛ لإِخبارِه بذلك وتَقريرِه (٣).
(١) «كشاف القناع» (٤/ ١٦٢، ١٦٣)، و «شرح منتهى الإرادات» (٤/ ١٩٠).
(٢) أخرجه البخاري (٢٣٤٤)، ومسلم (٣٢٦٤).
(٣) «فتح الباري» (٥/ ١٢١).
ارجع إلى ضمان إتلاف الخمر والخنزير أو غصبهما للاطلاع على جميع المسائل.