إذا أخذ بعض نقود الوديعة لينفقها ثم ردها

الإسلام > الأوقاف والملكية > ما يجوز للمودع أن يفعله وما لا يجوز > إذا أخذ بعض نقود الوديعة لينفقها ثم ردها

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 20 دقيقة قراءة

إذا أخذ بعض نقود الوديعة لينفقها ثم ردها - الأقوال والأدلة

العَدليةِ»: «إذا كانَ صاحِبُ الوَديعةِ غائِبًا ففرَضَ الحاكِمُ مِنْ الدَّراهمِ المُودعَةِ نَفقةً لمَن يَلزمُ صاحِبَ الوَديعةِ الإِنفاقُ عليه بطَلبِه فصرَفَ المُستودَعُ تلك النَّفقةَ المَفروضةَ مِنْ الدَّراهمِ المُودعَةِ لا يَلزمُ الضَّمانُ، وأما إذا صرَفَ بدونِ أَمرِ الحاكِمِ فيَضمنُ» (١).

وقالَ المالِكيةُ: يُكرَه للمُودَعِ المَليءِ أنْ يَتسلفَ الوَديعةَ التي عندَه إذا كانَت مِنْ النُّقودِ أو مِنْ المِثليَّاتِ، وأما إذا كانَ غيرُ مَليءٍ فإنَّه يَحرمُ عليه أنْ يَتسلفَ منها مُطلقًا، أي سَواءٌ كانَت مِنْ المِثليَّاتِ أو مِنْ المُقوَّماتِ (٢).

وسيَأتي نصُّ الشافِعيةِ والحَنابِلةِ في المَسألةِ التالِيةِ.

إذا أَخذَ بعضُ نُقودِ الوَديعةِ ليُنفقَها ثُم ردَّها:

المُودَعُ إذا كانَ عندَه وَديعةٌ مِنْ النُّقودِ مثلًا أو المِثليَّاتِ فأخَذَ بعضَ النُّقودِ ليُنفقَها فهذا لا يَخلو مِنْ حالتَينِ:

الحالَةُ الأُولَى: أنْ يَأخذَها أو بعضَها ليُنفقَها فلمْ يَفعلْ ثُم ردَّها إلى مَوضعِها فتَضيعُ أو تَتلفُ:

اختَلفَ الفُقهاءُ في الوَديعةِ تَكونُ مِنْ النُّقودِ فيَأخذُ المُودَعُ بَعضَها ليُنفقَها فلمْ يُنفقْها ثُم ردَّها إلى مَوضعِها فتلِفَت جَميعُها هل يَضمنُها بمُجرَّدِ الأَخذِ أم لا؟

(١) يُنْظَر: «درر الحكام» (٢/ ٢٨٠)، و «مرشد الحيران» (٣/ ١٢٢٤).
(٢) «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ١٢٣)، و «شرح مختصر خليل» (٦/ ١١٠، ١١١)، و «تحبير المختصر» (٤/ ٣٤٥).

فذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ إلى أنَّ المُودَعَ إذا أخَذَ بعَضَ الوَديعةِ ليُنفقَها ثُم ردَّها مرَّةً ثانيةً إلى مَوضعِها فلا ضَمانَ عليه.

قالَ الحَنفيةُ: لو أخَذَ بعضَ دَراهمِ الوَديعةِ ليُنفقَها فلمْ يُنفقْها ثُم ردَّها إلى مَوضعِها بعدَ أَيامِ فضاعَت لا ضَمانَ عليه؛ لأنَّ الأَخذَ نفسَه ليسَ بإِتلافٍ، ونِيةُ الإِتلافِ ليسَت بإِتلافٍ فلا تُوجبُ الضَّمانَ، والأَصلُ فيه ما رُويَ عن رَسولِ اللهِ أنَّه قالَ: «إنَّ اللهَ تبارك وتعالى عزَّ شأْنُه عَفا عن أُمَّتي ما حدَّثَت به أنفُسَها ما لمْ يَتكلَّموا أو يَفعَلوا» (١)، ظاهِرُ الحَديثِ يَقتضِي أنْ يَكونَ ما حدَّثَت به النَّفسُ عَفوًا على العُمومِ إلا ما خصَّ بدَليلٍ.

قالَ الكاسانِيُّ: وعلى هذا إذا أودَعَه كيسًا مَسدودًا فحَلَّه المُستودَعُ أو صُندوقًا مُقفَلًا ففتَحَ القُفلَ ولمْ يَأخذْ منه شَيئًا حتى ضاعَ أو ماتَ المُودَعُ فإن كانَت الوَديعةُ قائمَةً بعَينِها تُردَّ على صاحِبِها؛ لأنَّ هذا عَينُ مالِه، ومَن وجَدَ عَينَ مالِه فهو أَحقُّ به على لسانِ رَسولِ اللهِ ، وإنْ كانَت لا تُعرفُ بعَينِها فهي دَينٌ في تَركتِه يُحاصُّ الغُرماءُ؛ لأنَّه لمَّا ماتَ مُجهِلًا للوَديعةِ فقد أتلَفَها مَعنى؛ لخُروجِها مِنْ أنْ تَكونَ مُنتفعًا بها في حَقِّ المالِكِ بالتَّجهيلِ وهو تَفسيرُ الإِتلافِ (٢).

(١) أخرجه البخاري (٦٢٨٧).
(٢) «بدائع الصنائع» (٦/ ٢١٣)، ويُنْظَر: «الهداية» (٣/ ٢١٦)، و «العناية» (١٢/ ٢٦٠)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ١٥٦)، و «اللباب» (١/ ٦٤٦)، و «مجمع الأنهر» (٣/ ٤٧٣).

وقالَ المالِكيةُ: إذا أخَذَ نُقودًا مِنْ الوَديعةِ فلمْ يُنفقْها ثُم ردَّها إلى مَكانِها ثُم ضاعَت أو سُرقَت معَ الباقي فلا ضَمانَ عليه، وكذا في كلِّ المِثليَّاتِ، وسَواءٌ أخَذَ ذلك على وجهِ السَّلفِ أو على غيرِه، وذلك لأنَّ الضَّمانَ يَتعلَّقُ بالإِنفاقِ والأَخذِ، فإذا زالَ ذلك وجَبَ أنْ يَزولَ الضَّمانُ لزَوالِ سَببِه المُوجِبِ له، ولأنَّ الصَّحابةَ كانَت تَتسلَّفُ أَموالَ الأَيتامِ وتُسلِّفُها.

ويُقبلُ قَولُ المُودَعِ بيَمينِه أنَّه ردَّها إلى مَكانِها إذا خالَفَه ربُّها، إلا إذا أذِنَ له ربُّها في تَسلُّفِها، بأنْ يَقولَ له: «أذِنْت لك في تَسلُّفِها أو التُّسلُّفِ منها»، أو يَقولَ له: «إنِ احتَجْت فخُذْ»، فلا يَبرأُ إلا بردِّ ما أخَذَه لربِّها؛ لأنَّ تَسلُّفَه حينَئذٍ إنما هو مِنْ ربِّها، فانتقَلَ مِنْ أَمانتِه إلى ذِمتِه فصارَ كسائِرِ الدُّيونِ (١).

وذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ المُودَعَ إذا أخرَجَ النُّقودَ ليُنفقَها فإنَّه ضامِنٌ لها وإنْ لمْ يُنفقْها بالفِعلِ، حتى لو سُلمَت وأعادَها إلى مَكانِها ثُم تلِفَت فلا يَبرأُ مِنْ الضَّمانِ لتَعدِّيه، ويَجبُ عليه أنْ يَردَّها لصاحِبِها فَورًا عندَ الحَنابِلةِ.

قالَ الشافِعيةُ: إذا أخَذَ الدَّراهمَ مِنْ مَحلِّها ليُنفقَها غيرَ ظانٍّ أنَّها مِلكُه ضمِنَ وإنْ ولمْ يُنفقْ؛ لاقتِرانِ الفِعلِ بنِيةِ التَّعدي، فإنْ تلِفَ المَأخوذُ في يدِه ضمِنَه.

(١) «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٣/ ١١٠، ١١١)، رقم (٩٦٨)، و «التاج والإكليل» (٤/ ٢٦٣، ٢٦٤)، و «شرح مختصر خليل» (٦/ ١١٠، ١١١)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ١٢٤، ١٢٥)، و «تحبير المختصر» (٤/ ٣٤٦، ٣٤٧)، و «بداية المجتهد» (٢/ ٢٣٤).

أما إذا أخذَها ظانًّا أنَّها مِلكُه فإنَّه لا يَضمنُها إلا إنْ انتفَعَ بها.

ولو أخَذَ بعضَ الدَّراهمِ -كدِرهمٍ- ضمِنَه فقط ما لمْ يَفضَّ خَتمًا أو يَكسرَ قُفلًا، فإنْ ردَّه لمْ يَزُلْ ضَمانُه، حتى لو تلِفَ الكلُّ ضمِنَ دِرهمًا أو ما أخَذَه، ولا يَضمنُ الباقي.

ولو نَوى بعدَ قَبضِ الوَديعةِ الأَخذَ للوَديعةِ جِنايةً ولمْ يَأخذْ لمْ يَضمنْ على الصَّحيحِ المَنصوصِ؛ لأنَّه لمْ يُحدِثْ فِعلًا ولا وَضعَ يدٍ تعدِّيًا، لكنَّه يَأثمُ.

والثانِي: يَضمنُ كما لو نَواه ابتداءً (١).

وقالَ الحَنابِلةُ: إنْ تَعدَّى الوَديعُ في الوَديعةِ كأنْ أخرَجَ النُّقودَ لإِنفاقِها أو أخرَجَها ليَخونَ فيها أو أخرَجَها شَهوةً إلى رُؤيتِها ثُم ردَّها إلى حِرزِها بنيَّةِ الأَمانةِ بطَلَت، وضمِنَ لتَصرِّفِه في مالِ غيرِه بغيرِ إِذنِه، ووجَبَ عليه ردُّها فَورًا لأنَّها أَمانةٌ مَحضةٌ وقد زالَت بالتَّعدِّي، ولا تَعودُ أَمانةً بغيرِ عَقدٍ جَديدٍ، كأنْ ردَّها إلى صاحبِها ثُم ردَّها صاحبُها إليه؛ لأنَّ هذا وَديعةٌ ثانيةٌ.

ولا ضَمانَ على وَديعٍ بنيَّةِ تَعدٍّ في الوَديعةِ، بل لا بدَّ مِنْ قَولٍ أو فَعلٍ؛ لأنَّه لم يَخنْ فيها بقَولٍ ولا فِعلٍ فلمْ يَضمنْها كالذي لمْ يَنوِ.

(١) «النجم الوهاج» (٦/ ٣٦٧، ٣٦٨)، و «كنز الراغبين» (٣/ ٤٥٦، ٤٥٧)، و «مغني المحتاج» (٤/ ١٤٦، ١٤٧)، و «تحفة المحتاج» (٨/ ٣٤٥، ٣٤٦)، و «نهاية المحتاج» (٦/ ١٤٨، ١٤٩)، و «الديباج» (٣/ ١١٩).

ولو أخرَجَها بنِيةِ الإِنفاقِ ولمْ يُنفقْها ضمِنَها؛ لأنَّه تَعدَّى بإِخراجِها أشبَه ما لو أنفَقَها (١).

قالَ الإِمامُ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: مَنْ أودَعَ شَيئًا فأخَذَ بعضَه لزِمَه ضَمانُ ما أخَذَ، فإنْ ردَّه أو مِثلَه لمْ يَزُلِ الضَّمانُ عنه، وبهذا قالَ الشَّافِعيُّ.

وقالَ مالكٌ: لا ضَمانَ عليه إذا ردَّه أو مِثلَه.

وقالَ أَصحابُ الرَّأيِ: إنْ لمْ يُنفقْ ما أخَذَه وردَّ لمْ يَضمنْ، وإنْ أنفَقَه ثُم ردَّه أو مِثلَه ضمِنَ.

ولنا: أنَّ الضَّمانَ تعلَّقَ بذمَّتِه بالأَخذِ، بدَليلِ أنَّه لو تلِفَ في يدِه قبلَ ردِّه ضمِنَه، فلا يَزولُ إلا بردِّه إلى صاحبِه كالمَغصوبِ، فأما سائِرُ الوَديعةِ فيُنظرُ فيه، فإنْ كانَ في كِيسٍ مَختومٍ أو مَشدودٍ فكُسرَ الخَتمُ أو حُلَّ الشَّدُّ ضمِنَ، سَواءٌ أُخرجَ منه أو لمْ يُخرَجْ؛ لأنَّه هتَكَ الحِرزَ بفِعلٍ تَعدَّى به، وإنْ خرَقَ الكِيسَ فوقَ الشَّدِّ فعليه ضَمانُ ما خرَقَ خاصَّةً؛ لأنَّه ما هتَكَ الحِرزَ، وإنْ لمْ تكُنِ الدَّراهمُ في كِيسٍ أو كانَت في كيسٍ غيرِ مَشدودٍ أو كانَت ثِيابًا فأخَذَ منها واحدًا ثُم ردَّه بعَينِه لمْ يَضمنْ غيرَه؛ لأنَّه لمْ يَتعدَّ في غيرِه، وإنْ ردَّ بَدلَه وكانَ مُتميزًا لمْ يَضمنْ غيرَه لذلك، وإنْ لمْ يَكنْ مُتميِّزًا فظاهِرُ كَلامِ الخِرقيِّ هاهنا أنَّه لا يَضمنُ غيرَه؛ لأنَّ التَّعدِّيَ اختصَّ به فيَختصُّ الضَّمانُ به، وخَلْطُ

(١) «المغني» (٦/ ٣٠٨)، و «كشاف القناع» (٤/ ٢١٤)، و «شرح منتهى الإرادات» (٤/ ٢٤٣، ٢٤٥)، و «مطالب أولي النهى» (٤/ ١٦٠)، و «منار السبيل» (٢/ ٢٨٠).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب الوديعة
مسألة:

السلام - لِرَدِّهَا عَلَى أَهْلِهَا، وَلِأَنَّ بِالنَّاسِ إِلَى التَّعَاوُنِ بِهَا حَاجَةً مَاسَّةً وَضَرُورَةً دَاعِيَةً لِعَوَارِضِ الزَّمَانِ الْمَانِعَةِ مِنَ الْقِيَامِ عَلَى الْأَمْوَالِ، فَلَوْ تَمَانَعَ النَّاسُ فِيهَا لَاسْتَضَرُّوا وَتَقَاطَعُوا.

فَصْلٌ:

فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ ذَلِكَ مِنَ التَّعَاوُنِ الْمَأْمُورِ بِهِ لَمْ يَخْلُ حَالُ مَنِ اسْتَوْدَعَ وَدِيعَةً مِنْ ثَلَاثِ أَحْوَالٍ:

أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يَعْجِزُ عَنْهَا، وَلَا يَثِقُ بِأَمَانَتِهِ نَفْسِهِ فِيهَا، فَهَذَا لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَقْبَلَهَا.

وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ أَمِينًا عَلَيْهَا قَادِرًا عَلَى الْقِيَامِ بِهَا وَلَيْسَ غَيْرُهُ مِمَّنْ يَقُومُ بِهَا فَهَذَا مِمَّنْ قَدْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ قَبُولُهَا، وَلَزِمَهُ اسْتِيدَاعُهَا، كَمَا تُعَيَّنُ الشَّهَادَةُ عَلَى الشَّاهِدِ إِذَا لَمْ يُوجَدْ مَنْ يَتَحَمَّلُهَا سِوَاهُ، وَكَمَا يَلْزَمُ الْإِنْسَانَ خَلَاصُ نَفْسٍ يَقْدِرُ عَلَى إِحْيَائِهَا إِذَا لَمْ يُوجَدْ غَيْرُهُ، لِأَنَّ حُرْمَةَ الْمَالِ كَحُرْمَةِ النَّفْسِ.

وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَكُونَ أَمِينًا عَلَيْهَا، وَقَادِرًا عَلَى حِفْظِهَا، وَقَدْ يُوجَدُ غَيْرُهُ مِنَ الْأُمَنَاءِ عَلَيْهَا، فَهَذَا مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ.

فَصْلٌ:

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الوديعة
فصل في بيان ما يغير حال الوديعة من الأمانة إلى الضمان

الْمُودَعَ بَعْدَ الصُّلْحِ، وَإِنْ لَمْ يَصْطَلِحَا وَادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّ الْأَلْفَ لَهُ، لَا يَدْفَعُ إلَى أَحَدِهِمَا شَيْئًا؛ لِجَهَالَةِ الْمُقِرِّ لَهُ الْوَدِيعَةِ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَسْتَحْلِفَ الْمُودَعَ فَإِنْ اسْتَحْلَفَهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، فَالْأَمْرُ لَا يَخْلُو، إمَّا أَنْ يَحْلِفَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَإِمَّا أَنْ يَنْكُلَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَإِمَّا أَنْ يَحْلِفَ لِأَحَدِهِمَا وَيَنْكُلَ لِلْآخَرِ، فَإِنْ حَلَفَ لَهُمَا فَقَدْ انْقَطَعَتْ خُصُومَتُهُمَا لِلْحَالِ إلَى وَقْتِ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ، كَمَا فِي سَائِرِ الْأَحْكَامِ، وَهَلْ يَمْلِكَانِ الِاصْطِلَاحَ عَلَى أَخْذِ الْأَلْفِ بَيْنَهُمَا بَعْدَ الِاسْتِحْلَافِ، فَهُوَ عَلَى الِاخْتِلَافِ، وَالْمَعْرُوفُ بَيْنَ، أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَبِي يُوسُفَ، وَبَيْنَ مُحَمَّدٍ، عَلَى قَوْلِهِمَا لَا يَمْلِكَانِ وَعَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ يَمْلِكَانِ وَهِيَ مَسْأَلَةُ الصُّلْحِ بَعْدَ الْحَلِفِ، وَقَدْ مَرَّتْ فِي كِتَابِ الصُّلْحِ.

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الوديعة
١٠٧٤ - مسألة؛ قال: (ومن أودع شيئا، فأخذ بعضه، ثم رده أو مثله، فضاع الكل، لزمه مقدار ما أخذ

وهو العِلْمُ بعَيْنِ المالكِ، فكَفَاه يمينٌ واحدةٌ، كما لو ادَّعَياها فأقَرَّ بها لأحَدِهِما، ويُفارِقُ ما إذا أَنْكَرَهَا ؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما يَدَّعِى عليه أنَّها له، فهما دَعْوَيانِ، فإنَّ حَلَفَ أُقْرِعَ بينهما، فمن قَرَعَ صاحِبَه حَلَفَ، وسُلِّمَتْ إليه. وقال الشَّافعىُّ: يَتَحالفانِ، ويُوقَف الشىءُ بينَهما حتَّى يَصْطَلِحَا. وهو قولُ ابنِ أبى لَيْلَى؛ لأنَّه لا يَعْلَمُ المالِكَ منهما. وللشَّافِعىِّ قولٌ آخرُ، أنَّها تُقْسَمُ بيهما، كما لو أَقَرَّ بها لهما. وهذا الذى حَكاه ابنُ المُنْذِرِ عن ابنِ أبِى لَيْلَى، وهو قولُ أبى حنيفةَ وصاحِبَيْه فيما حُكِىَ عنهم، قالوا: ويَضْمَنُ المُسْتَوْدَعُ نِصْفَها لكلِّ واحدٍ منهما؛ لأنَّه فَوَّتَ ما اسْتُودِعَ بجَهْلِه. ولَنا، أنَّهما تَساوَيا فى الحَقِّ فيما ليس بأَيْديِهما ، فوَجَبَ أن يُقْرَعَ بينهما، كالعَبْدَيْنِ إذا أعْتَقَهُما فى مَرَضِه فلم يَخْرُجْ من الثُّلُثِ إلَّا أحَدُهما، أو كما لو أرادَ السَّفَرَ بإحْدَى نِسائِه. وقولُ أبى حنيفةَ ليس بصَحِيحٍ؛ فإنَّ العَيْنَ لم تَتْلَفْ، ولو تَلِفَتْ بغيرِ تَفْريطٍ منه فلا ضَمانَ عليه، ليس فى جَهْلِه تَفْرِيطٌ، إذ ليس فى وُسْعِه أن لا يَنْسَى ولا يَجْهَلَ.

١٠٧٤ - مسألة؛ قال: (وَمَنْ أُودِعَ شيْئًا، فَأَخَذَ بَعْضَهُ، ثُمَّ رَدَّهُ أو مِثْلَهُ، فَضَاعَ الْكُلُّ، لَزِمَهُ مِقْدَارُ ما أَخَذَ)

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 64 - 68

ارجع إلى ما يجوز للمودع أن يفعله وما لا يجوز للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.1 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
سبحان الله وبحمده