الإسلام > الأوقاف والملكية > ما يجوز للمودع أن يفعله وما لا يجوز
مسائلُ فقهيةٌ في ما يجوز للمودع أن يفعله وما لا يجوز على المذاهبِ الأربعةِ (الحنفيِّ، والمالكيِّ، والشافعيِّ، والحنبليِّ)، من موسوعةِ الفقهِ الإسلاميِّ.
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 12 دقيقة قراءةفصل في ما يَجوزُ للمُودَعِ أنْ يَفعلَه وما لا يَجوزُ
استِعمالُ الوَديعةِ:
استِعمالُ المُودَعِ للوَديعةِ لا يَخلو مِنْ حالتَينِ:
الحالَةُ الأُولى: ألَّا يَأذنَ له المالِكُ باستِعمالِها:
أجمَعَ أَهلُ العِلمِ على أنَّ المُودَعَ مَمنوعٌ مِنْ استِعمالِ الوَديعةِ لغيرِ عُذرٍ.
قالَ الإِمامُ ابنُ المُنذرِ رحمة الله عليه: وأجمَعُوا على أنَّ المُودَعَ مَمنوعٌ مِنْ استِعمالِ الوَديعةِ خَوفًا مِنْ إِتلافِها (١)، هكذا في كِتابِه «الإِجماع»، والأَصحُّ -واللهُ أعلَمُ- ما في «الإِشراف» وهو قَولُه: أجمَعُ أَهلُ العِلمِ على أنَّ المُودَعَ مَمنوعٌ مِنْ استِعمالِ الوَديعةِ ومِن إِتلافِها (٢).
وذلك لأنَّ بعضَ الفُقهاءِ كالشافِعيةِ والحَنابِلةِ ذكروا أنَّه لو استَعملَها لعُذرٍ بأنْ لبِسَ الثَّوبَ المُودَعَ لدَفعِ العثِّ عنه أو ركِبَ الدَّابةَ الجَموحَ مِنْ أَجلِ سَقيِها أو عَلفِها إذا لمْ تَنقدْ إلا بالرُّكوبِ فليسَ بخائِنٍ ولا ضَمانَ عليه (٣).
(١) «الإجماع» (٥٦٥).
(٢) «الإشراف» (٦/ ٣٣٦).
(٣) «مغني المحتاج» (٤/ ١٤٦، ١٤٧)، و «تحفة المحتاج» (٨/ ٣٤٥، ٣٤٦)، و «الديباج» (٣/ ١١٩)، و «كشاف القناع» (٤/ ٢١٤)، و «شرح منتهى الإرادات» (٤/ ٢٤٣، ٢٤٥)، و «مطالب أولي النهى» (٤/ ١٦٠)، و «منار السبيل» (٢/ ٢٨٠).
فإذا استَعملَ المُودَعُ الوَديعةَ بغيرِ إِذنِ صاحِبِها فتلِفَت فلا خِلافَ بينَ الفُقهاءِ على أنَّه ضامِنٌ لها؛ لأنَّه مُتعدٍّ بذلك.
إلا أنَّهم اختلَفُوا فيما لو استَعملَها ثُم ردَّها إلى مَوضعِها ثُم تلِفَت بعدَ ذلك هل عليه ضَمانُها أم لا؟ وهل عليه أُجرةُ المُدةِ التي استَعملَها فيها أم لا؟
فذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ إلى أنَّه إذا تَعدَّى واستَعملَ الوَديعةَ ثُم ردَّها سالمَةً إلى مَكانِها ثُم تلِفَت بعدَ ذلك، فإنَّه لا ضَمانَ عليه.
قالَ الحَنفيةُ: إذا تَعدَّى المُودَعُ في الوَديعةِ بأنْ كانَت دابَّةً فركِبَها أو ثَوبًا فلبِسَه أو عَبدًا فاستَخدمَه أو أودَعَها غيرَه ضمِنَ؛ لأنَّه استِهلاكُ مَعنى، فإذا أزالَ التَّعدِّي فردَّها سالمَةً إلى يدِه ثُم ضاعَت بعدَ العَودِ إلى يدِه لمْ يَضمنْ، وزالَ الضَّمانُ لأنَّ الأَمرَ باقٍ لإِطلاقِه، وارتِفاعُ حُكمِ العَقدِ ضَرورةُ ثُبوتِ نَقيضِه، فإذا ارتَفعَ عادَ حُكمُ العَقدِ، ولأنَّه مَأمورٌ بالحِفظِ في كلِّ الأَوقاتِ، فإذا خالَفَ في البعضِ ثُم رجَعَ أَتى بالمَأمورِ به، كما إذا استَأجرَه للحِفظِ شَهرًا فترَكَ الحِفظَ في بعضِه ثُم حفِظَ في الباقي استَحقَّ الأُجرةَ بقدرِه.
لكنْ يَزولُ الضَّمانُ عنه بشَرطِ أنَّه لا يَعزمُ على العَودِ إلى التَّعدي، حتى لو نزَعَ ثَوبَ الوَديعةِ ليلًا ومِن عَزمِه أنْ يَلبسَه نَهارًا ثُم سُرقَ لَيلًا لا يَبرأُ عن الضَّمانِ.
وهذا إذا كانَ الرُّكوبُ والاستِخدامُ واللُّبسُ لمْ يَنقصْها أما إذا نقَصَها ضمِنَها.
فالحاصِلُ أنَّ المُودَعَ إذا خالَفَ في الوَديعةِ ثُم عادَ إلى الوِفاقِ إنما يَبرأُ عن الضَّمانِ إذا صدَّقَه المالِكُ في العَودِ، وإن كذَّبَه لا يَبرأُ، إلا أنْ يُقيمَ البَينةَ على العَودِ إلى الوِفاقِ.
وقيلَ: إنَّه إذا خالَفَ ثُم عادَ إلى الوِفاقِ وكذَّبَه المُودِعُ فالقَولُ قَولُ المُودَعِ (١).
وقالَ المالِكيةُ: يَضمنُ المُودَعُ إذا انتفَعَ بالوَديعةِ بلا إِذنٍ مِنْ ربِّها، إذا تلِفَت أو تعيَّبَت بسَببِ ذلك كرُكوبِ الدَّابةِ واستِخدامِ العَبدِ ولُبسِ الثَّوبِ.
واختُلِفَ فيما إذا هلَكَ في استِعمالِه بأَمرٍ مِنْ اللهِ تَعالى، فقالَ سحنُونٌ: يَضمنُ؛ لأنَّه كالغاصِبِ، وقالَ ابنُ القاسِمِ: لا يَضمنُ بِناءً على أنَّ الغالِبَ فيما تَعطبُ بمثلِه السَّلامةُ، كما لو أَرسلَ العَبدَ أو ركِبَ الدَّابةَ لنحوِ السُّوقِ فماتَ مِنْ اللهِ.
إلا أنْ تُردَّ الوَديعةُ بعدَ الانتِفاعِ بها سالمةً لمَوضعِ إِيداعِها، ثُم تلِفَت أو ضاعَت بعدَ ذلك بلا تَفريطٍ، فلا يَضمنُ لعَدمِ سَببِ الضَّمانِ، والقَولُ له في
(١) «الهداية» (٣/ ٢١٦)، و «العناية شرح الهداية» (١٢/ ٢١٧)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ١٥٦، ١٥٧)، و «البحر الرائق» (٧/ ٢٧٧)، و «الأشباه والنظائر» (٥١)، و «مختصر الوقاية» (٢/ ١٣٣)، و «اللباب» (١/ ٦٤٦)، و «مجمع الأنهر» (٣/ ٤٧٢)، و «الفتاوى الهندية» (٤/ ٣٤٨).
ردِّها سالِمةً لمَحلِّ إِيداعِها إذا خالفَه ربُّها في ذلك، وهذا إنْ أقرَّ بالفِعلِ: أي بأنَّه انتفعَ بها لا إنْ أنكَرَ ذلك وشُهِدَ عليه به فادَّعى رُجوعَها سالِمةً لمَحلِّ إِيداعِها، فلا يُقبلُ قَولُه ويَضمنُ.
وإذا رُدَّت سالِمةً بعدَ انتِفاعِه بها فعليه الأُجرةُ لمُدةِ الانتِفاعِ بها إذا كانَ ربُّها يَليقُ به ذلك بأنْ كانَ يَأخذُ الأُجرةَ، وإلا فلا أُجرةَ (١).
وذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ المُودَعَ إذا استَعملَ الوَديعةَ أو أخرَجَها ليَستعملَها وإنْ لمْ يَستعملْها بالفِعلِ فإنَّه ضامِنٌ لها، حتى لو سُلمَت وأعادَها إلى مَكانِها ثُم تلِفَت فلا يَبرأُ مِنْ الضَّمانِ لتَعدِّيه، ويَجبُ عليه أنْ يَردَّها لصاحِبِها فَورًا، ويَجبُ عليه أُجرةُ مِثلِها في مُدةِ الانتِفاعِ.
قالَ الشافِعيةُ: مِنْ عَوارضِ الضَّمانِ أنْ يَنتفعَ بالوَديعةِ بأنْ يَلبسَ الثَّوبَ مَثلًا أو يَركبَ الدَّابةَ خِيانةً -أي لغيرِ ما أُذنَ له فيه- فيَضمنُ لتَعدِّيه بخِلافِ نحوِ لُبسِ الصُّوفِ لدَفعِ الدُّودِ أو رُكوبِ الدَّابةِ الجَموحِ للسَّقي أو خَوفِ الزَّمانةِ عليها فإنَّه لا يَضمنُ.
أو يَأخذُ الثَّوبَ المُودَعَ مِنْ مَحلِّه ليَلبسَه أو الدَّراهمَ مِنْ مَحلِّها ليُنفقَها غيرَ ظانٍّ أنَّها مِلكُه، فيَضمنُ بما ذُكرَ وإنْ لمْ يَلبسْ ولمْ يُنفقْ؛ لاقتِرانِ الفِعلِ بنيَّةِ التَّعدِّي، فإنْ تلِفَ المَأخوذُ في يدِه ضمِنَه، فإنْ مَضَت في يدِه مُدةً بعدَ
(١) «شرح مختصر خليل» (٦/ ١٠٩)، و «التاج والإكليل» (٤/ ٢٦٠، ٢٦١)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ١٢٢، ١٢٣)، و «تحبير المختصر» (٤/ ٣٤٤، ٣٤٥)، و «حاشية الصاوي على الشرح الصغير» (٨/ ١٥١، ١٥٢).
التَّعدِّي وجَبَ عليه أُجرةُ مِثلِ تلك المُدةِ وإنْ لمْ يَلبسْ ويُنفقْ؛ لأنَّ العَقدَ لمَّا اقتَرنَ بنِيةِ التَّعدي صارَ كقَبضِ الغاصِبِ.
أما إذا أخَذَها ظانًّا أنَّها مِلكَه فإنَّه لا يَضمنُها إلا إنْ انتَفعَ بها.
ولو أخَذَ بعضَ الدَّراهمِ كدِرهمٍ ضمِنَه فقط ما لمْ يَفضَّ خَتمًا أو يَكسرْ قُفلًا فإنْ ردَّه لمْ يَزُلْ ضَمانُه، حتى لو تلِفَ الكلُّ ضمِنَ دِرهمًا أو ما أخَذَه، ولا يَضمنُ الباقي.
ولو نَوى بعدَ قَبضِ الوَديعةِ الأَخذَ للوَديعةِ خِيانَةً أو نَوى تَعييبَها ولمْ يَأخذْ ولمْ يُعيِّبْ لمْ يَضمنْ على الصَّحيحِ المَنصوصِ؛ لأنَّه لمْ يُحدِثْ فِعلًا ولا وضْعَ يدٍ تَعديًا، لكنَّه يَأثمُ.
والثانِي: يَضمنُ كما لو نَواه ابتداءً (١).
وقالَ الحَنابِلةُ: إنْ تَعدَّى الوَديعُ في الوَديعةِ بانتِفاعِه بها بأنْ ركِبَ الوَديعُ الدَّابةَ المُودَعةَ لغيرِ نَفعِها -أي علَفَها وسقْيَها-، أو لبِسَ الثَّوبَ المُودَعَ لا لخَوفِ عثٍّ ونحوِه، أو أخرَجَها لا لإِصلاحِها كأنْ أخرَجَها لإِنفاقِها، أو أخرَجَها ليَخونَ فيها، أو أخرَجَها شَهوةً إلى رُؤيتِها ثُم ردَّها إلى حِرزِها بنيَّةِ الأَمانةِ بطَلَت وضمِنَ؛ لتَصرُّفِه في مالِ غيرِه بغيرِ إذنِه، ووجَبَ عليه ردُّها فَورًا؛ لأنَّها أَمانةٌ مَحضةٌ وقد زالَت بالتَّعدِّي، ولا تَعودُ أَمانةً بغيرِ عَقدٍ جَديدٍ، كأنْ ردَّها إلى صاحبِها، ثُم ردَّها صاحبُها إليه؛ لأنَّ هذا وَديعةٌ ثانِيةٌ.
(١) «النجم الوهاج» (٦/ ٣٦٧، ٣٦٨)، و «كنز الراغبين» (٣/ ٤٥٦، ٤٥٧)، و «مغني المحتاج» (٤/ ١٤٦، ١٤٧)، و «تحفة المحتاج» (٨/ ٣٤٥، ٣٤٦)، و «نهاية المحتاج» (٦/ ١٤٨، ١٤٩)، و «الديباج» (٣/ ١١٩).
ارجع إلى الأوقاف والملكية للاطلاع على جميع الأبواب.