الإسلام > الأوقاف والملكية > ما يجوز للمودع أن يفعله وما لا يجوز > الحالة الرابعة: أن ينقلها من بلد إلى بلد
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 8 دقيقة قراءةبعدَ ذلك أو سُرقَت أنَّه لا ضَمانَ عليه؛ لأنَّ مَنْ رضِيَ بحِرزٍ رضِيَ بمِثلِه وبأَعلى منه بالأَولى، وسَواءٌ كانَ ذلك لضَرورةٍ أو لغيرِ ضَرورةٍ (١).
وهذا التَّفصيلُ السابِقُ فيما إذا لمْ يَنقلْها إلى بَلدٍ آخرَ، فأما إذا نقَلَها على بلدٍ آخرَ ففيه تَفصيلٌ بَيانُه في الحالَةِ الرابعَةِ.
الحالَةُ الرابِعةُ: أنْ يَنقلَها مِنْ بَلدٍ إلى بَلدٍ:
نصَّ المالِكيةُ والشافِعيةُ على أنَّ المُودِعَ إذا عيَّنَ مَكانًا لحِفظِ الوَديعةِ فنقَلَها المُودَعُ إلى بَلدٍ آخرَ لغيرِ عُذرٍ فتلِفَت أنَّه ضامِنٌ لها.
قالَ ابنُ جُزيٍّ المالِكيِّ رحمة الله عليه: نَقلُ الوَديعةِ: فإنْ نقَلَها مِنْ بَلدٍ إلى بَلدٍ ضمِنَ بخِلافِ نَقلِها مِنْ مَنزلٍ إلى مَنزلٍ (٢).
وقالَ القَرافِيُّ رحمة الله عليه: وأما نَقلُ الوَديعةِ مِنْ بَلدٍ إلى بَلدٍ فليسَ فيه إِذنُ المالِكِ ولا غيرُه، فلا جرَمَ ضمِنَ (٣).
(١) «بدائع الصنائع» (٦/ ٢١٠)، و «الهداية» (٣/ ٢١٨)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ١٦١، ١٦٢)، و «اللباب» (١/ ٦٤٨، ٦٤٩)، و «الاختيار» (٣/ ٣٢)، و «التاج والإكليل» (٤/ ٢٥٧)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ١٢١)، و «القوانين الفقهية» ص (٢٤٦)، و «المهذب» (١/ ٣٥٦)، و «الحاوي الكبير» (٨/ ٣٦٨، ٣٦٩)، و «البيان» (٦/ ٤٧٧)، و «النجم الوهاج» (٦/ ٣٥٦، ٣٥٧)، و «مغني المحتاج» (٤/ ١٣٩، ١٤٠)، و «تحفة المحتاج» (٨/ ٣٢٤، ٣٢٦)، و «نهاية المحتاج» (٦/ ١٣٨، ١٣٩)، و «الديباج» (٣/ ١١٣)، و «المغني» (٦/ ٣٠٤)، و «كشاف القناع» (٤/ ٢٠٥، ٢٠٦)، و «شرح منتهى الإرادات» (٢٣٤، ٢٣٥).
(٢) «القوانين الفقهية» ص (٢٤٦).
(٣) «الذخيرة» (٩/ ١٦٧).
وقالَ الإِمامُ الشافِعيُّ رحمة الله عليه: ولو استَودعَه إيَّاها في قَريةٍ آهِلةٍ فانتَقلَ إلى قَريةٍ غيرِ آهلةٍ أو في عُمرانٍ مِنْ القَريةِ فانتَقلَ إلى خَرابٍ مِنْ القَريةِ وهلَكَت ضمِنَ في الحالَينِ.
ولو استَودعَه إيَّاها في خَرابٍ فانتَقلَ إلى عِمارةٍ أو في خَوفٍ فانتَقلَ إلى مَوضعٍ آمنٍ لمْ يَكنْ ضامِنًا؛ لأنَّه زادَه خَيرًا (١).
أما الحَنفيةُ فقالَ الإِمامُ الكاسانِيُّ رحمة الله عليه: لو قالَ له احفَظِ الوَديعةَ في دارِكَ هذه فحفِظَها في دارٍ له أُخرى، فإنْ كانَت الدارانِ في الحِرزِ سَواءً أو كانَت الثَّانيةُ أَحرزَ لا تَدخلُ في ضَمانِه؛ لأنَّ التَّقييدَ غيرُ مُفيدٍ، وإنْ كانَت الأُولى أَحرزَ مِنْ الثَّانيةِ دخَلَت في ضَمانِه؛ لأنَّ التَّقييدَ به عندَ تَفاوتِ الحِرزِ مُفيدٌ.
وكذلك لو أَمرَه أنْ يَضعَها في دارِه في هذه القَريةِ ونَهاه عن أنْ يَضعَها في دارِه في قَريةٍ أُخرى فهو على هذا التَّفصيلِ (٢)، أي إنْ كانَت مِثلَها في الحِرزِ أو أَحرزَ فلا ضَمانَ عليه، وإنْ كانَت أَقلَّ في الحِرزِ ضمِنَ.
وقالَ الإِمامُ الماوردِيُّ رحمة الله عليه: وجُملةُ ذلك أنَّ له في نَقلِها مِنْ بَلدٍ إلى بَلدٍ، والثانِي: مِنْ دارٍ إلى دارٍ، والثَّالثُ: مِنْ بَيتٍ إلى بَيتٍ، والرَّابعُ: مِنْ صُندوقٍ إلى صُندوقٍ.
(١) «الأم» (٤/ ١٣٦).
(٢) «بدائع الصنائع» (٦/ ٢١٠).
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب الوديعة
باب الاختلاف في المؤلفة
باب الاختلاف في المؤلفة
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: " قَالَ بَعْضُ النَّاسِ لا مؤلفة فيجعل سهمهم وسهم سَبِيلِ اللَّهِ فِي الْكُرَاعِ وَالسِّلَاحِ فِي ثُغُورِ الْمُسْلِمِينَ " .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قَدْ مَضَتْ مَسَائِلُ هَذَا الْبَابِ مَشْرُوحَةً بِدَلَائِلِهَا وَإِنَّمَا أَوْرَدَهُ الشَّافِعِيُّ مَقْصُورًا عَلَى ذِكْرِ الِاخْتِلَافِ فِيهَا وَالِاحْتِجَاجِ عَلَيْهَا فَاقْتَصَرْنَا مِنْهُ عَلَى الْإِشَارَةِ إِلَى تَفْصِيلِ مَا أَوْرَدَهُ، فَمِنْ ذَلِكَ مَسْأَلَتَانِ قَدَّمَهُمَا فِي هَذَا الْفَصْلِ:
إِحْدَاهُمَا: فِي سَهْمِ الْمُؤَلَّفَةِ.
وَالثَّانِيَةُ: فِي سَهْمِ سَبِيلِ اللَّهِ.
فَأَمَّا سَهْمُ الْمُؤَلَّفَةِ فَإِنَّ أبا حنيفة أَسْقَطَهُ وَزَعَمَ أَنْ لَا مُؤَلَّفَةَ لِلِاسْتِغْنَاءِ عَنْهُمْ بِقُوَّةِ الدِّينِ وَإِعْزَازِ الْمُسْلِمِينَ، وَهُوَ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ ثَابِتٌ عَلَى الشَّرْحِ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَثْبَتَ لَهُمْ فِي آيَةِ الصَّدَقَاتِ سَهْمًا فَلَمْ يَجُزْ نَسْخُهُ بَعْدَ انْقِطَاعِ الْوَحْيِ؛ وَلِأَنَّ مَا بَقِيَ لِلْإِسْلَامِ أَعْدَاءٌ يَلْزَمُ جِهَادُهُمْ بَقِيَ مُؤَلَّفَةٌ يُتَآلَفُ قُلُوبُهُمْ كَالْعَصْرِ الْأَوَّلِ.
ارجع إلى ما يجوز للمودع أن يفعله وما لا يجوز للاطلاع على جميع المسائل.