الحالة الثانية: أن يأخذها أو بعضها ثم ينفقها ثم يرد بدلها إلى موضعها ثم تتلف أو تسرق

الإسلام > الأوقاف والملكية > ما يجوز للمودع أن يفعله وما لا يجوز > الحالة الثانية: أن يأخذها أو بعضها ثم ينفقها ثم يرد بدلها إلى موضعها ثم تتلف أو تسرق

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 21 دقيقة قراءة

الحالة الثانية: أن يأخذها أو بعضها ثم ينفقها ثم يرد بدلها إلى موضعها ثم تتلف أو تسرق - الأقوال والأدلة

المَردودِ بغيرِه لا يَقتضي الضَّمانَ؛ لأنَّه يَجبُ ردُّه معَها، فلمْ يُفوِّتْ على نفسِه إِمكانَ ردِّها بخِلافِ ما إذا خلَطَه بغيرِه.

ولو أذِنَ له صاحِبُ الوَديعةِ في الأَخذِ منها ولمْ يَأمرْه بردِّ بَدلِه فأخَذَ ثُم ردَّ بَدلَ ما أخَذَ فهو كردِّ بَدلِ ما لمْ يُؤذنْ في أَخذِه.

وقالَ القاضِي: يَضمنُ الكلَّ، وهو قَولُ الشافِعيُّ؛ لأنَّه خلَطَ الوَديعةَ بما لا يَتميزُ منها فضمِنَ الكلَّ، كما لو خلَطَها بغيرِ البَدلِ، وقد ذكَرْنا فَرقًا بينَ البَدلِ وغيرِه فلا يَصحُّ القِياسُ.

وقالَ أَبو حَنيفةَ: إذا كسَرَ خَتمَ الكِيسِ لمْ يَلزمْه ضَمانُ الوَديعةِ؛ لأنَّه لمْ يَتعدَّ في غيرِه.

ولنا: أنَّه هتَكَ حِرزَها فضمِنَها إذا تلِفَت، كما لو أودَعَه إيَّاها في صُندوقٍ مُقفلٍ ففتَحَه وترَكَه مَفتوحًا، ولا نُسلِّمُ أنَّه لمْ يَتعدَّ في غيرِ الخَتمِ (١).

الحالةُ الثانيةُ: أنْ يَأخذَها أو بَعضَها ثُم يُنفقَها ثُم يَردُّ بَدلَها إلى مَوضعِها ثُم تَتلفُ أو تُسرقُ:

اختَلفَ الفُقهاءُ في المُودَعِ إذا أخَذَ بعضَ دَراهمِ الوَديعةِ فأنفَقَها، هل يَضمنُ الجَميعَ أم المَأخوذَ فقط؟ فهذا لا يَخلو مِنْ حالتَينِ أَيضًا:

الحالةُ الأُولى: أنْ يَردَّ مِثلَها ثُم تَضيعُ أو تُسرقُ:

اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو أخَذَ المُودَعُ بعضَ الدَّراهمِ مِنْ الوَديعةِ وأنفَقَها

(١) «المغني» (٦/ ٣١٠، ٣١١).

ثُم ردَّ مِثلَها إلى مَوضعِها ثُم ضاعَت أو سُرقَت معَ الباقِي، فهل يَضمنُ الجَميعُ أم يَضمنُ ما أخَذَ فقط؟

فذهَبَ المالِكيةُ إلى أنَّه إذا أخَذَ نُقودًا مِنْ الوَديعةِ فأنفَقَها ثُم ردَّها إلى مَكانِها ثُم ضاعَت أو سُرقَت معَ الباقي فلا ضَمانَ عليه، وكذا في كلِّ المِثليَّاتِ، وسَواءٌ أخَذَ ذلك على وَجهِ السَّلفِ أو على غيرِه، وذلك لأنَّ الضَّمانَ يَتعلَّقُ بالإِنفاقِ والأَخذِ، فإذا زالَ ذلك وجَبَ أنْ يَزولَ الضَّمانُ لزَوالِ سَببِه المُوجِبِ له، ولأنَّ الصَّحابةَ كانَت تَتسلَّفُ أَموالَ الأَيتامِ وتُسلِّفَها.

ويُقبلُ قَولُ المُودَعِ بيَمينِه أنَّه ردَّها إلى مَكانِها إذا خالَفَه ربُّها، إلا إذا أذِنَ له ربُّها في تَسلُّفِها بأنْ يَقولَ له: أذِنْت لك في تَسلُّفِها أو التُّسلُّفِ منها، أو يَقولُ له: إنِ احتَجْت فخُذْ، فلا يَبرأُ إلا بردِّ ما أخَذَه لربِّها؛ لأنَّ تَسلُّفَه حينَئذٍ إنما هو مِنْ ربِّها فانتَقَل مِنْ أَمانتِه إلى ذِمتِه فصارَ كسائرِ الدُّيونِ (١).

فقد جاءَ في «المُدوَّنة» تحتَ بابِ: «فيمَن استُودِعَ دَراهمَ أو حِنطةً فأنفَقَها ثُم تلِفَت وقد ردَّ مِثلَ ما أنفَقَ أو لمْ يَردَّ»:

قلْت: أرأَيتَ لو أنِّي استودَعْت عندَ رجلٍ دَراهمَ وحِنطةً فأَنفقَ بعضَ

(١) «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٣/ ١١٠، ١١١)، رقم (٩٦٨)، و «التاج والإكليل» (٤/ ٢٦٣، ٢٦٤)، و «شرح مختصر خليل» (٦/ ١١٠، ١١١)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ١٢٤، ١٢٥)، و «تحبير المختصر» (٤/ ٣٤٦، ٣٤٧)، و «بداية المجتهد» (٢/ ٢٣٤).

الدَّراهمِ أو أكَلَ بعضَ الحِنطةِ، أيَكونُ ضَامنًا لجَميعِ الحِنطةِ وجَميعِ الدَّراهمِ أم لا في قَولِ مالكٍ؟

قالَ: لا يَكونُ ضامنًا إلا لمَا أكَلَ أو لمَا أنفَقَ، وما سِوى ذلك لا يَكونُ ضامنًا له.

قلْتُ: فإنْ ردَّ مِثلَ الحِنطةِ التي أكَلَها في الوَديعةِ ومِثلَ الدَّراهمِ التي أنفَقَها في الوَديعةِ، أيَسقطُ عنه الضَّمانُ أم لا في قَولِ مالكٍ؟

قالَ: قالَ مالكٌ: نَعم يَسقطُ عنه الضَّمانُ في الدَّراهمِ، والحِنطةِ عندي بمَنزلتِها.

قلْتُ: أفيَكونُ القَولُ قَولَه في أنَّه قد ردَّ ذلك في الوَديعةِ؟

قالَ: نَعم، كذلك قالَ مالكٌ.

قلْتُ: ولمَ جعَلَ مالكٌ القَولُ قَولَه؟

قالَ: ألَا تَرى أنَّه لو قالَ: «لمْ آخذْ منها قَليلًا ولا كَثيرًا» أو قالَ: «قد تلِفَت» كانَ القَولُ قَولَه.

قلْتُ: أرأَيتَ إنْ كانَ قد تَسلَّفَ الوَديعةَ كلَّها فردَّ مِثلَها مَكانَها أيَبرأُ مِنْ الضَّمانِ في قَولِ مالكٍ؟

قالَ: نَعم، كذلك قالَ لي مالكٌ في الدَّراهمِ، فالوَدائعُ كلُّها مِثلُ هذا إذا ردَّ مِثلَها إذا كانَ يَقدرُ على مِثلِها مِثلَ الكَيلِ أو الوَزنِ في رَأيي (١).

(١) «المدونة الكبرى» (١٥/ ١٤٧).

وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ في قَولٍ إلى أنَّ المُودَعَ إذا أنفَقَ بعضَ الوَديعةِ ثُم ردَّ مِثلَ ما أنفَقَه فإنْ ردَّه وخلَطَها بالباقِي ولمْ يَتميزْ عنها ثُم تلِفَت ضمِنَ الجَميعَ؛ لأنَّه جُعلَ مُتلِفًا لها بإِنفاقِ بعضِها وخَلطِ مالِها بمالِه؛ لأنَّ المِثلَ الذي دفَعَه هو مالُه، والخَلطُ بمَعنى الاستهلاكِ.

وإنْ ردَّها وتَميزَت عن باقي الدَّراهمِ فلا ضَمانَ عليه فلا ضَمانَ إلا فيما أخَذَه، على التَّفصيلِ التَّالي:

قالَ الحَنفيةُ: إنْ أنفَقَ المُودَعُ بعضَ الوَديعةِ ثُم ردَّ مِثلَ ما أنفَقَه فخلَطَ المَردودَ بالباقِي ثُم هلَكَت ضمِنَ جَميعَ الوَديعةِ؛ لأنَّه جُعلَ مُتلِفًا لها بإِنفاقِ بعضِها، وخَلطِ باقيها بمالِه؛ لأنَّ المِثلَ الذي دفَعَه هو مالُه، والخَلطُ بمَعنى الاستهلاكِ. (١)

وقالَ الشافِعيةُ: إذا أخَذَ دَراهمَ مِنْ الوَديعةِ وردَّ بَدلَه إليها فإنْ لمْ يَتميزْ عنها ضمِنَ الجَميعَ لخَلطِه الوَديعةَ بمالِ نفسِه، وإنِ تميَّزَ عنها فالباقي غيرُ مَضمونٍ عليه، وإنْ تميَّزَ عن بعضِها لمُخالفتِه له بصِفةٍ كسَوادٍ وبَياضٍ وسِكةٍ ضمِنَ ما لا يَتميزُ خاصَّةً، فلو ردَّه بعَينِه إليها لمْ يَضمنْ سِواه مِنْ بَقيةِ الدَّراهمِ وإنْ تلِفَت كلُّها أو لمْ يَتميزْ هو عنها لاختِلاطِه بها؛ لأنَّ هذا الخَلطَ كانَ حاصلًا قبلَ الأَخذِ، وإنْ تلِفَ نِصفُها ضمِنَ نِصفَه -أي نِصفَ الدَّراهمِ

(١) «الهداية» (٣/ ٢١٦)، و «العناية» (١٢/ ٢٦٠)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ١٥٦)، و «اللباب» (١/ ٦٤٦)، و «مجمع الأنهر» (٣/ ٤٧٣).

فقط- هذا كلُّه إذا لمْ يَفضَّ خَتمًا أو قُفلًا على الدَّراهمِ، فإنْ فَضَّه ضمِنَ الجَميعَ بِناءً على أنَّ الفَضَّ يَقتضي الضَّمانَ (١).

وجاءَ في «الأُمّ» للإِمامِ الشافِعيِّ رحمة الله عليه قالَ: وإذا استَودعَ الرَّجلُ الرَّجلَ دَنانيرَ أو دَراهمَ فأخَذَ منها دِينارًا أو دِرهمًا ثُم ردَّ مَكانَه بَدلَه فإنْ كانَ الذي ردَّ مَكانَه يَتميزُ مِنْ دَنانيرِه ودَراهمِه فضاعَت الدَّنانيرُ كلُّها ضمِنَ ما تَسلَّفَ فقط، وإنْ كانَ الذي وُضعَ بَدلًا مما أخَذَ لا يَتميزُ ولا يُعرفُ فتلِفَت الدَّنانيرُ ضمِنَها كلَّها (٢).

وذهَبَ الحَنابِلةُ في قَولٍ إلى أنَّه إنْ أخَذَ مِنْ الوَديعةِ دَراهمَ فأنفَقَها ثُم ردَّها ثُم تلِفَت كلُّ الوَديعةِ أو سُرقَت فلا ضَمانَ عليه إلا في القَدرِ الذي أخَذَه فقط؛ لأنَّه مُتعدٍّ بأَخذِه فلا يَضمنُ غيرَه.

قالَ الإِمامُ ابنُ قُدامةَ: رحمة الله عليه مَسألةٌ: قالَ: (أي الخِرقيُّ): مَنْ أودِعَ شَيئًا فأخَذَ بعضَه ثُم ردَّه أو مثلَه فضاعَ الكلُّ لزِمَه مِقدارُ ما أخَذَ …

وإنْ ردَّ بَدلَه وكانَ مُتميزًا لمْ يَضمنْ غيرَه لذلك، وإنْ لمْ يَكنْ مُتميزًا فظاهرُ كَلامِ الخِرقيِّ هاهنا أنَّه لا يَضمنُ غيرَه؛ لأنَّ التَّعدِّي اختصَّ به فيَختصُّ الضَّمانُ به، وخَلطُ المَردودِ بغيرِه لا يَقتضي الضَّمانَ؛ لأنَّه يَجبُ ردُّه معَها فلمْ يُفوِّتْ على نَفسِه إِمكانَ ردِّها بخِلافِ ما إذا خلَطَه بغيرِه.

(١) «أسنى المطالب» (٣/ ٨٠)، و «مغني المحتاج» (٤/ ١٤٧).
(٢) «الأم» (٤/ ١٣٧).

وقالَ القاضِي: يَضمنُ الكلَّ، وهو قَولُ الشافِعيِّ؛ لأنَّه خلَطَ الوَديعةَ بما لا يَتميزُ منها فضمِنَ الكلَّ كما لو خلَطَها بغيرِ البَدلِ، وقد ذكَرْنا فَرقًا بينَ البَدلِ وغيرِه فلا يَصحُّ القِياسُ (١).

وقالَ الزَّركشيُّ: قالَ (أي الخِرقيُّ): ومَن أُودِعَ شَيئًا فأخَذَ بعضَه ثُم ردَّه أو مثلَه فضاعَ الكلُّ، لزِمَه مِقدارُ ما أخَذَ.

ش: إذا أودَعَ إِنسانٌ إِنسانًا شَيئًا، فأخَذَ بعضَه ثُم ردَّه، فضاعَ الجَميعُ أو تلِفَ لزِمَه مِقدارُ ما أخَذَ فقط؛ لأنَّه القَدرُ الذي تَعدَّى فيه، هذا هو المَشهورُ مِنْ الرِّوايتينِ، حتى إنَّ القاضِي في تَعليقِه وأبا البَركاتِ وأبا مُحمدٍ في «الكافِي» و «المُغني» لم يَذكُروا غيرَها.

(والرِّوايةُ الثانِيةُ): يَضمنُ الجَميعَ، حَكاها صاحِبُ التَّلخيصِ وغيرُه؛ لأنَّها وَديعةٌ قد تَعدى فيها فضمِنَها، كما لو أخَذَ الجَميعَ، انتهى.

وإنْ لمْ يَردَّ ما أخَذَ بل ردَّ بَدلَه، فللأَصحابِ في ذلك طُرقٌ:

(إِحداها): أنَّه لا يَلزمُه إلا مِقدارُ ما أخَذَ، سَواءٌ كانَ البَدلُ مُتميزًا أو غيرَ مُتميزٍ، وهذا مُقتضى كَلامُ الخِرقيِّ، وبه قطَعَ القاضِي في التَّعليقِ، وذكَرَ نصَّ أَحمدَ على ذلك مِنْ رِوايةِ الجَماعةِ، وحَكي عنه مِنْ رِوايةِ الأَثرمِ أنَّه أنكَرَ القَولَ بتَضمينِ الجَميعِ، وأنَّه قالَ: إنَّه قَولُ سُوءٍ، وذلك لأنَّ الضَّمانَ مَنوطٌ بالتَّعدِّي، والتَّعدِّي إنما حصَلَ في المَأخوذِ، فيَختصُّ الضَّمانُ به.

(١) «المغني» (٦/ ٣١٠، ٣١١).

(الطَّريقةُ الثانِيةُ): أنَّه إنْ تَميزَ البَدلُ ضمِنَ قَدرَ ما أخَذَ فقط، وإنْ لمْ يَتميزْ فعلى رِوايتينِ، وهذه طَريقةُ أَبي مُحمدٍ في «المُغني» و «الكافِي» وأَبي البَركاتِ.

(الطَّريقةُ الثالِثةُ): أنَّ المَسألةَ على رِوايتينِ فيهما، وهي ظاهِرُ كَلامِ أَبي الخَطابِ في «الهِدايةِ».

(الطَّريقةُ الرَّابعةُ): أنَّه إنْ تَميزَ البَدلُ فعلى رِوايتينِ، وإنْ لمْ يَتميزْ ضمِنَ الجَميعَ رِوايةً واحدةً، قالَها صاحِبُ التَّلخيصِ، ويَقربُ مِنْ هذه الطَّريقةِ قَولُ أَبي مُحمدٍ في «المُقنع» وكلامُ القاضِي على ما حَكى عنه أَبو مُحمدٍ في «المُغني» ومَنبى هذه الطَّريقةِ على أنَّ المَردودَ باقٍ على مِلكِه، فقد خلَطَ مِلكَه بالوَديعةِ، فيَجري فيه ما تَقدَّمَ، وقد فرَّقَ أَبو مُحمدٍ بأنَّ المَردودَ يَجبُ ردُّه معَ الوَديعةِ، فلمْ يُفوِّتْ على نَفسِه إِمكانَ الردِّ بخِلافِ ثَمَّ، فإنَّه فوَّتَ على نَفسِه إِمكانَ ردِّ الوَديعةِ، وقد يُقالُ: مُسلَّمٌ أنَّه يَجبُ عليه الردُّ، لكنْ لا يَجبُ عليه ردُّ هذا المَخلوطِ بعَينِه، فهو باقٍ على مِلكِه، فإذا خلَطَه بالوَديعةِ ولمْ يَتميزْ فقد فوَّتَ على نَفسِه إِمكانَ ردِّ باقِيها، وبالجُملةِ هذه الطَّريقةُ وإنْ كانتَ حَسنةً لكنَّها مُخالفةٌ لنُصوصِ أَحمدَ، وقد يُقالُ: إنَّ نُصوصَه هنا مُقوِّيةٌ لرِوايةِ البَغويِّ.

واعلمْ أنَّ شَرطَ هذه المَسألةِ عندَ أَبي مُحمدٍ وأَبي البَركاتِ أنْ تَكونَ الدَّراهمُ ونحوُها غيرَ مَختومةٍ ولا مَشدودةٍ، أما إنْ كانَت مَختومةً أو مَشدودةً فحَلَّ الشَدَّ، أو فَكَّ الخَتمَ، فإنَّه يَضمنُ الجَميعَ بلا نِزاعٍ لتَهتكِ

الحِرزِ، وهذا الصَّحيحُ عندَ القاضِي، وقالَ: إنَّه قِياسُ قَولِ الأَصحابِ فيما إذا فتَحَ قَفصًا عن طائِرٍ فطارَ، ولمْ يُذكرْ عن أَحمدَ بذلك نصًّا، ونقَلَ مُهنَّا عن أَحمدَ ما يَقتضي أنَّه لا يَضمنُ إلا ما أخَذَ، فقالَ في رَجلٍ استودَعَ رَجلًا عَشرةَ دَنانيرَ في صُرةٍ فأخَذَ منها المُستودَعُ دِينارًا فأنفَذَه ثُم ردَّ مَكانَه دِينارًا فضاعَت العَشرةُ، يَغرمُ الدِّينارَ وليسَ عليه التِّسعةُ، وفي «التَّلخيص» أَيضًا أنَّ البَغويَّ رَوى عن أَحمدَ ما يَدلُّ على ذلك، ويَنبني على ذلك لو خرَقَ الكِيسَ فإنْ كانَ مِنْ فوقِ الشَّدِّ لمْ يَضمنْ إلا أَرشَ الخَرقِ فقط، وإنْ كانَ مِنْ تحتِ الشَّدِّ ضمِنَ الجَميعَ، على المَشهورِ عندَ الأَصحابِ.

وقُوةُ كَلامِ الخِرقيِّ تَقتضي أنَّه لا يَضمنُ بمُجرَّدِ نِيةِ التَّعدِّي، وهو المَذهبُ المَجزومُ به، لرَفعِ المُؤاخذَةِ عن ذلك ما لمْ يَتكلَّمْ أو يَعملْ، ولهذا لو أخرَجَه إلى السُّوقِ بنِيةِ الإِنفاقِ ثُم ردَّها ضمِنَها على أَصحِّ الوَجهينِ؛ لوُجودِ العَملِ، قالَ القاضِي: وقد قيلَ: إنَّه يَضمنُ بالنِّيةِ؛ لاقتِرانِها بالإِمساكِ وهو فِعلٌ، وقد يَنبني هذا الوَجهُ على أنَّ الذي لا يُؤاخذُ به هو الهَمُّ، أما العَزمُ فيُؤاخذُ به على أَحدِ القَولينِ، واللهُ أَعلمُ (١).

وقالَ الإِمامُ ابنُ هُبيرةَ رحمة الله عليه: واختلَفُوا فيما إذا أخرَجَ المُودَعُ مِنْ الوَديعةِ شَيئًا على نِيةِ الجِنايةِ فأنفَقَه، ثُم إنَّه ثابَ إليه إِيمانُه فأَعادَ مِثلَه ثُم تلِفَت الوَديعةُ.

(١) «شرح الزركشي» (٢/ ٣٠٠، ٣٠٢).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بداية المجتهد ونهاية المقتصد · ابن رشد الحفيد · كتاب اللقطة
الجملة الثانية في أحكام اللقطة

والثَّانِي: لَا يَرْفَعُ لُقَطَتَهَا إِلَّا منْشِدٌ، فَالْمَعْنَى الْوَاحِدُ أَنَّهَا لَا تُرْفَعُ إِلَّا لِمَنْ يُنْشِدُهَا، وَالْمَعْنَى الثَّانِي لَا يَلْتَقِطُهَا إِلَّا مَنْ يُنْشِدُهَا لِيُعَرِّفَ النَّاسَ. وَقَالَ مَالِكٌ: تُعَرَّفُ هَاتَانِ اللُّقَطَتَانِ أَبَدًا

فَأَمَّا الْمُلْتَقِطُ فَهُوَ كُلُّ حُرٍّ مُسْلِمٍ بَالِغٍ لِأَنَّهَا وِلَايَةٌ، وَاخْتُلِفَ عَنِ الشَّافِعِيِّ فِي جَوَازِ الْتِقَاطِ الْكَافِرِ. قَالَ أَبُو حَامِدٍ: وَالْأَصَحُّ جَوَازُ ذَلِكَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، قَالَ: وَفِي أَهْلِيَّةِ الْعَبْدِ وَالْفَاسِقِ لَهُ قَوْلَانِ: فَوَجْهُ الْمَنْعِ عَدَمُ أَهْلِيَّةِ الْوِلَايَةِ، وَوَجْهُ الْجَوَازِ عُمُومُ أَحَادِيثِ اللُّقَطَةِ.

وَأَمَّا اللُّقَطَةُ بِالْجُمْلَةِ: فَإِنَّهَا كُلُّ مَالٍ لِمُسْلِمٍ مُعَرَّضٍ لِلضَّيَاعِ كَانَ ذَلِكَ فِي عَامِرِ الْأَرْضِ أَوْ غَامِرِهَا، وَالْجَمَادُ وَالْحَيَوَانُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ إِلَّا الْإِبِلَ بِاتِّفَاقٍ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 69 - 76

ارجع إلى ما يجوز للمودع أن يفعله وما لا يجوز للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
اللهم صل على محمد