الإسلام > الأوقاف والملكية > ما يجوز للمودع أن يفعله وما لا يجوز > التجارة بالوديعة
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 30 دقيقة قراءة(والرِّوايةُ الثانِيةُ): يَضمنُ الجَميعَ، حَكاها صاحِبُ «التَّلخيصِ» وغيرُه؛ لأنَّها وَديعةٌ قد تَعدَّى فيها فضمِنَها، كما لو أخَذَ الجَميعَ انتهى (١).
فإذا كانَ يَضمنُ معَ أنَّه ردَّ ما أَخذَه فمِن بابِ أَولى إذا لمْ يَردَّ ما أَخذَه ثُم تلِفَ باقي الوَديعةِ فإنَّه يَضمنُ الجَميعَ.
التِّجارةُ بالوَديعةِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في المُودَعِ يَكونُ عندَه وَديعةً مِنْ النُّقودِ فيَأخذُها ويُتاجرُ بها، هل يَجوزُ له ذلك أم لا؟ بعدَ اتِّفاقِهم على أنَّه إذا أخَذَ مالَ الوَديعةِ وتاجَرَ به أنَّه ضامِنٌ لهذا المالِ؛ لأنَّه مُتعدٍّ فيها بغيرِ إِذنِ صاحبِها فيَضمنُ.
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه لا يَجوزُ له أنْ يَأخذَ مالَ الوَديعةِ ويُتاجرُ به؛ لأنَّه أَمانةٌ عندَه (٢).
وأما المالِكيةُ فعندَهم قَولانِ:
أَحدُهما: أنَّه تَحرمُ التِّجارةُ بالوَديعةِ بغيرِ إِذنِ ربِّها مُطلقًا.
والثانِي: يُكرَه التِّجارةُ بالوَديعةِ بغيرِ إِذنِ ربِّها إذا كانَ المُودَعُ مَليئًا وكانَت مِنْ المِثلياتِ كالنُّقودِ، وأما إنْ كانَ المُودَعُ مُعدمًا أو كانَت مِنْ المُقوَّماتِ فتَحرمُ التِّجارةُ بها بغيرِ إِذنِ ربِّها، سَواءٌ كانَ المُودَعُ مَليئًا أو مُعدمًا.
(١) «شرح الزركشي» (٢/ ٣٠٠، ٣٠١).
(٢) «الحاوي الكبير» (٥/ ٣٦١).
وعلى كلا القَولَينِ يَكونُ الرِّبحُ الحاصِلُ مِنْ التِّجارةِ بعدَ البَيعِ للمُودَعِ؛ لأنَّه ضامِنٌ للمالِ حتى يُؤدِّيه إلى صاحبِه، ولأنَّه إذا ردَّ المالَ فقد طابَ له الرِّبحُ وليسَ عليه أنْ يَتصدَّقَ به.
قالَ الحَطابُ: ونصُّ «المُدوَّنة»: ومَن أودَعْته مالًا فاتَّجرَ به فالرِّبحُ له، وليسَ عليه أنْ يَتصدَّقَ بالرِّبحِ، ويُكرَه التِّجارةُ بالوَديعةِ.
قالَ أَبو الحَسنِ الصَّغيرُ: وكذلك الوَصيُّ يَتجرَ بمالِ الأَيتامِ أنَّ الرِّبحَ له، بخِلافِ المُبضِعِ معَه والمُقارِضِ.
قالَ عَبدُ الحَقِّ: الفَرقُ بينَهما أنَّ المُبضِعَ معَه والمُقارِضَ إنما دفَعَ المالَ إليهما على طَلبِ الفَضلِ فيه فليسَ لهما أنْ يَجعلا ذلك لأنفسِهما دونَ ربِّ المالِ، والمُودَعُ لمْ يَدخلْ على طَلبِ الفَضلِ وإنما أرادَ حِفظَها له، فله أَصلُ المالِ دونَ الرِّبحِ، صحَّ مِنْ «النُّكت» الشَّيخُ، والوَصيُّ أَيضًا إنما عليه حِفظُ مالِ اليَتيمِ انتهى.
وفي «المُدوَّنة» ومَن أبضَعَ معه ببِضاعةٍ يَشتري بها شَيئًا اتَّجرَ فيها فإنْ تلِفَت ضمِنَ وإنْ ربِحَ فالرِّبحُ للمالِكِ، بخِلافِ الوَديعةِ؛ لأنَّ المُبضِعَ طلَبَ الرِّبحَ، فليسَ للمُبضِعِ معَه قَطعُه عنه ونَقلُه إلى مِلكِه، فإنْ تلِفَ المالُ ضمِنَ بتَعدِّيه، والمُودِعُ إنما قصَدَ الحِفظَ فقط، فلمْ يَكنْ له مِنْ الرِّبحِ شيءٌ. انتهى.
وفي أَولِ كِتابِ القِراضَ مِنْ «المُنتقى» ما نصُّه: ولمْ يَختلفْ أَصحابُنا أنَّ المُبضِعَ معَه المالُ يَبتاعُ به لنَفسِه أنَّ صاحِبَ المالِ مُخيَّرٌ بينَ أنْ يَأخذَ ما
ابتاعَ به لنَفسِه أو يُضمِّنه رَأسَ المالِ؛ لأنَّه إنما دفَعَ إليه المالَ على النِّيابةِ عنه في عَرضِه وابتِياعِ ما أمَرَه به، فكانَ أَحقَّ بما ابتاعَه.
وهذا إذا ظفَرَ بالأَمرِ قبلَ بَيعِ ما ابتاعَه، فإنْ فاتَ ما ابتاعَه به فإنَّ رِبحَه لربِّ المالِ، وخِسارَتَه على المُبضِعِ معَه انتهى (١).
وقد اختَلفَ الفُقهاءُ في الرِّبحِ الحاصِلِ مِنْ التِّجارةِ، هل يَطيبُ للمُودَعِ أم لا؟ أم يَقتسمانِه؟ أم يَجبُ التَّصدُّقُ به؟ أم يَكونُ الرِّبحُ لبَيتِ المالِ؟ على أَقوالٍ:
القَولُ الأَولُ: أنَّ الرِّبحَ الحاصِلَ مِنْ التِّجارةِ بعدَ البَيعِ للمُودَعِ؛ لأنَّه ضامِنٌ للمالِ حتى يُؤدِّيَه إلى صاحبِه، وشَرطُ الطِّيبِ الضَّمانُ وقد وُجدَ، ولأنَّه إذا ردَّ المالَ فقد طابَ له الرِّبحُ وليسَ عليه أنْ يَتصدَّقَ به.
وهذا مَذهبُ المالِكيةِ وأَبي يُوسفَ مِنْ الحَنفيةِ وأَحمدَ في رِوايةٍ، وهو قَولُ شُريحٍ القاضِي والحَسنِ البَصريِّ والشِّعبيِّ ويَحيى الأَنصاريِّ ورَبيعةَ والثُّوريِّ واللِّيثِ.
قالَ الإِمامُ ابنُ بَطالٍ رحمة الله عليه: وأَصحُّ هذه الأَقوالِ قَولُ مَنْ رَأى أنَّ الرِّبحَ للغاصِبِ والمُتعدِّي، والحُجةُ له أنَّ العَينَ قد صارَ في ذِمتِه، وهو
(١) «مواهب الجليل» (٧/ ٢٢٩، ٢٣٠)، و «الذخيرة» (٩/ ١٧٨)، و «التاج والإكليل» (٤/ ٢٦٢، ٢٦٣)، و «شرح مختصر خليل» (٦/ ١١١)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ١٢٣، ١٢٤)، و «تحبير المختصر» (٤/ ٣٤٦)، و «حاشية الصاوي على الشرح الصغير» (٨/ ١٥٤).
وغيرُه مِنْ مالِه سَواءٌ؛ إذ لا غَرضَ للناسِ في أَعيانِ الدَّنانيرِ والدَّراهمِ، وإنما غَرضُهم في تَصرُّفِهم فيها، ولو غصَبَها مِنْ رَجلٍ ثُم أرادَ أنْ يَدفعَ إليه غيرَها مِثلَها وهي قائمةٌ بيدِه، لكانَ له ذلك على أَصلِ قَولِ مالكٍ، فإذا كانَ له أنْ يَدفعَ إليه غيرَها فرِبحُها له، وحَديثُ البابِ حُجةٌ لذلك، ألَا تَرى أنَّ الأَجيرَ حيثُ قالَ له مَنْ أجَّرَه: «كلُّ ما تَرى مِنْ الإِبلِ والبَقرِ والغَنمِ والرَّقيقِ مِنْ أَجرِك، قالَ له: أتَستَهزئُ بي؟» (١)؟ فدلَّ هذا أنَّ السُّنةَ كانَت عندَهم أنَّ الرِّبحَ للمُتعدِّي العامِلِ، وأنَّه لا حقَّ فيه لربِّ رَأسِ المالِ، وأخبَرَ بذلك النَّبيُّ فأقرَّه ولمْ يَنسخْه.
وقد رُويَ عن عُمرَ بنِ الخَطابِ ما يَدلُّ على أنَّ الرِّبحَ له بالضَّمانِ، رَوى مالكٌ في المُوطَّأَ: «أنَّ أَبا مُوسى أسلَفَ عبدَ اللهِ وعُبيدَ اللهِ ابنَيْ عُمرَ مِنْ بَيتِ المالِ، فاشتَرَيا به مَتاعًا وحمَلاه إلى المَدينةِ فربِحا فيه، فقالَ عُمرُ: أدِّيا المالَ ورِبحَه، فقالَ عُبيدُ اللهِ: ما يَنبغي لك هذا، لو هلَكَ المالُ أو نقَصَ ضمِنَّاه، فقالَ رَجلٌ: لو جعَلْتَه قِراضًا يا أَميرَ المُؤمنينَ. قالَ: نعم. فأخَذَ منهما نصِفَ الرِّبحِ»، فلمْ يُنكرْ عُمرُ قَولَ ابنِه: لو هلَكَ المالُ أو نقَصَ ضمِنَّاه، فلذلك طابَ له ربْحُه، ولا أنكَرَه أَحدٌ مِنْ الصَّحابةِ بحَضرتِه (٢).
(١) هذا الحديثُ رواه الإِمامُ البُخاريُّ في صَحيحِه وعنوَنَ عليه: بابُ مَنْ استأْجَرَ أَجيرًا فترَكَ الأَجيرُ أَجرَه فعمِلَ فيه المُستَأْجرُ فزادَ أو من عمِلَ في مالِ غيرِه فاستَفضلَ.
(٢) «شرح صحيح البخاري» لابن بطال (٦/ ٣٩٧، ٣٩٨)، ويُنْظَر: «مختصر اختلاف العلماء» (٣/ ١٧٦)، و «بدائع الصنائع» (٦/ ١٤)، و «الهداية» (٤/ ١٣)، و «العناية» (١٣/ ٣٥٥)، و «شرح فتح القدير» (٦/ ٤٧٥)، و «مجمع الأنهر» (٤/ ٨٣)، و «مواهب الجليل» (٧/ ٢٢٩، ٢٣٠)، و «الذخيرة» (٩/ ١٧٨)، و «التاج والإكليل» (٤/ ٢٦٢، ٢٦٣)، و «شرح مختصر خليل» (٦/ ١١١)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ١٢٣، ١٢٤)، و «بداية المجتهد» (٢/ ٢٣٤)، و «تحبير المختصر» (٤/ ٣٤٦)، و «حاشية الصاوي على الشرح الصغير» (٨/ ١٥٤)، و «الإشراف» (٦/ ٣٣٦، ٣٣٧)، و «مجموع الفتاوى» (٣٠/ ١٣٠)، و «مختصر الفتاوى المصرية» (٣٧٩) ..
القَولُ الثانِي: أنَّه لا يَطيبُ له الرِّبحُ، ويَجبُ عليه أنْ يَتصدَّقَ به إذا اشتَرَى بعَينِ نُقودِ الوَديعةِ ويَردَّ رَأسَ مالِ الوَديعةِ -وكذا الغَصبُ- إلى صاحبِها، وهو قَولُ الإِمامِ أَبي حَنيفةَ ومُحمَّدِ بنِ الحَسنِ وزُفرَ وأَحمدَ في رِوايةٍ (١).
القَولُ الثالثُ: أنَّ الرِّبحَ يَكونُ لصاحِبِ الوَديعةِ على الصَّحيحِ عن الإِمامِ أَحمدَ، وهو قَولُ ابنِ عُمرَ وأَبي قِلابةَ وإِسحاقَ (٢).
القَولُ الرَّابعُ: أنَّ الرِّبحَ يَكونُ لبَيتِ المالِ، وهو رِوايةٌ عن الإِمامِ أَحمدَ (٣).
(١) «مختصر اختلاف العلماء» (٣/ ١٧٦)، و «بدائع الصنائع» (٦/ ١٤)، و «الهداية» (٤/ ١٣)، و «العناية» (١٣/ ٣٥٥)، و «مجمع الأنهر» (٤/ ٨٣)، و «شرح صحيح البخاري» لابن بطال (٦/ ٣٩٦، ٣٩٧)، و «بداية المجتهد» (٢/ ٢٣٤)، و «الإشراف» (٦/ ٣٣٦، ٣٣٧)، و «مجموع الفتاوى» (٣٠/ ١٣٠)، و «مختصر الفتاوى المصرية» (٣٧٩).
(٢) «مختصر اختلاف العلماء» (٣/ ١٧٦)، و «شرح صحيح البخاري» لابن بطال (٦/ ٣٩٧)، و «بداية المجتهد» (٢/ ٢٣٤)، و «الإشراف» (٦/ ٣٣٦، ٣٣٧)، و «مجموع الفتاوى» (٣٠/ ١٣٠)، و «مختصر الفتاوى المصرية» (٣٧٩).
(٣) «مجموع الفتاوى» (٣٠/ ١٣٠)، و «مختصر الفتاوى المصرية» (٣٧٩).
القَولُ الخامِسُ: أنَّ الرِّبحَ يَكونُ بينَهما -بينَ المُودِعِ والمُودَعِ- فيَقتسِمانِه بينَهما كالمُضاربةِ، وهو رِوايةٌ عن الإِمامِ أَحمدَ وهو اختِيارُ شَيخِ الإِسلامِ ابنِ تَيميةَ، وقالَ: هو أَصحُّ الأَقوالِ.
قالَ شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميةَ رحمة الله عليه بعدَما ذكَرَ قِصةَ عُمرَ رضي الله عنه معَ ابنَيْه: فعمِلَ عُمرُ بذلك، وهذا أَحسنُ الأَقوالِ التي تَنازعَها الفُقهاءُ في مَسألةِ التِّجارةِ بالوَديعةِ وغيرِها مِنْ مالِ الغيرِ، فإنَّ فيها أَربعةَ أَقوالٍ في مَذهبِ أَحمدَ وغيرِه.
هل الرِّبحُ لبَيتِ المالِ بِناءً على أنَّه … (١) المال؟
أو الرِّبحُ للعامِلِ لأنَّ المِلكَ حصَلَ له باشتِراءِ الأَعيانِ في الذِّمةِ ويَتصدَّقانِ بالرِّبحِ لأنَّه خَبيثٌ؟
أو يَقتسِمانِ بينَهما كالمُضاربةِ؟ وهذا الرابِعُ الذي فعَلَه عُمرُ (٢).
وقالَ الإِمامُ ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه: واختلَفُوا مِنْ هذا البابِ في فَرعٍ مَشهورٍ، وهو فيمَن أُودعَ مالًا فتَعدى فيه واتَّجرَ به فربِحَ فيه، هل ذلك الرِّبحُ حَلالٌ له أم لا؟
فقالَ مالِكٌ واللَّيثُ وأَبو يُوسفَ وجَماعةٌ: إذا ردَّ المالَ طابَ له الرِّبحُ وإنْ كانَ غاصِبًا للمالِ فَضلًا عن أنْ يَكونَ مُستودَعًا عندَه.
(١) بياضٌ في الأصلِ.
(٢) «مجموع الفتاوى» (٣٠/ ١٣٠)، و «مختصر الفتاوى المصرية» (٣٧٩).
وقالَ أَبو حَنيفةَ وزُفرُ ومُحمَّدُ بنِ الحَسنِ: يُؤدِّي الأَصلَ ويَتصدَّقُ بالرِّبحِ.
وقالَ قَومٌ: لرَبِّ الوَديعةِ الأَصلُ والرِّبحُ.
وقالَ قَومٌ: هو مُخيَّرٌ بينَ الأَصلِ والرِّبحِ.
وقالَ قَومٌ: البَيعُ الواقِعُ في تلك التِّجارةِ فاسِدٌ، وهؤلاءِ هم الذين أوْجَبوا التَّصدُّقَ بالرِّبحِ إذا ماتَ.
فمَن اعتبَرَ التَّصرُّفَ قالَ الرِّبحُ للمُتصرِّفِ، ومَن اعتبَرَ الأَصلَ قالَ الرِّبحُ لصاحِبِ المالِ.
ولذلك لمَّا أمَرَ عُمرُ رضي الله عنه ابنَيه عبدَ اللهِ وعُبيدَ اللهِ أنْ يَصرِفا المالَ الذي أسلَفَهما أَبو مُوسى الأَشعريُّ مِنْ بَيتِ المالِ فاتَّجَرا فيه فربِحا قيلَ له: لو جعَلْتَه قِراضًا. فأجابَ إلى ذلك؛ لأنَّه قد رُويَ أنَّه قد حصَلَ للعامِلِ جُزءٌ ولصاحِبِ المالِ جُزءٌ، وأنَّ ذلك عَدلٌ (١).
القَولُ السَّادسُ: قَولُ الشافِعيةِ حيثُ قالُوا: لو اتَّجرَ الغاصِبُ بالمَغصوبِ أو بمالِ الغيرِ في يدِه وَديعةً أو رَهنًا أو سَومًا أو عَاريةً بغيرِ إِذنِ المالِكِ فإنْ باعَ أو اشتَرى بعَينِه بطَلَ ولا يَملكُ العِوضَ، وإذا تسلَّمَ وفاتَ غرِمَ المِثلَ أو القِيمةَ، وما حصَلَ مِنْ الرِّبحِ إنْ أمكَنَ ردُّه إلى صاحِبِ كلِّ عَقدٍ ردَّه وإلا فهو مالٌ ضائِعٌ.
(١) «بداية المجتهد» (٢/ ٢٣٤).
ولو أسلَمَ أو اشتَرى في الذِّمةِ وسلَّمَ المَغصوبَ صحَّ العَقدُ وفسَدَ التَّسليمُ، ولا تَبرأُ ذِمتُه مِنْ الثَّمنِ، ويَملكُ الغاصِبُ ما أخَذَ وأَرباحَه (١).
وقالَ الإِمامُ ابنُ المُنذرِ رحمة الله عليه: واختلَفُوا في المُستودَعِ أو المُبضعِ معه، يُخالفانِ فيَستعملانِ الوَديعةَ أو البِضاعةَ بغيرِ إِذنِ أَصحابِها.
فقالَت طائِفةٌ: كلُّ واحدٍ منهما ضامِنٌ لها لمَّا تَعدَّى فيه، والرِّبحُ لربِّ المالِ، هذا قَولُ ابنُ عُمرَ ونافِعٍ مَولاه وأَبي قِلابةَ وبه قالَ أَحمدُ وإِسحاقُ.
وقالَت طائِفةٌ: الرِّبحُ كلُّه للعامِلِ، روينَا ذلك عن شُريحٍ والحَسنِ البَصريِّ وعَطاءِ بنِ أَبي رَباحٍ والشِّعبيِّ ويَحيى الأَنصاريِّ ورَبيعةَ، وهو قَولُ مالِكٍ والثَّوريِّ، وقالَ الثَّوريُّ: يَتنزَّه عنه أَحبُّ إليّ.
وقالَ الأَوزاعيُّ كذلك، وقالَ: أَسلمُ له أنْ يَتصدَّقَ به.
وقالَت طائِفةٌ: المالُ الذي هذا سَبيلُه يَتصدَّقُ بالرِّبحِ أَحبُّ إليَّ، هذا قَولُ الشِّعبيِّ، ورُويَ ذلك عن مُجاهدٍ، وكذلك قالَ النَّخعيُّ في المُضارِبِ يُخالفُ، وبه قالَ حَمادٌ، وبه قالَ أَصحابُ الرَّأيِ، قالوا في الوَديعةِ -يَعملُ بها- الرِّبحُ له ويَتصدَّقُ به، ولا يَنبغي له أنْ يَأكلَه.
قالَ أَبو بَكرٍ: وأَصحُّ مِنْ ذلك كلِّه: أنَّ الرَّجلَ إذا تَعدَّى في وَديعةٍ كانَت عندَه، أو اغتصَبَ مالًا فاشتَرى مِنْ عَينِ المالِ جاريةٍ بمائةِ دِينارٍ وقالَ للبائِعِ
(١) «روضة الطالبين» (٣/ ٦٨٥)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٣١٢)، و «نهاية المحتاج» (٥/ ٢٠٩)، و «حاشية الرملي على أسنى المطالب» (٢/ ٣٥٧)، و «بحر المذهب» للروياني (٧/ ١٠٥).
قد اشتَريتُ منك هذه الجاريةَ بهذه المائةِ دِينارٍ: أنَّ البَيعَ باطلٌ؛ لأنَّه اشتَرى جاريةً بمالٍ لا يَملكُه، وإذا كانَ هكذا: حرُمَ عليه وطءُ الجارِيةِ، ولمْ يَكنْ له أنْ يَعتقَها ولا يَبيعَها ولا يَهبَها؛ لأنَّه غيرُ مالكٍ لها.
فإنْ باعَها بمائتَيْ دِينارٍ وربِحَ فيها مائةَ دِينارٍ فإنَّ بيعَه باطلٌ؛ لأنَّه باعَ ما لا يَملكُه.
وإذا صارَت الجاريةُ في يدِ مَنْ اشتَراها فهي على مِلكِ البائعِ الأَولِ، والبائِعُ غيرُ مالكٍ للمائتَيْ دِينارٍ التي قبَضَها، بل مِلكُها لمُشتَري الجاريةِ.
فإذا جاءَ المُودِعُ أو المَغصوبُ منه المائةُ الدِّينارِ ببيِّنَةٍ تَشهدُ له بالمائةِ: قُضيَ له بها، فأخَذَها ورجِعَ بائعُ الجاريةِ على المُشتَري المُتعدِّي في الوَديعةِ فأخَذَ الجاريةَ منه إن وجَدَها عندَه، وإنْ لمْ يَجدْها عندَه وكانَ قد باعَها: أخَذَها مِمن هي في يدِه إذا ثبَتَ ذلك ببَينةٍ تَشهدُ له.
فإنْ كانَت الجاريةُ مُستَهلكةً لا يُقدرُ عليها، وكانَ المُتعدِّي في المالِ قد باعَها بمائتَيْ دِينارٍ، فوجَدَ المائتَيْ دِينارٍ في يدَيه، فإنْ كانَت المائَتا دِينارٍ قِيمةَ جاريتِه فله أَخذُها، وإنْ كانَت أَكثرَ مِنْ مائتَيْ دِينارٍ، أخَذَ المائتَيْ دِينارٍ، وغرَّمَه تَمامَ قِيمةِ الجاريةِ.
وإنْ كانَت قيمَتُها مائةَ دِينارٍ لمْ يَسعْه - عِندي- أنْ يَأخذَ مِنْ قِيمةِ جاريتِه وهي مائةُ دِينارٍ، يَطلبُ المُتعدِّي في الوَديعةِ فيَردُّ المائةَ على مَنْ أخَذَها منه، لا يسَعُه -عِندي- غيرُ ذلك.
وإنْ كانَ مَنْ أخَذَها منه قد ماتَ ردَّه على وَرثتِه، فإنْ لمْ يَصلْ إليه ولا
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب الوديعة
مسألة:
السلام - لِرَدِّهَا عَلَى أَهْلِهَا، وَلِأَنَّ بِالنَّاسِ إِلَى التَّعَاوُنِ بِهَا حَاجَةً مَاسَّةً وَضَرُورَةً دَاعِيَةً لِعَوَارِضِ الزَّمَانِ الْمَانِعَةِ مِنَ الْقِيَامِ عَلَى الْأَمْوَالِ، فَلَوْ تَمَانَعَ النَّاسُ فِيهَا لَاسْتَضَرُّوا وَتَقَاطَعُوا.
فَصْلٌ:
فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ ذَلِكَ مِنَ التَّعَاوُنِ الْمَأْمُورِ بِهِ لَمْ يَخْلُ حَالُ مَنِ اسْتَوْدَعَ وَدِيعَةً مِنْ ثَلَاثِ أَحْوَالٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يَعْجِزُ عَنْهَا، وَلَا يَثِقُ بِأَمَانَتِهِ نَفْسِهِ فِيهَا، فَهَذَا لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَقْبَلَهَا.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ أَمِينًا عَلَيْهَا قَادِرًا عَلَى الْقِيَامِ بِهَا وَلَيْسَ غَيْرُهُ مِمَّنْ يَقُومُ بِهَا فَهَذَا مِمَّنْ قَدْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ قَبُولُهَا، وَلَزِمَهُ اسْتِيدَاعُهَا، كَمَا تُعَيَّنُ الشَّهَادَةُ عَلَى الشَّاهِدِ إِذَا لَمْ يُوجَدْ مَنْ يَتَحَمَّلُهَا سِوَاهُ، وَكَمَا يَلْزَمُ الْإِنْسَانَ خَلَاصُ نَفْسٍ يَقْدِرُ عَلَى إِحْيَائِهَا إِذَا لَمْ يُوجَدْ غَيْرُهُ، لِأَنَّ حُرْمَةَ الْمَالِ كَحُرْمَةِ النَّفْسِ.
وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَكُونَ أَمِينًا عَلَيْهَا، وَقَادِرًا عَلَى حِفْظِهَا، وَقَدْ يُوجَدُ غَيْرُهُ مِنَ الْأُمَنَاءِ عَلَيْهَا، فَهَذَا مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ.
فَصْلٌ:
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الوديعة
فصل في بيان حال الوديعة
لِأَنَّ الْحِفْظَ فِي الْمِصْرِ أَكْمَلُ مِنْ الْحِفْظِ فِي السَّفَرِ؛ إذْ السَّفَرُ مَوْضِعُ الْخَطَرِ؛ إلَّا إذَا خَافَ التَّلَفَ عَلَيْهَا؛ فَاضْطُرَّ إلَى الْخُرُوجِ بِهَا، فَخَرَجَ لَا تَدْخُلُ فِي ضَمَانِهِ؛ لِأَنَّ الْخُرُوجَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ طَرِيقٌ مُتَعَيَّنٌ لِلْحِفْظِ، كَمَا إذَا وَقَعَ فِي دَارِهِ حَرِيقٌ؛ أَوْ كَانَ فِي سَفِينَةٍ فَخَافَ الْغَرَقَ، فَدَفَعَهَا إلَى غَيْرِهِ.
وَلَوْ قَالَ لَهُ: احْفَظْ الْوَدِيعَةَ فِي دَارِكَ هَذِهِ، فَحَفِظَهَا فِي دَارٍ لَهُ أُخْرَى، فَإِنْ كَانَتْ الدَّارَانِ فِي الْحِرْزِ سَوَاءً أَوْ كَانَتْ الثَّانِيَةُ أَحْرَزَ، لَا تَدْخُلُ فِي ضَمَانِهِ؛ لِأَنَّ التَّقْيِيدَ غَيْرُ مُفِيدٍ، وَإِنْ كَانَتْ الْأُولَى أَحْرَزَ مِنْ الثَّانِيَةِ دَخَلَتْ فِي ضَمَانِهِ؛ لِأَنَّ التَّقْيِيدَ بِهِ عِنْدَ تَفَاوُتِ الْحِرْزِ مُفِيدٌ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَمَرَهُ أَنْ يَضَعَهَا فِي دَارِهِ فِي هَذِهِ الْقِرْيَةِ، وَنَهَاهُ عَنْ أَنْ يَضَعَهَا فِي دَارِهِ فِي قَرْيَةٍ أُخْرَى - فَهُوَ عَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ.
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الوديعة
١٠٦٦ - مسألة؛ قال: (وليس على مودع ضمان، إذا لم يتعد)
المُسْتَوْدَعُ رَدَّها على صاحِبِها، لَزِمَه قَبُولُها ؛ لأنَّ المُسْتَوْدَعَ مُتَبَرِّعٌ بإمْساكِها ؛ فلا يَلْزَمُه التَّبَرُّعُ فى المُستقبَلِ.
١٠٦٦ - مسألة؛ قال: (ولَيْسَ عَلَى مُودَعٍ ضَمَانٌ، إذَا لَمْ يَتَعَدَّ)
وجملَتُه أَنَّ الوَدِيعةَ أمانةٌ، فإذا تَلِفَتْ بغيرِ تَفْريطٍ من المُودَعِ، فليس عليه ضَمانٌ، سواءٌ ذَهَبَ معها شىءٌ من مالِ المُودَعِ أو لم يَذْهَبْ. هذا قولُ أكثرِ أهلِ العِلْمِ. رُوِىَ ذلك عن أبى بُكَيْر، وعلىٍّ، وابنِ مسعودٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم. وبه قال شُرَيحٌ، والنَّخَعِىُّ، ومالكٌ، وأبو الزِّنادِ، والثَّوْرِىُّ، والأوْزَاعىُّ، والشَّافعىُّ، وأصحابُ الرَّأْى. وعن أحمدَ روايةٌ أخرى، إن ذَهَبَتِ الوَدِيعةُ من بين مالِه غَرِمَها؛ لما رُوِىَ عن عمرَ بن الخطابِ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه ضَمّنَ أَنَسَ بن مالكٍ وَدِيعةً ذَهَبَتْ من بين مالِه . قال القاضى: والأُولَى أَصَحُّ؛ لأنَّ اللَّه تعالى سَمَّاها أمانةً، والضَّمانُ يُنَافِى الأمانةَ. ويُرْوَى عن عمرِو بن شُعَيْبٍ، عن أبيه، عن جَدِّه، أَنَّ النّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "لَيْسَ عَلَى المُسْتَوْدَعِ ضَمانٌ" . ويُرْوَى عن الصَّحابةِ الذين ذكَرْناهِم. ولأنَّ المُسْتَوْدَعَ مُؤْتَمَنٌ، فلا يَضْمَنُ ما تَلِفَ من غيرِ تَعَدِّيه وتَفْرِيطِه، كالذى ذهَبَ مع مالِه، ولأنَّ المُسْتَوْدَعَ إنَّما يَحْفَظُها لصاحِبِها مُتَبَرِّعًا، من غير نَفْع يَرْجِعُ إليه فلو لَزِمَهُ الضَّمانُ لَامْتَنعَ الناسُ من قبَولِ الوَدائِعِ، وذلك مُضِرٌّ، لما بَيَّنَاه من الحاجةِ إليها، وما رُوِىَ عن عمرَ مَحْمولٌ على التَّفْريطِ من أَنَسٍ فى حِفْظِها، فلا يُنافِى ما ذكَرْناه. فأمَّا إن تَعَدَّى
ارجع إلى ما يجوز للمودع أن يفعله وما لا يجوز للاطلاع على جميع المسائل.