استقراض الوديعة

الإسلام > الأوقاف والملكية > ما يجوز للمودع أن يفعله وما لا يجوز > استقراض الوديعة

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 16 دقيقة قراءة

استقراض الوديعة - الأقوال والأدلة

إلى وَرثتِه صبَرَ حتى يَيأسَ مِنْ وُصولِه إليه، فإذا يَئسَ مِنْ ذلك تَصدَّقَ بها، على ما رَويناه عن ابنِ مَسعودٍ وابنِ عَباسٍ ومُعاويةَ بنِ أَبي سُفيانَ.

وهذا مَذهبُ الحَسنِ البَصريِّ والزُّهريِّ، وبه قالَ مالكٌ في اللُّقطةِ إذا يُئسَ مِنْ صاحبِها.

وفي هذه المَسألةِ قَولانِ آخَرانِ:

أَحدُهما: أنْ يدفعَ إلى بَيتِ المالِ، رَوينا هذا القَولَ عن عَطاءٍ.

والقَولُ الثانِي: أنْ يُمسكَها أَبدًا حتى يُعلمَ أحيٌّ هو أم مَيتٌ.

وهذا يُشبهُ مَذهبَ الشافِعيِّ في إِيقافِ المالِ في مِثلِ هذا حتى يَتبيَّنَ أمرُ صاحبِه.

قالَ أَبو بَكرٍ: وإنْ كانَ المُشتَري ليسَ بعَينِ المالِ، ولكنَّه كانَ يَشتَري السِّلعَ، ثُم يَزنُ مِنْ مالِ الوَديعةِ فالشِّراءُ ثابتٌ، والمالُ في الذِّمةِ، وهو مالكٌ للسِّلعِ بعَقدِ الشِّراءِ، وما كانَ مِنْ رِبحٍ فيها فله، وما كانَ مِنْ نُقصانٍ فعليه، وعليه مِثلُ الدَّنانيرِ التي أتلَفَ لصاحِبِها، وهذا قَولُ الشافِعيِّ -آخرُ قولَيْه- وهو قَولُ أَكثرُ أَصحابِه (١).

استِقراضُ الوَديعةِ:

نصَّ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ على أنَّ المُودَعَ إذا كانَ عندَه وَديعةٌ فلا يَجوزُ له أنْ يَستقرضَ منها، فإنْ أخَذَ منها شَيئًا فهو ضامِنٌ له، فإنْ ردَّه بعدَ ذلك وتلِفَت فهو على التَّفصيلِ المُتقدِّمِ في هذا.

(١) «الإشراف» لابن المنذر (٦/ ٣٣٦، ٣٣٩).

أما المالِكيةُ فقد فصَّلوا في المَسألةِ فقالوا:

١ - إذا كانَ المُودَعُ فَقيرًا حرُمَ عليه أنْ يَتسلَّفَ مِنْ الوَديعةِ سَواءٌ كانَت الوَديعةُ مِنْ المِثلياتِ أو مِنْ القِيمياتِ، وذلك لتَضرُّرِ مالكِها بعَدمِ الوَفاءِ نظرًا لإِعدامِه.

٢ - إذا كانَت الوَديعةُ مِنْ المُتقوِّماتِ فيَحرمُ تَسلُّفُها مُطلقًا بغيرِ إِذنِ ربِّها، سَواءٌ كانَ المُودَعُ مَليئًا أو مُعدمًا؛ لأنَّه مِنْ بابِ شِراءِ الشَّيءِ بغيرِ إِذنِ ربِّه، وهو مَظنَّةُ عَدمِ رِضاه فلا يَجوزُ، ولاختِلافِ الأَغراضِ في المُقوَّمِ، وكالمُقوَّمِ ما يُكالُ أو يُوزنُ إذا كانَ يَكثرُ اختِلافُه ولا يَتحصَّلُ أَمثالُه.

٣ - إذا كانَت الوَديعةُ مِنْ المِثلياتِ أو النُّقودِ فالمُودَعُ لا يَخلو مِنْ حالتَينِ:

أ - إنْ كانَ المُودَعُ مُعدمًا فَقيرًا غيرَ مَليءٍ حرُمَ عليه؛ لأنَّ ربَّها يَتضررُ بعَدمِ الوَفاءِ، ويَدخلُ في المُعدَمِ مِنْ عندِه مِثلُ الوَديعةِ أو ما يَزيدُ عليها بيَسيرٍ، ويَنبغي أنْ يَكونَ مِثلَه سَيئُ القَضاءِ والظَّالمُ ومَن مالُه حَرامٌ.

ب - وإنْ كانَ المُودَعُ مَليئًا كُرهَ له التَّسلُّفُ مِنْ الوَديعةِ، ومَحلُّ كَراهةِ تَسلُّفِ النَّقدِ فيما إذا لم يُبِحْ له ربُّ الوَديعةِ ذلك أو يَمنعُه بأنْ جَهلَ، أما إذا أَباحَ له ربُّها ذلك جازَ بلا كَراهةٍ وإذا منَعَه حرُمَ عليه الاقتِراضُ منها.

وذهَبَ بعضُ المالِكيةِ إلى جَوازِ الاقتِراضِ مِنْ الوَديعةِ إذا كانَ مَليئًا بشَرطِ الإِشهادِ على الاقتِراضِ وإلا كُرهَ.

ووَجهُ جَوازِ الاقتِراضِ مِنْ الوَديعةِ: أنَّ الدَّنانيرَ والدَّراهمَ لا تَتعيَّنُ، فكأنَّه لا مَضرةَ على المُودِعِ في انتِفاعِ الوَديعِ بها إذا ردَّ مِثلَها، وقد كانَ له أنْ يَردَّ مِثلَها ويَتمسَّكَ بها معَ بَقاءِ أَعيانِها، ولأنَّ المُودِعَ قد ترَكَ الانتِفاعَ بها معَ القُدرةِ، فجازَ للوَديعِ الانتِفاعُ بها، ويَجري ذلك مَجرى الانتِفاعِ بظلِّ حائطٍ وضَوءِ سِراجِه، وذلك بخِلافِ تَسلُّفِ الوَصيِّ مالَ اليَتيمِ فهو آثمٌ (١).

وقالَ اللَّخميُّ مِنْ المالِكيةِ: أَرى أنْ يُنظرَ إلى المُودِعِ، فإنْ كانَ يَعلمُ منه أنَّه لا يَكرُه ذلك فيما بينَه وبينَ المُودَعِ أو معَه كَرمُ طَبعٍ جازَ، وإنْ كانَ يَعلمُ منه الكَراهيةَ لمْ يَجزْ؛ لأنَّه لو حجَرَ ذلك عليه مِنْ حينِ الدَّفعِ أو قالَ لا حَرجَ عليك إنْ تَسلَّفتَها لمْ يُختلَفْ في أنَّه مَمنوعٌ مِنْ الانتِفاعِ بها، وإنْ أشكَلَ أَمرُه كُرهَ ذلك (٢).

وما ذهَبَ إليه اللَّخميُّ هو ما قالَه شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميةَ، فقد سُئلَ شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميةَ رحمة الله عليه عن الاقتِراضِ مِنْ الوَديعةِ بلا إِذنٍ …

فأجابَ: وأما الاقتِراضُ مِنْ مالِ المُودِعِ، فإنْ علِمَ المُودَعُ عِلمًا اطمأَنَّ إليه قلْبُه أنَّ صاحِبَ المالِ راضٍ بذلك، وهذا إنما يُعرفُ مِنْ رَجلٍ اختبَرْتَه خِبرةً تامَّةً، وعلِمْت مَنزلتَك عندَه، كما نُقلَ مِثلُ ذلك عن غيرِ واحدٍ، وكما

(١) «مواهب الجليل» (٧/ ٢٢٩)، و «التاج والإكليل» (٤/ ٢٦١، ٢٦٢)، و «شرح مختصر خليل» (٦/ ١١٠)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ١٢٣)، و «تحبير المختصر» (٤/ ٣٤٥، ٣٤٥).
(٢) «التبصرة» (١١/ ٥٩٩٠).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب الوديعة
مسألة:

السلام - لِرَدِّهَا عَلَى أَهْلِهَا، وَلِأَنَّ بِالنَّاسِ إِلَى التَّعَاوُنِ بِهَا حَاجَةً مَاسَّةً وَضَرُورَةً دَاعِيَةً لِعَوَارِضِ الزَّمَانِ الْمَانِعَةِ مِنَ الْقِيَامِ عَلَى الْأَمْوَالِ، فَلَوْ تَمَانَعَ النَّاسُ فِيهَا لَاسْتَضَرُّوا وَتَقَاطَعُوا.

فَصْلٌ:

فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ ذَلِكَ مِنَ التَّعَاوُنِ الْمَأْمُورِ بِهِ لَمْ يَخْلُ حَالُ مَنِ اسْتَوْدَعَ وَدِيعَةً مِنْ ثَلَاثِ أَحْوَالٍ:

أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يَعْجِزُ عَنْهَا، وَلَا يَثِقُ بِأَمَانَتِهِ نَفْسِهِ فِيهَا، فَهَذَا لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَقْبَلَهَا.

وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ أَمِينًا عَلَيْهَا قَادِرًا عَلَى الْقِيَامِ بِهَا وَلَيْسَ غَيْرُهُ مِمَّنْ يَقُومُ بِهَا فَهَذَا مِمَّنْ قَدْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ قَبُولُهَا، وَلَزِمَهُ اسْتِيدَاعُهَا، كَمَا تُعَيَّنُ الشَّهَادَةُ عَلَى الشَّاهِدِ إِذَا لَمْ يُوجَدْ مَنْ يَتَحَمَّلُهَا سِوَاهُ، وَكَمَا يَلْزَمُ الْإِنْسَانَ خَلَاصُ نَفْسٍ يَقْدِرُ عَلَى إِحْيَائِهَا إِذَا لَمْ يُوجَدْ غَيْرُهُ، لِأَنَّ حُرْمَةَ الْمَالِ كَحُرْمَةِ النَّفْسِ.

وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَكُونَ أَمِينًا عَلَيْهَا، وَقَادِرًا عَلَى حِفْظِهَا، وَقَدْ يُوجَدُ غَيْرُهُ مِنَ الْأُمَنَاءِ عَلَيْهَا، فَهَذَا مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ.

فَصْلٌ:

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الوديعة
فصل في بيان حال الوديعة

لِأَنَّ الْحِفْظَ فِي الْمِصْرِ أَكْمَلُ مِنْ الْحِفْظِ فِي السَّفَرِ؛ إذْ السَّفَرُ مَوْضِعُ الْخَطَرِ؛ إلَّا إذَا خَافَ التَّلَفَ عَلَيْهَا؛ فَاضْطُرَّ إلَى الْخُرُوجِ بِهَا، فَخَرَجَ لَا تَدْخُلُ فِي ضَمَانِهِ؛ لِأَنَّ الْخُرُوجَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ طَرِيقٌ مُتَعَيَّنٌ لِلْحِفْظِ، كَمَا إذَا وَقَعَ فِي دَارِهِ حَرِيقٌ؛ أَوْ كَانَ فِي سَفِينَةٍ فَخَافَ الْغَرَقَ، فَدَفَعَهَا إلَى غَيْرِهِ.

وَلَوْ قَالَ لَهُ: احْفَظْ الْوَدِيعَةَ فِي دَارِكَ هَذِهِ، فَحَفِظَهَا فِي دَارٍ لَهُ أُخْرَى، فَإِنْ كَانَتْ الدَّارَانِ فِي الْحِرْزِ سَوَاءً أَوْ كَانَتْ الثَّانِيَةُ أَحْرَزَ، لَا تَدْخُلُ فِي ضَمَانِهِ؛ لِأَنَّ التَّقْيِيدَ غَيْرُ مُفِيدٍ، وَإِنْ كَانَتْ الْأُولَى أَحْرَزَ مِنْ الثَّانِيَةِ دَخَلَتْ فِي ضَمَانِهِ؛ لِأَنَّ التَّقْيِيدَ بِهِ عِنْدَ تَفَاوُتِ الْحِرْزِ مُفِيدٌ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَمَرَهُ أَنْ يَضَعَهَا فِي دَارِهِ فِي هَذِهِ الْقِرْيَةِ، وَنَهَاهُ عَنْ أَنْ يَضَعَهَا فِي دَارِهِ فِي قَرْيَةٍ أُخْرَى - فَهُوَ عَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ.

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الوديعة
١٠٦٦ - مسألة؛ قال: (وليس على مودع ضمان، إذا لم يتعد)

المُسْتَوْدَعُ رَدَّها على صاحِبِها، لَزِمَه قَبُولُها ؛ لأنَّ المُسْتَوْدَعَ مُتَبَرِّعٌ بإمْساكِها ؛ فلا يَلْزَمُه التَّبَرُّعُ فى المُستقبَلِ.

١٠٦٦ - مسألة؛ قال: (ولَيْسَ عَلَى مُودَعٍ ضَمَانٌ، إذَا لَمْ يَتَعَدَّ)

وجملَتُه أَنَّ الوَدِيعةَ أمانةٌ، فإذا تَلِفَتْ بغيرِ تَفْريطٍ من المُودَعِ، فليس عليه ضَمانٌ، سواءٌ ذَهَبَ معها شىءٌ من مالِ المُودَعِ أو لم يَذْهَبْ. هذا قولُ أكثرِ أهلِ العِلْمِ. رُوِىَ ذلك عن أبى بُكَيْر، وعلىٍّ، وابنِ مسعودٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم. وبه قال شُرَيحٌ، والنَّخَعِىُّ، ومالكٌ، وأبو الزِّنادِ، والثَّوْرِىُّ، والأوْزَاعىُّ، والشَّافعىُّ، وأصحابُ الرَّأْى. وعن أحمدَ روايةٌ أخرى، إن ذَهَبَتِ الوَدِيعةُ من بين مالِه غَرِمَها؛ لما رُوِىَ عن عمرَ بن الخطابِ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه ضَمّنَ أَنَسَ بن مالكٍ وَدِيعةً ذَهَبَتْ من بين مالِه . قال القاضى: والأُولَى أَصَحُّ؛ لأنَّ اللَّه تعالى سَمَّاها أمانةً، والضَّمانُ يُنَافِى الأمانةَ. ويُرْوَى عن عمرِو بن شُعَيْبٍ، عن أبيه، عن جَدِّه، أَنَّ النّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "لَيْسَ عَلَى المُسْتَوْدَعِ ضَمانٌ" . ويُرْوَى عن الصَّحابةِ الذين ذكَرْناهِم. ولأنَّ المُسْتَوْدَعَ مُؤْتَمَنٌ، فلا يَضْمَنُ ما تَلِفَ من غيرِ تَعَدِّيه وتَفْرِيطِه، كالذى ذهَبَ مع مالِه، ولأنَّ المُسْتَوْدَعَ إنَّما يَحْفَظُها لصاحِبِها مُتَبَرِّعًا، من غير نَفْع يَرْجِعُ إليه فلو لَزِمَهُ الضَّمانُ لَامْتَنعَ الناسُ من قبَولِ الوَدائِعِ، وذلك مُضِرٌّ، لما بَيَّنَاه من الحاجةِ إليها، وما رُوِىَ عن عمرَ مَحْمولٌ على التَّفْريطِ من أَنَسٍ فى حِفْظِها، فلا يُنافِى ما ذكَرْناه. فأمَّا إن تَعَدَّى

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 88 - 90

ارجع إلى ما يجوز للمودع أن يفعله وما لا يجوز للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6 / 29.5
الإضاءة 35%
البدر بعد 9 يوم
سبحان الله وبحمده