الإسلام > الأوقاف والملكية > ما يجوز للمودع أن يفعله وما لا يجوز > حفظ الوديعة عند أولاده أو زوجته
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 13 دقيقة قراءةوهذا إذا وجَدَ الحاكِمَ، أما إذا لم يَجدِ الحاكِمَ فيَدفعُها إلى ثِقةٍ (١).
وهذا الحُكمُ في غيرِ الاستِعانةِ بالغيرِ في حَملِ الوَديعةِ وحِفظِها في الحِرزِ وكذا سَقيُها وعَلفُها، كما نصَّ على ذلك الشافِعيةُ والحَنابِلةُ، ولا ضَمانَ عليه وإنْ تلِفَت في هذه الحالَةِ، وذلك لأنَّ العادَةَ جرَت بالاستِعانةِ، ولأنَّه ما أخرَجَها عن يدِه ولا فوَّضَ حِفظَها إلى غيرِه (٢).
حِفظُ الوَديعةِ عندَ أَولادِه أو زَوجتِه:
اختَلفَ الفُقهاءُ في المُودَعِ هل يَجوزُ له أنْ يَدفعَ الوَديعةَ إلى أَولادِه أو خادِمِه أو زَوجتِه الأَمينةِ ولا ضَمانَ عليه إنْ تلِفَت الوَديعةُ في أَيدِيهم، أم لا يَجوزُ له أنْ يَدفعَ إلى أيٍّ منهم؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه يَجوزُ للمُودَعِ أنْ يَدفعَ الوَديعةَ إلى مَنْ في عيالِه كوَلدِه ووالدَيْه وزَوجتِه -وأَجيرِه الخاصِّ عندَ أَبي حَنيفةَ- ليَحفظَها إذا كانُوا أُمناءَ؛ لأنَّه حفِظَها بما يَحفظُ به مالَه، فأشبَهَ ما لو حفِظَها بنَفسِه، وكما لو دفَعَ الماشِيةَ إلى الرَّاعي أو دفَعَ البَهيمةَ إلى غُلامِه ليَسقيَها، ويُفارقُ الأَجنبيَّ فإنَّ دَفعَها إليه لا يُعدُّ حِفظًا منه.
(١) «المغني» (٦/ ١٠٣)، و «المبدع» (٥/ ٢٣٨)، و «الإنصاف» (٦/ ٣٢٥)، و «شرح الزركشي» (٢/ ٢٩٦)، و «كشاف القناع» (٤/ ٢١١)، و «شرح منتهى الإرادات» (٤/ ٢٤٠)، و «منار السبيل» (٢/ ٢٧٧).
(٢) «المهذب» (١/ ٣٦١)، و «كشاف القناع» (٤/ ٢١١)، وباقي المصادر السابقة.
قالَ الحَنفيةُ: وللمُودَعِ حِفظُ الوَديعةِ بنَفسِه وبمَن في عيالِه مِنْ زَوجتِه ووَلدِه ووالدَيْه وأَجيرِه الخاصِّ الذي استَأجرَه مُشاهرةً أو مُسانَهةً وإنْ نُهيَ عن حِفظِها بهم؛ لأنَّ الواجِبَ عليه أنْ يَحفظَها حِفظَ مالَ نَفسِه، وهو يَحفظُه بعيالِه؛ لأنَّ المُودَعَ لا يُمكنُه مُلازمةُ بَيتِه لحِفظِ الوَديعةِ، ولا استِصحابَها معَه في خُروجِه، فلمْ يَكنْ له بدٌّ في حِفظِها بمَن في عيالِه.
ولأنَّ المُلتزَمَ بالعَقدِ هو الحِفظُ، والإِنسانُ لا يَلتزمُ بحِفظِ مالِ غيرِه عادَةً إلا بما يَحفظُ به مالَ نَفسِه، وإنَّه يَحفظُ مالَ نَفسِه بيدِه مَرةً وبيدِ هؤلاءِ أُخرى، فله أنْ يَحفظَ الوَديعةَ بيدِهم أَيضًا، فكانَ الحِفظُ بأَيدِيهم داخلًا تحتَ العَقدِ دِلالةً، وكذا له أنْ يَردَّ الوَديعةَ على أَيدِيهم حتى لو هلَكَت قبلَ الوُصولِ إلى المالِكِ لا ضَمانَ عليه؛ لأنَّ يدَهم يدُ المُودَعِ مَعنًى، فما دامَ المالُ في أَيدِيهم كانَ مَحفوظًا بحِفظِه وليسَ له أنْ يَدفعَ الوَديعةَ إلى غيرِهم إلا لعُذرٍ.
والذي في عيالِه: هو الذي يَسكنُ معه، مِنْ امرأتِه وولدِه وأَجيرِه وعَبدِه وهذا إذا كانَ مَنْ في عيالِه أُمناءَ.
وقيلَ الذي في عيالِه: هو الذي يَسكنُ معه وتَجري عليه نَفقتُه كائِنًا مَنْ كانَ قَريبًا أو أَجنبيًّا.
وكذا يَجوزُ دَفعُها إلى أَمينٍ مِنْ أُمنائِه ليسَ في عيالِه، كشَريكِ العَنانِ والمُفاوَضةِ وعليه الفَتوى عندَهم؛ لأنَّ هؤلاءِ يَحفظونَ أَموالَه، فيَدُهم كيَدِه، فإنْ حفِظَها بغيرِ هؤلاءِ ضمِنَ.
وكذا الصَّيرفِيَّانِ إذا كانا شَريكَينِ فوضَعَ أَحدُهما الوَديعةَ في كيسِ صاحِبِه أو صُندوقِه وأمَرَ شَريكَه بحِفظِها فحمَلَ الكَيسَ فضاعَ لمْ يَضمنْ (١).
وقالَ المالِكيةُ: يَجوزُ للمُودَعِ أنْ يَضعَ الوَديعةَ عندَ زَوجتِه أو ابنِه أو أَمتِه أو أَجيرِه المُعتادينَ لذلك بأنْ طالَت إِقامتُهم عندَه ووثِقَ بهم، فلا ضَمانَ عليه إن تلِفَت الوَديعةُ أو ضاعَت عندَ مَنْ ذُكرَ، وصُدقَ المُودَعُ في دَفعِها لأَهلِه وحلِفَ إن أَنكرَت الزَّوجةُ دَفعَها إليه إنِ اتُّهمَ، وقيلَ: مُطلقًا، فإنْ نكَلَ غرِمَ، وليسَ لربِّ الوَديعةِ تَحليفُ أَهلِ المُودَعِ إلا أنْ يَكونَ المُودَعُ مُعسِرًا فلربِّ الوَديعةِ تَحليفُ الزَّوجةِ.
وإنْ كانَ ما ذُكرَ غيرُ مُعتادتَينِ للإِيداعِ بأنْ أودَعَها عندَ زَوجتِه بإِثرِ تَزويجِها، أو أودَعَها عندَ أَمتِه بإِثرِ شِرائِها، أو عندَ الأَجيرِ بإِثرِ استِئجارِه، فإنَّه يَضمنُ إذا تلِفَت أو ضاعَت (٢).
وقالَ الحَنابِلةُ: إنْ دفَعَ الوَديعةَ إلى مَنْ جرَت عادَتُه بحِفظِها له مِنْ أَهلِه كامرَأتِه وغُلامِه وخازِنِه لمْ يَضمنْ؛ لأنَّه حفِظَها بما يَحفظُ به مالَه، فأشبَهَ ما
(١) «بدائع الصنائع» (٦/ ٢٠٧، ٢٠٨)، و «الاختيار» (٣/ ٣٠)، و «مختصر الوقاية» (٢/ ١٣٢)، و «الجوهرة النيرة» (/ ١٥٠)، و «اللباب» (١/ ٦٤٤)، و «مجمع الضمانات» (١/ ٢١١).
(٢) «التاج والإكليل» (٤/ ٢٦٦)، و «مواهب الجليل» (٧/ ٢٣٢)، و «تحبير المختصر» (٤/ ٣٥٠، ٣٥١)، و «شرح مختصر خليل» (٦/ ١١٢)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ١٢٧)، و «حاشية الصاوي» (٨/ ١٦٢).
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب الوديعة
مسألة:
السلام - لِرَدِّهَا عَلَى أَهْلِهَا، وَلِأَنَّ بِالنَّاسِ إِلَى التَّعَاوُنِ بِهَا حَاجَةً مَاسَّةً وَضَرُورَةً دَاعِيَةً لِعَوَارِضِ الزَّمَانِ الْمَانِعَةِ مِنَ الْقِيَامِ عَلَى الْأَمْوَالِ، فَلَوْ تَمَانَعَ النَّاسُ فِيهَا لَاسْتَضَرُّوا وَتَقَاطَعُوا.
فَصْلٌ:
فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ ذَلِكَ مِنَ التَّعَاوُنِ الْمَأْمُورِ بِهِ لَمْ يَخْلُ حَالُ مَنِ اسْتَوْدَعَ وَدِيعَةً مِنْ ثَلَاثِ أَحْوَالٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يَعْجِزُ عَنْهَا، وَلَا يَثِقُ بِأَمَانَتِهِ نَفْسِهِ فِيهَا، فَهَذَا لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَقْبَلَهَا.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ أَمِينًا عَلَيْهَا قَادِرًا عَلَى الْقِيَامِ بِهَا وَلَيْسَ غَيْرُهُ مِمَّنْ يَقُومُ بِهَا فَهَذَا مِمَّنْ قَدْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ قَبُولُهَا، وَلَزِمَهُ اسْتِيدَاعُهَا، كَمَا تُعَيَّنُ الشَّهَادَةُ عَلَى الشَّاهِدِ إِذَا لَمْ يُوجَدْ مَنْ يَتَحَمَّلُهَا سِوَاهُ، وَكَمَا يَلْزَمُ الْإِنْسَانَ خَلَاصُ نَفْسٍ يَقْدِرُ عَلَى إِحْيَائِهَا إِذَا لَمْ يُوجَدْ غَيْرُهُ، لِأَنَّ حُرْمَةَ الْمَالِ كَحُرْمَةِ النَّفْسِ.
وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَكُونَ أَمِينًا عَلَيْهَا، وَقَادِرًا عَلَى حِفْظِهَا، وَقَدْ يُوجَدُ غَيْرُهُ مِنَ الْأُمَنَاءِ عَلَيْهَا، فَهَذَا مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ.
فَصْلٌ:
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الوديعة
فصل في بيان حال الوديعة
لِأَنَّ الْحِفْظَ فِي الْمِصْرِ أَكْمَلُ مِنْ الْحِفْظِ فِي السَّفَرِ؛ إذْ السَّفَرُ مَوْضِعُ الْخَطَرِ؛ إلَّا إذَا خَافَ التَّلَفَ عَلَيْهَا؛ فَاضْطُرَّ إلَى الْخُرُوجِ بِهَا، فَخَرَجَ لَا تَدْخُلُ فِي ضَمَانِهِ؛ لِأَنَّ الْخُرُوجَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ طَرِيقٌ مُتَعَيَّنٌ لِلْحِفْظِ، كَمَا إذَا وَقَعَ فِي دَارِهِ حَرِيقٌ؛ أَوْ كَانَ فِي سَفِينَةٍ فَخَافَ الْغَرَقَ، فَدَفَعَهَا إلَى غَيْرِهِ.
وَلَوْ قَالَ لَهُ: احْفَظْ الْوَدِيعَةَ فِي دَارِكَ هَذِهِ، فَحَفِظَهَا فِي دَارٍ لَهُ أُخْرَى، فَإِنْ كَانَتْ الدَّارَانِ فِي الْحِرْزِ سَوَاءً أَوْ كَانَتْ الثَّانِيَةُ أَحْرَزَ، لَا تَدْخُلُ فِي ضَمَانِهِ؛ لِأَنَّ التَّقْيِيدَ غَيْرُ مُفِيدٍ، وَإِنْ كَانَتْ الْأُولَى أَحْرَزَ مِنْ الثَّانِيَةِ دَخَلَتْ فِي ضَمَانِهِ؛ لِأَنَّ التَّقْيِيدَ بِهِ عِنْدَ تَفَاوُتِ الْحِرْزِ مُفِيدٌ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَمَرَهُ أَنْ يَضَعَهَا فِي دَارِهِ فِي هَذِهِ الْقِرْيَةِ، وَنَهَاهُ عَنْ أَنْ يَضَعَهَا فِي دَارِهِ فِي قَرْيَةٍ أُخْرَى - فَهُوَ عَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ.
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الوديعة
١٠٦٩ - مسألة؛ قال: (ولو أمره أن يجعلها فى منزل، فأخرجها عن المنزل، لغشيان نار، أو سيل، أو
١٠٦٩ - مسألة؛ قال: (ولَوْ أمَرَهُ أنْ يَجْعَلَها فِى مَنْزِلٍ، فَأخْرَجَهَا عَنِ الْمَنْزلِ، لِغشَيانِ نَارٍ، أو سَيْلٍ، أو شَىْءٍ الْغالِبُ مِنْهُ التَّوَى ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْه)
ارجع إلى ما يجوز للمودع أن يفعله وما لا يجوز للاطلاع على جميع المسائل.