الإسلام > الأوقاف والملكية > ما يجوز للمودع أن يفعله وما لا يجوز > الحالة الثالثة: أن يودعها عنده ولم يأذن له ولم ينهه، ويسافر المودع بها
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 17 دقيقة قراءةوقالَ الشافِعيةُ: إنْ حدَثَ له في الطَّريقِ خَوفٌ أقامَ بها، فإنْ هجَمَ عليه قُطاعُ الطَّريقِ فطرَحَها بمَضيعةٍ ليَحفظَها فضاعَت ضمِنَ، وكذا إنْ دفَنَها خَوفًا منهم عندَ إِقبالِهم ثُم أضَلَّ مَوضعَها (١).
الحالَةُ الثالِثةُ: أنْ يُودعَها عندَه ولمْ يَأذنْ له ولمْ يَنهَه، ويُسافرُ المُودَعُ بها:
اختَلفَ الفُقهاءُ في المُودَعِ إذا كانَت عندَه وَديعةٌ وأَرادَ السَّفرَ، هل يَجوزُ له أنْ يُسافرَ بالوَديعةِ أم لا؟
فهذا لا يَخلو مِنْ حالتَينِ:
الأُولى: أنْ يَكونَ الطَّريقُ مَخوفًا أو البَلدُ الذي سيَذهبُ إليه غيرُ آمنٍ، فهذا باتِّفاقِ العُلماءِ أنَّه لا يَجوزُ له السَّفرُ بالوَديعةِ؛ لأنَّه يُعرِّضُها للخَطرِ (٢).
الثانيةُ: أنْ يَكونَ الطَّريقُ آمنًا لا يُقصدُ فيه أَحدٌ بسوءٍ غالبًا، ولو قصَدَه يُمكنُه الدَّفعُ بنَفسِه أو برُفقتِه، ويَكونُ البَلدُ الذي يُسافرُ إليه آمنًا، فهذا قد اختَلفَ الفُقهاءُ فيه، هل يَجوزُ له في هذه الحالَةِ أنْ يُسافرَ بالوَديعةِ أم لا؟
(١) «مغني المحتاج» (٤/ ١٣٨).
(٢) «الجوهرة النيرة» (٤/ ١٥٨)، و «مختصر الوقاية» (٢/ ١٣٢)، وباقي المصادر السابقة.
فذهَبَ الحَنفيةُ والحَنابِلةُ على الصَّحيحِ عندَهم إلى أنَّه يَجوزُ له أنْ يُسافرَ بالوَديعةِ إذا لمْ يَكنْ لها حَملٌ ومُؤنةٌ؛ لأنَّ الذي عليه في الوَديعةِ حِفظَها، فإذا حفِظَها في أيِّ مَكانٍ كانَ مَنْ حَضرٍ أو سَفرٍ كانَ مُؤدِّيًا لحقِّ الأَمانةِ فيها، ولهذا يَملكُه الأبُ والوَصيُّ في مالِ الصَّبيِّ، ولأنَّه لمَّا جازَ أنْ يَحفظَها في أيِّ مَوضعٍ شاءَ مِنْ البَلدِ إذا كانَ مَأمونًا كانَ له ذلك في غيرِ البَلدِ إذا كانَ مَأمونًا، ولأنَّه نَقلَها إلى مَوضعٍ مَأمونٍ فلمْ يَضمنْها كما لو نقَلَها في البَلدِ.
ولأنَّ الإِنسانَ لا يَلتزمُ الوَديعةَ ليَتركَ أَشغالَه، والسَّفرُ مِنْ أَشغالِه، فلا تَمنعُه الوَديعةُ مِنْ ذلك.
وهذا فيما لا حَملَ له ولا مُؤنةَ، وأما إذا كانَت الوَديعةُ تَحتاجُ إلى حَملٍ ومُؤنةٍ فاختلَفُوا فيها، فأَبو حَنيفةَ والحَنابِلةُ لا يُفرِّقونَ بينَ ما له حَملٌ ومُؤنةٌ وبينَ ما لا حَملَ له ولا مُؤنةَ.
وقالَ أَبو يُوسفَ: إنْ كانَت لها حَملٌ ومُؤنةٌ جازَ له السَّفرُ بها إذا كانَ السَّفرُ قَصيرًا، وإنْ كانَ طَويلًا لا يَجوزُ.
وقالَ مُحمدٌ: ليسَ له السَّفرُ بها فيما له حَملٌ ومُؤنةٌ؛ إذ الظاهِرُ مِنْ حالِ صاحِبِها أنَّه لا يَرضى بها، وصارَ كالوَكيلِ بالبَيعِ ليسَ له السَّفرُ بالمَبيعِ، وإنْ سافَرَ ضمِنَ.
والذي له حَملٌ ومُؤنةٌ هو ما كانَ يَحتاجُ في حَملِه إلى ظَهرٍ، أو أُجرةِ حَمالٍ (١).
(١) «بدائع الصنائع» (٦/ ٢٠٩)، و «الهداية» (٣/ ٢١٧)، و «البحر الرائق» (٧/ ٢٧٨)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ١٥٨، ١٥٩)، و «الاختيار» (٣/ ٣١)، و «مختصر الوقاية» (٢/ ١٣٢)، و «اللباب» (١/ ٦٤٦، ٦٤٧).
وهذا في حالَةِ ما إذا لمْ يَجدْ صاحِبَها حاضِرًا في البَلدِ أو مَنْ يَحفظُ مالَه أو نائِبَه في قَبضِها فأما إنْ كانَ صاحِبُها مَوجودًا في البَلدِ أو مَنْ يَحفظُ مالَه أو نائِبَه مَوجودًا وسافَرَ بها في هذه الحالَةِ فاختَلفَ الحَنابِلةُ في هذا على قَولَينِ:
الأَولُ وهو المَذهبُ (وهو قَولُ أَبي حَنيفةَ): أنَّه لا ضَمانَ عليه والحالَةُ هذه -أي وربُّها حاضِرٌ- إنْ لمْ يَخفِ المُستودَعُ عليها أو كانَ السَّفرُ أَحفظَ لها مِنْ إِبقائِها ولمْ يَنهَه ربُّ الوَديعةِ عن السَّفرِ بها والغالِبُ السَّلامةُ فعلى هذا لا يَضمنُها إنْ تلِفَت معَه، سَواءٌ كانَ به ضَرورةٌ إلى السَّفرِ أو لا؛ لأنَّه نقَلَها إلى مَوضعٍ مَأمونٍ فلمْ يَضمنْها، كما لو نقَلَها في البَلدِ وكأبٍ ووَصيٍ، وإلا بأنْ كانَ السَّفرُ ليسَ أَحفظَ، ولو استوى الأَمرانِ فلا يُسافرُ بها، فإن فعَلَ ضمِنَ.
والثاني ورجَّحَه ابنُ قُدامةَ والمِرداويُّ وغيرُهم: أنَّه إنْ سافَرَ بها معَ القُدرةِ على مالِكِها أو نائِبِه بغيرِ إِذنِه فهو مُفرِّطٌ وعليه الضَّمانُ؛ لأنَّه يُفوِّتُ على صاحِبِها إِمكانَ استِرجاعِها ويُخاطرُ بها (١).
وذهَبَ المالِكيةُ إلى أنَّ المُودَعَ إذا سافَرَ بالوَديعةِ وهو قادِرٌ على إِيداعِها عندَ أَمينٍ فهلَكَت ضمِنَها، إلا أنْ تُردَّ سالِمةً إلى مَحلِّها الذي كانَت
(١) «المغني» (٦/ ٣٠٢، ٣٠٣)، و «كشاف القناع» (٤/ ٢١٢)، و «شرح منتهى الإرادات» (٤/ ٢٤١)، و «منار السبيل» (٢/ ٢٧٩)، و «الإفصاح» (٢/ ٦، ٧).
فيه ثم تَتلفُ بعدَ ذلك فإنَّه لا ضَمانَ عليه حينَئذٍ لعَدمِ سَببِ الضَّمانِ، والقَولُ قَولُه إنَّه ردَّها سالِمةً إلى مَحلِّها.
وإذا لمْ يَقدرْ على أَمينٍ وخافَ عليها إنْ تُركَت فإنَّه لا ضَمانَ عليه إذا صحِبَها معَه فتلِفَت، ولا فَرقَ في السَّفرِ بينَ سَفرِ النَّقلةِ بالأَهلِ أو سَفرِ التِّجارةِ أو سَفرِ الزِّيارةِ.
جاءَ في «المُدوَّنة الكُبرى»: قُلت: فلو أنَّ رَجلًا استَودَعني وَديعةً فحضَرَ مَسيرِي إلى بعضِ البُلدانِ فخِفْت عليها فحملْتُها معي فضاعَت أأَضمنُ في قَولِ مالكٍ؟
قالَ: نعم. قُلت: وكيفَ أَصنعُ بها؟ قالَ: تَستودعُها في قَولِ مالكٍ ولا تُعرِّضُها للتَّلفِ (١).
واستَدلُّوا على عَدمِ جَوازِ السَّفرِ بالوَديعةِ بما قالَه القاضِي عبدُ الوَهابِ بأنَّ السَّفرَ لا يَحفظُ الوَديعةَ إذا أودِعَتْ في البَلدِ فضمِنَها كما لو ترَكَها بمَوضعِ خَرابٍ لمْ تَجرِ العادَةُ بأنْ يُحفظَ في مِثلِه، ولأنَّ ربَّها إنما أذِنَ له في حِفظِها في البَلدِ، ولمْ يَأذنْ له في إِخراجِها عنه، كما لو أذِنَ له في حِفظِها تحتَ يدِه ولمْ يَأذنْ له في إِيداعِها لغيرِه، فلما كانَ متى أودَعَها لغيرِه ضمِنَ بتَعدِّيه بخُروجِه في حِفظِها على الوَجهِ المَأذونِ له فيه فكذلك إذا سافَرَ بها.
فإذا أرادَ السَّفرَ فله إِيداعُها عندَ ثِقةٍ مَرضيٍّ مِنْ أَهلِ البَلدِ، ولا ضَمانَ عليه، قدَرَ على الحاكِمِ أو لمْ يَقدرْ عليه، واختَلفَ أَصحابُ الشَّافعيِّ،
(١) «المدونة الكبرى» (١٥/ ١٤٥).
فمنهم مَنْ يَقولُ إنْ أودَعَها لغيرِ الحاكمِ ضمِنَ، فدَليلُنا أنَّه أودَعَها مِنْ الحاجةِ لثَقةٍ مَرضيٍّ فأشبَهَ إِيداعَها عندَ الحاكِمِ، ولأنَّه أَحدُ سَببَيْ حِفظِها فكانَ مُوكلًا إلى اجتِهادِه، كالحِرزِ (١).
وذهَبَ الشافِعيةُ إلى أنَّ المُودَعَ إذا أرادَ سَفرًا -ولو قَصيرًا- وقد أخَذَ الوَديعةَ حَضرًا فيَجبُ عليه أنْ يَردَّها إلى المالِكِ أو وَكيلِه؛ لأنَّه قائِمٌ مَقامِه، سَواءٌ كانَ وَكيلًا خاصًّا في استِردادِها أو في عامةِ أَشغالِه ليَخرجَ مِنْ العُهدةِ، فإنْ دفَعَ لغيرِه ضمِنَ في الأَجنبيِّ ولو عَدلًا قطعًا، وفي القاضِي على الأَصحِّ؛ لأنَّه لا وِلايةَ للحاكِمِ عليه.
فإنْ فُقدَ المالِكُ أو وَكيلُه لغَيبةٍ أو حَبسٍ أو تَوارٍ ولمْ يَتمكنْ مِنْ الوُصولِ إليهما فيَردُّها إلى الحاكِمِ إذا كانَ ثِقةً مَأمونًا؛ لأنَّه نائِبُ الغائِبِ ويَلزمُه القَبولُ والإِشهادُ على نَفسِه بقَبضِها، ولو أمَرَه القاضِي بدَفعِها إلى أَمينٍ جازَ.
فإنْ فُقدَ الحاكِمُ بأنْ لمْ يَكنْ في البَلدِ حاكِمٌ أو كانَ الحاكِمُ غيرَ أَمينٍ فيَدفعُها إلى أَمين يَأتمنُه عليها لئلَّا يَتضررَ بتَأخيرِ السَّفرِ؛ لمَا رُويَ «أنَّ النَّبيَّ ﷺ كانَت عندَه وَدائعُ بمَكةَ، فلمَّا أرادَ الهِجرةَ أودَعَها أمَّ أَيمنَ،
(١) «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٣/ ١١١، ١١٣)، رقم (٩٦٩، ٩٧٠)، و «المعونة» (٢/ ١٨٢، ١٨٣)، و «التاج والإكليل» (٤/ ٢٦١)، و «تحبير المختصر» (٤/ ٣٤٥)، و «شرح مختصر خليل» (٦/ ١٠٩)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ١٢٢، ١٢٣).
وخلَّفَ عليًّا رضي الله عنه ليَردَّها»، ويَجبُ عليه الإِشهادُ في أَصحِّ الوَجهينِ؛ لأنَّ الأَمينَ قد يُنكرُ.
فإنْ دفَعَها إلى الحاكِمِ أو الأَمينِ معَ قُدرتِه على المالِكِ أو وَكيلِه ضمِنَها؛ لعُدولِه عن الواجِبِ عليه، كما لو زوَّجَ الحاكِمُ المَرأةَ معَ وُجودِ وَليِّها.
وكذا إذا دفَعَها إلى أَمينٍ معَ وُجودِ الحاكِمِ الثِّقةِ ضمِنَ في الأَصحِّ؛ لأنَّ عَدالةَ الحاكِمِ مُتفقٌ عليها.
والثانِي: لا يَضمنُ إذا دفَعَها إلى أَمينٍ معَ وُجودِ الحاكِمِ؛ لأنَّه مَعذورٌ أودَعَ أَمينًا، فأشبَهَ ما إذا لمْ يَجدِ المالِكَ ولا وَكيلَه ولا الحاكِمَ فدفَعَ إلى أَمينٍ، فإنَّه لا يَضمنُ.
فإذا خالَفَ وسافَرَ بها فإنْ لمْ يَكنْ به ضَرورةٌ إلى السَّفرِ ضمِنَها، سَواءٌ كانَ السَّفرُ طَويلًا أم قَصيرًا، وسَواءٌ كانَ الطَّريقُ آمنًا أو مَخوفًا؛ لأنَّ أَمنَ السَّفرِ غَيرُ مَوثوقٍ به، فقد يَحدثُ الخَوفُ في الطَّريقِ، ولأنَّ في السَّفرِ بالوَديعةِ معَ التَّغريرِ بها إِحالةً بينها وبينَ مالِكِها بإِبعادِها عنه، وهذا عُدوانٌ، ولأنَّ العُرفَ في حِفظِ الوَدائعِ وإِحرازِها جارٍ في الأَمصارِ دونَ الأَسفارِ، فكانَ الخُروجُ عن العُرفِ فيها عُدوانًا.
وإنْ دعَتْه إلى السَّفرِ ضَرورةٌ بأنْ هجَمَ على البَلدِ فِتنةٌ، أو حَريقٌ، أو غَرقٌ، ولمْ يَجدْ مَنْ يَأمنْ عليها مِنْ ذلك عندَه فله أنْ يُسافرَ بها، ولا يَضمنُ وإنْ كانَ الطَّريقُ مَخوفًا؛ لأنَّ هذا مَوضعُ ضَرورةٍ؛ لأنَّه لا يَتمكنُ مِنْ شيءٍ غيرِ ذلك.
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب الوديعة
مسألة:
السلام - لِرَدِّهَا عَلَى أَهْلِهَا، وَلِأَنَّ بِالنَّاسِ إِلَى التَّعَاوُنِ بِهَا حَاجَةً مَاسَّةً وَضَرُورَةً دَاعِيَةً لِعَوَارِضِ الزَّمَانِ الْمَانِعَةِ مِنَ الْقِيَامِ عَلَى الْأَمْوَالِ، فَلَوْ تَمَانَعَ النَّاسُ فِيهَا لَاسْتَضَرُّوا وَتَقَاطَعُوا.
فَصْلٌ:
فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ ذَلِكَ مِنَ التَّعَاوُنِ الْمَأْمُورِ بِهِ لَمْ يَخْلُ حَالُ مَنِ اسْتَوْدَعَ وَدِيعَةً مِنْ ثَلَاثِ أَحْوَالٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يَعْجِزُ عَنْهَا، وَلَا يَثِقُ بِأَمَانَتِهِ نَفْسِهِ فِيهَا، فَهَذَا لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَقْبَلَهَا.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ أَمِينًا عَلَيْهَا قَادِرًا عَلَى الْقِيَامِ بِهَا وَلَيْسَ غَيْرُهُ مِمَّنْ يَقُومُ بِهَا فَهَذَا مِمَّنْ قَدْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ قَبُولُهَا، وَلَزِمَهُ اسْتِيدَاعُهَا، كَمَا تُعَيَّنُ الشَّهَادَةُ عَلَى الشَّاهِدِ إِذَا لَمْ يُوجَدْ مَنْ يَتَحَمَّلُهَا سِوَاهُ، وَكَمَا يَلْزَمُ الْإِنْسَانَ خَلَاصُ نَفْسٍ يَقْدِرُ عَلَى إِحْيَائِهَا إِذَا لَمْ يُوجَدْ غَيْرُهُ، لِأَنَّ حُرْمَةَ الْمَالِ كَحُرْمَةِ النَّفْسِ.
وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَكُونَ أَمِينًا عَلَيْهَا، وَقَادِرًا عَلَى حِفْظِهَا، وَقَدْ يُوجَدُ غَيْرُهُ مِنَ الْأُمَنَاءِ عَلَيْهَا، فَهَذَا مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ.
فَصْلٌ:
ارجع إلى ما يجوز للمودع أن يفعله وما لا يجوز للاطلاع على جميع المسائل.