التصرف في الوديعة ببيع أو إجارة أو إعارة

الإسلام > الأوقاف والملكية > ما يجوز للمودع أن يفعله وما لا يجوز > التصرف في الوديعة ببيع أو إجارة أو إعارة

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 25 دقيقة قراءة

التصرف في الوديعة ببيع أو إجارة أو إعارة - الأقوال والأدلة

التَّصرفُ في الوَديعةِ ببَيعٍ أو إِجارةٍ أو إِعارةٍ:

التَّصرفُ في الوَديعةِ هو كلُّ عَقدٍ يُنشئُه المُودَعُ ويَكونُ مَحلُّه الوَديعةُ التي عندَه، مثلُ أنْ يَبيعَ الوَديعةَ أو يُؤجرَها أو يُقرضَها أو يُعيرَها أو يَرهنَها، ونحوُ ذلك مما يُعدُّ تَصرفًا.

وهذا التَّصرُّفُ مِنْ المُودَعِ لا يَخلو مِنْ حالتَينِ:

الحالَةُ الأُولى: أنْ يَكونَ بإِذنٍ مِنْ ربِّ الوَديعةِ: فيَصحُّ باتِّفاقٍ، ويَكونُ المُودَعُ في هذه الحالَةِ وَكيلًا عن ربِّ الوَديعةِ، وتَجري عليه أَحكامُ الوِكالةِ، ولا ضَمانَ عليه؛ لأنَّه وَكيلُ ربِّ الوَديعةِ ونائِبُه في التَّصرفِ المَأذونِ له فيه شَرعًا.

الحالَةُ الثانِيةُ: أنْ يَتصرَّفَ فيها ببَيعٍ أو إِجارةٍ أو غَيرِها بغَيرِ إِذنِ ربِّ الوَديعةِ، فهو في هذه الحالَةِ مُتعدٍّ وضامِنٌ لها.

قالَ ابنُ نُجيمٍ الحَنفيُّ رحمة الله عليه: الوَديعةُ لا تُودَعُ ولا تُعارُ ولا تُؤاجرُ ولا تُرهنُ، فإنْ فعَلَ شَيئًا منها ضمِنَ (١).

قالَ الحَنفيةُ: وإنما لمْ يَكنْ للمُودَعِ أنْ يُؤجرَها لأنَّ الإِجارةَ عَقدٌ لازمٌ، والإِيداعُ عَقدٌ جائِزٌ، فإذا كانَ المُستودَعُ مالِكًا الإِجارةَ فإما أنْ يَحصلَ لُزومُ ما لا يَلزمُ -أي أنَّ ذلك يُوجبُ لُزومَ عَقدِ الوَديعةِ معَ كَونِها غيرَ

(١) «البحر الرائق» (٧/ ٢٧٥)، و «مجمع الضمانات» (١/ ١٩٤)، و «ابن عابدين» (٨/ ٣٣٧)، و «الفتاوى الهندية» (٤/ ٣٣٨).

لازمةٍ- أو عَدمُ لُزومٍ، يَعني أنْ تَصيرَ الإِجارةُ غيرَ لازمةٍ معَ أنَّها لازمةٌ، بِناءً عليه فليسَ للمُستودَعِ أنْ يُؤجرَ الوَديعةَ بلا إِذنٍ لأَجلِ مَنافعِ نَفسِه، وليسَ له أنْ يُؤجرَها لأَجلِ المُودِعِ أيضًا، وليسَ له أنْ يُعيرَها؛ لأنَّ المُستودَعَ غيرُ مالِكٍ لمَنافعِ الوَديعةِ، وحيثُ إنَّ الإِعارةَ تَمليكُ المَنافعِ، فليسَ مِنْ المُمكنِ أنْ يَملكَ شَخصٌ شَيئًا لا يَملِكُه.

وليسَ له أنْ يَرهنَها عندَ آخرَ؛ لأنَّ الرَّهنَ إِيفاءٌ حُكمًا، وليسَ لشَخصٍ أنْ يَفيَ دَينَه بمالِ الغيرِ بلا أَمرِ صاحِبِه، وعليه فكما أنَّه ليسَ للمُستودَعِ أنْ يَرهنَ الوَديعةَ بلا إِذنٍ لأَجلِ دَينِ نَفسِه أو دَينِ شَخصٍ أَجنبيٍّ، فليسَ له أنْ يَرهنَها لأَجلِ دَينِ المُودِعِ أَيضًا بلا إِذنٍ؛ لأنَّ الرَّهنَ عَقدٌ لازمٌ، والوَديعةُ ليسَت عَقدًا لازمًا.

فإنِ استَعملَها بلا إِذنٍ أو أَجرَها أو أَعارَها أو رَهنَها وسلَّمَها، وهلَكَت الوَديعةُ أو ضاعَت أو نقَصَت قِيمتُها في أَثناءِ الاستِعمالِ بيدِ المُستودَعِ أو بيدِ المُستأجِرِ أو المُستعيرِ أو المُرتهِنِ -ولو بلا تَعدٍّ أو تَقصيرٍ- لزِمَ الضَّمانَ على المُستودَعِ؛ لأنَّ هذه الأَعمالَ نَظرًا لكَونِها تَصرفًا في مِلكِ الغيرِ بلا إِذنٍ مُوجِبةٌ للضَّمانِ (١).

والمالِكُ بالخِيارِ في هذه الحالِةِ، بينَ تَضمينِ الوَديعِ أو في تَضمينِ المُستأجِرِ أو المُستعيرِ أو المُرتَهنِ.

(١) «مرشد الحيران» (٣/ ١٢١٩، ١٢٢٠).

جاءَ في المادَّةِ (٧١٢) مِنْ «مَجلَّة الأَحكامِ العَدليَّةِ»: ليسَ للمُستودَعِ أنْ يَتصرَّفَ في العَينِ المُودعَةِ عندَه بإِجارةٍ أو إِعارةٍ أو رَهنٍ بلا إِذنِ صاحِبِها، فإنْ فعَلَ ذلك وهلَكَت في يدِ المُستأجِرِ أو المُستعيرِ أو المُرتهِنِ فلمالِكِها الخِيارُ في تَضمينِ المُستودِعِ أو في تَضمينِ المُستأجِرِ أو المُستعيرِ أو المُرتَهنِ.

قالَ في «دُرر الحُكامِ شَرحِ مَجلَّةِ الأَحكامِ»: إذا أَجرَ المُستودَعُ الوَديعةَ بلا إِذنٍ لآخرَ وسلَّمَها فعندَ هَلاكِها بيدِ المُستأجرِ فالمُودَعُ مُخيَّرُ: إنْ شاءَ ضمَّنَها للمُستودَعِ بسَببِ أنَّه كالغاصِبِ وليسَ للمُستودَعِ في هذه الصُّورةِ أنْ يَرجعَ على المُستأجرِ إنْ كانَ هَلاكُها بيدِ المُستأجرِ حصَلَ بلا تَعدٍّ ولا تَقصيرٍ، وإنْ شاءَ ضمَّنَها للمُستأجِرِ بسَببِ أنَّه بحُكمِ غاصِبِ الغاصِبِ.

وإذا أَعارَ المُستودَعُ الوَديعةَ بلا إِذنٍ وهلَكَت بيدِ المُستعيرِ فالمُودِعُ مُخيَّرٌ، إنْ شاءَ ضمَّنَها للمُستودَعِ، وفي هذه الحالَةِ ليسَ للمُستودَعِ أنْ يَرجعَ على المُستعيرِ إذا كانَ هَلاكُها بلا تَعدٍّ ولا تَقصيرٍ لأنَّ المُستودَعَ مالِكٌ للمُستعارِ بسَببِ الضَّمانِ والمُستعارُ أَمانةٌ بيدِ المُستعيرِ، وإنْ شاءَ ضمَّنَها للمُستعيرِ وليسَ لهذا -والحالَةُ هذه- أنْ يَرجعَ على المُستودَعِ.

وإذا رهَنَ المُستودَعُ الوَديعةَ بلا إِذنٍ عندَ آخرَ ولمْ يُجزِ المُودِعُ الرَّهنَ فإنْ كانَت الوَديعةُ مَوجودةً فكما له أنْ يَستردَّها عَينًا مِنْ المُرتَهنِ يَكونُ المُودِعُ مُخيَّرًا إذا هلَكَت، إنْ شاءَ ضمَّنَها للمُستودَعِ وليسَ لهذا في تلك الحالَةِ أنْ يُضمِّنَ المُرتهنَ قِيمتَها بالِغًا ما بلَغَ، بل يَسقطُ الدَّينُ بتَقديرِ هَلاكِ

الوَديعةِ بلا تَعدٍّ بيدِ المُرتهنِ، وإنْ شاءَ ضمَّنَها للمُرتهنِ، وإذا ضمَّنَها للمُرتهنِ يَرجعُ المُرتهنُ على المُستودَعِ.

إذا باعَ المُستودَعُ الوَديعةَ بلا إِذنٍ لآخرَ وهلَكَت بعدَ التَّسليمِ بيدِ المُشتَري فالمُودِعُ مُخيَّرُ، إنْ شاءَ ضمَّنَها للمُستودَعِ، فيَنفذُ البَيعُ في تلك الحالَةِ، وإنْ شاءَ ضمَّنَها للمُشتَري وهو يَرجعُ على المُستودَعِ.

إذا وهَبَ المُستودَعُ الوَديعةَ بلا إِذنٍ لآخرَ وسلَّمَها فهلَكَت بيدِ المَوهوبِ له فالمُودِعُ مُخيَّرٌ، إنْ شاءَ ضمَّنَ المُستودَعَ وليسَ للمُستودَعِ -والحالَةُ هذه- أنْ يَرجعَ على المَوهوبِ له، وإنْ شاءَ ضمَّنَ المَوهوبَ له وليسَ له أنْ يَرجعَ على المُستودَعِ (١).

إلا أنَّ الفُقهاءَ اختلَفُوا فيما لو أجَّرَ العَينَ المُودعةَ لمَن تَكونُ الأُجرةُ؟، هل تَكونُ لربِّ الوَديعةِ أم للمُودَعِ؟ وكذلك لو باعَها فربِحَ؟

فذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّ الأُجرةَ تَكونُ للمُودَعِ مُقابلَ ضَمانِه للوَديعةِ (٢).

قالَ الإِمامُ السَّرخسيُّ رحمة الله عليه: ولو أَكرى الإِبلَ-أي المُودَعةَ- إلى مَكةَ وأخَذَ الكِراءَ كانَ الكِراءُ له؛ لأنَّه وجَبَ بعَقدِه، وليسَت الغَلةُ كالولَدِ ولا كالصُّوفِ واللَّبنِ، فإنَّ ذاك يَتولدُ مِنْ الأَصلِ فيُملكُ بمِلكِ الأَصلِ، وهذا غيرُ مُتولِّدٍ مِنْ الأَصلِ، بل هو واجبٌ بالعَقدِ فيَكونُ للعاقِدِ (٣).

(١) «درر الحكام» (٢/ ٢٦٩، ٢٧٠).
(٢) «المبسوط» (١١/ ١٢٦).
(٣) «المبسوط» (١١/ ١٢٦).

ويَنبَغي أنْ يَجريَ الخِلافُ السابِقُ في مَسألةِ إذا اتَّجرَ بمالِ الوَديعةِ فربِحَ، فعندَ أَبي يُوسفَ يَطيبُ للمُودَعِ، وعندَ أَبي حَنيفةَ ومُحمَّدٍ هو للمُودَعِ لكنْ لا يَطيبُ له ويَجبُ عليه أنْ يَتصدَّقَ به، وقد تقَدمَت المَسألَةُ بالتَّفصيلِ وبأَقوالِ العُلماءِ فيها، وهو ما وجَدتُه مُصرَّحًا به في بَيعِ المُودَعِ للوَديعةِ، كما في «المُحيطِ البُرهانيِّ» للإِمامِ بُرهانِ الدِّينِ ابنِ مازةَ حيثُ قالَ: وأَصلُ المَسألةِ: المُودَعُ إذا باعَ الوَديعةَ وربِحَ ثُم ضمِنَ هل يَطيبُ له الرِّبحُ؟ فهو على هذا الاختِلافِ.

أي عندَ أَبي حَنيفةَ ومُحمَّدٍ لا يَطيبُ له الرِّبحُ؛ لأنَّ شَرطَ الطَّيبِ عندَهما المِلكُ والضَّمانُ، والضَّمانُ ههنا وإنْ كانَ واجبًا وَقتَ المُبادلةِ فالمِلكُ لمْ يَكنْ.

وعندَ أَبي يُوسُفَ يَطيبُ له الرِّبحُ؛ لأنَّ شَرطَ الطِّيبِ الضَّمانُ ليس غيرُ، وقد وُجدَ ذلك ههنا (١).

وأما المالِكيةُ فقالُوا: مَنْ استُودِعَ إبلًا مِثلًا أو دابَّةً أو سَفينةً فتَعدَّى عليها وأَكراها لمَكةَ مَثلًا ورجِعَت بحالِها مِنْ غيرِ نَقصٍ في ذاتِها مِثلُ ما كانَت عليه يَومَ الإِيداعِ إلا أنَّه حبَسَها عن أَسواقِها -سَواءٌ كانَت للتِّجارةِ أو للقِنيةِ- بأنْ كانَت زَمنَ غَيبتِها غاليةً فربُّ الوَديعةِ مُخيَّرٌ بينَ أَمرينِ:

الأَولُ: أنْ يَأخذَ قِيمتَها يَومَ كِرائِها؛ لأنَّه يَومُ التَّعدِّي، ولا كِراءَ له معَ أَخذِ القِيمةِ.

(١) «المحيط البرهاني» (٥/ ٤٥٦).

والثانِي: له أنْ يَأخذَ الكِراءَ والدابَّةَ، لكنْ يَكونُ عليه نَفقتُها.

وكذلك الحُكمُ في المُستعيرِ وفي المُكتَري يَتعدَّيانِ المَسافةَ المُشترطَةَ، فيُخيَّرُ ربُّها إنْ شاءَ أخَذَها وأخَذَ أُجرةَ المَسافةِ التي تَعدَّى بها، وعليه حينَئذٍ نَفقتُها، فإنْ زادَت نَفقتُها عن الكِراءِ فلا يَغرمُ ربُّها شَيئًا ولا يَأخذُ معها شَيئًا، أو يَأخذُ قِيمتَها يَومَ كِرائِها.

وهذا إذا رجِعَت بحالِها، أما لو حصَلَ فيها تَغيرٌ فنقَصَها فربُّها مُخيَّرٌ بينَ ثَلاثةِ أُمورٍ، سَواءٌ حبَسَها عن أَسواقِها أم لا:

الأَولُ: يُخيَّرُ ربُّها بينَ أَخذِها وما نقَصَها.

والثانِي: أو أَخذِ الكِراءِ.

والثالث: أو تَضمينِه قِيمتَها يَومَ الكِراءِ؛ لأنَّه يَومُ التَّعدِّي.

وأما إنْ تلِفَت فلربِّها القِيمةُ يَومَ الكِراءِ لأنَّه يَومُ التَّعدِّي، ولا كِراءَ لها ولو كانَ أَكثرَ مِنْ القِيمةِ، إلا إذا أرادَ المُودَعُ دَفعَ الكِراءِ له (١).

وجاءَ في «المُدوَّنة الكُبرى»: قُلت: أَرأيتَ إنِ استَودعَني إِبلًا فأَكريْتُها إلى مَكةَ، أيَكونُ لربِّها من الكِراءِ شَيءٌ أم لا؟

قالَ: كلُّ ما كانَ أَصلُه أَمانةً فأَكْراه فربُّه مُخيَّرٌ إنْ سلِمَت الإِبلُ ورجِعَت بحالِها، في أنْ يَأخذَ كِراءَها ويَأخذَ الإِبلَ، وفي أنْ يَتركَها له ويُضمِّنَه قِيمتَها ولا

(١) «التاج والإكليل» (٤/ ٢٧٢)، و «شرح مختصر خليل» (٦/ ١١٥)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ١٣٣)، و «تحبير المختصر» (٤/ ٣٥٥)، و «منح الجليل» (٧/ ٢٧).

شَيءَ له مِنْ الكِراءِ إذا كانَ قد حبَسَها عن أَسواقِها ومَنافعِه بها، وهذا بمَنزلةِ رَجلٍ أعارَه رَجلٌ دابَّةً أو أَكْراه دابَّةً إلى مَوضعٍ مِنْ المَواضعِ فتَعدَّى عليها؛ لأنَّ أَصلَ هذا كلَّه لمْ يَضمنْه إلا بتَعدِّيه فيه، فهذا كلُّه بابٌ واحدٌ، وهذا في الوَديعةِ وفي الدَّينِ على نَحوِ قَولِ مالِكٍ في الذي يَستعيرُ الدابَّةَ فيَتعدَّى، وعلى الذي يَتكارى الدابَّةَ فيَتعدَّى عليها، وهذا في الكِراءِ والعارِيةِ قَولُ مالِكٍ (١).

وقالَ المالِكيةُ أَيضًا: إنْ باعَ المُودَعُ الوَديعةَ بغيرِ إِذنِ مالِكِها وهي عَرضٌ فربُّها مُخيَّرٌ عند عَدمِ فَواتِها في إِجازةِ البَيعِ وأَخذِ الثَّمنِ الذي بِيعَت به، أو ردِّ البَيعِ وأَخذِ سِلعتِه.

وأما عندَ فَواتِها فيُقضَى له بأَخذِ الأَكثرِ مِنْ الثَّمنِ أو قِيمتِها يَومَ التَّعدِّي؛ لأنَّه فُضوليٌّ، ومِثلُه كلُّ مُتعدٍّ بالبَيعِ على سِلعةِ غيرِه ولو غاصبًا، وهكذا حُكمُ بَيعِ الوَديعةِ مِنْ غيرِ اتِّجارٍ في ثَمنِها.

وأما لو باعَها على وَجهِ التِّجارةِ ففي بَيعِها تَفصيلٌ مُحصَّلُه: إنْ باعَها بعَرضٍ والعَرضُ بعَرضٍ وهلمَّ جرًّا فلا رِبحَ له وله الأَجرُ، وإنْ باعَها بدَراهمَ فالرِّبحُ الكائِنُ في ثَمنِها لربِّها، مِثالُ ذلك أنْ يُودعَه سِلعةً اشتَراها بعَشرةٍ فباعَها بعِشرينَ فربُّها له إِجازةُ البَيعِ وأَخذُ العِشرينَ أو ردُّ البَيعِ وأَخذُ سِلعتِه، وبعدَ الفَواتِ يُخيَّرُ بينَ الإِجازةِ وأَخذِ ما بِيعَت به أو تَضمينِه القِيمةَ يَومَ بَيعِها، والمُرادُ أنَّ له الأَكثرَ مِنْ الثَّمنِ والقِيمةِ، والظاهِرُ مِنْ كَلامِ أَهلِ المَذهبِ أنَّه لا أَجرَ له في البَيعِ لأنَّه مُتعدٍّ به، ولعلَّ الفَرقَ بينَ هذا وبينَ المتَّجِرِ

(١) «المدونة الكبرى» (١٥/ ١٥٧).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الوديعة
فصل في بيان ما يغير حال الوديعة من الأمانة إلى الضمان

الْمُودَعَ بَعْدَ الصُّلْحِ، وَإِنْ لَمْ يَصْطَلِحَا وَادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّ الْأَلْفَ لَهُ، لَا يَدْفَعُ إلَى أَحَدِهِمَا شَيْئًا؛ لِجَهَالَةِ الْمُقِرِّ لَهُ الْوَدِيعَةِ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَسْتَحْلِفَ الْمُودَعَ فَإِنْ اسْتَحْلَفَهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، فَالْأَمْرُ لَا يَخْلُو، إمَّا أَنْ يَحْلِفَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَإِمَّا أَنْ يَنْكُلَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَإِمَّا أَنْ يَحْلِفَ لِأَحَدِهِمَا وَيَنْكُلَ لِلْآخَرِ، فَإِنْ حَلَفَ لَهُمَا فَقَدْ انْقَطَعَتْ خُصُومَتُهُمَا لِلْحَالِ إلَى وَقْتِ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ، كَمَا فِي سَائِرِ الْأَحْكَامِ، وَهَلْ يَمْلِكَانِ الِاصْطِلَاحَ عَلَى أَخْذِ الْأَلْفِ بَيْنَهُمَا بَعْدَ الِاسْتِحْلَافِ، فَهُوَ عَلَى الِاخْتِلَافِ، وَالْمَعْرُوفُ بَيْنَ، أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَبِي يُوسُفَ، وَبَيْنَ مُحَمَّدٍ، عَلَى قَوْلِهِمَا لَا يَمْلِكَانِ وَعَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ يَمْلِكَانِ وَهِيَ مَسْأَلَةُ الصُّلْحِ بَعْدَ الْحَلِفِ، وَقَدْ مَرَّتْ فِي كِتَابِ الصُّلْحِ.

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب الوديعة
مسألة:

السلام - لِرَدِّهَا عَلَى أَهْلِهَا، وَلِأَنَّ بِالنَّاسِ إِلَى التَّعَاوُنِ بِهَا حَاجَةً مَاسَّةً وَضَرُورَةً دَاعِيَةً لِعَوَارِضِ الزَّمَانِ الْمَانِعَةِ مِنَ الْقِيَامِ عَلَى الْأَمْوَالِ، فَلَوْ تَمَانَعَ النَّاسُ فِيهَا لَاسْتَضَرُّوا وَتَقَاطَعُوا.

فَصْلٌ:

فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ ذَلِكَ مِنَ التَّعَاوُنِ الْمَأْمُورِ بِهِ لَمْ يَخْلُ حَالُ مَنِ اسْتَوْدَعَ وَدِيعَةً مِنْ ثَلَاثِ أَحْوَالٍ:

أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يَعْجِزُ عَنْهَا، وَلَا يَثِقُ بِأَمَانَتِهِ نَفْسِهِ فِيهَا، فَهَذَا لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَقْبَلَهَا.

وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ أَمِينًا عَلَيْهَا قَادِرًا عَلَى الْقِيَامِ بِهَا وَلَيْسَ غَيْرُهُ مِمَّنْ يَقُومُ بِهَا فَهَذَا مِمَّنْ قَدْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ قَبُولُهَا، وَلَزِمَهُ اسْتِيدَاعُهَا، كَمَا تُعَيَّنُ الشَّهَادَةُ عَلَى الشَّاهِدِ إِذَا لَمْ يُوجَدْ مَنْ يَتَحَمَّلُهَا سِوَاهُ، وَكَمَا يَلْزَمُ الْإِنْسَانَ خَلَاصُ نَفْسٍ يَقْدِرُ عَلَى إِحْيَائِهَا إِذَا لَمْ يُوجَدْ غَيْرُهُ، لِأَنَّ حُرْمَةَ الْمَالِ كَحُرْمَةِ النَّفْسِ.

وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَكُونَ أَمِينًا عَلَيْهَا، وَقَادِرًا عَلَى حِفْظِهَا، وَقَدْ يُوجَدُ غَيْرُهُ مِنَ الْأُمَنَاءِ عَلَيْهَا، فَهَذَا مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ.

فَصْلٌ:

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الوديعة
١٠٧٤ - مسألة؛ قال: (ومن أودع شيئا، فأخذ بعضه، ثم رده أو مثله، فضاع الكل، لزمه مقدار ما أخذ

وهو العِلْمُ بعَيْنِ المالكِ، فكَفَاه يمينٌ واحدةٌ، كما لو ادَّعَياها فأقَرَّ بها لأحَدِهِما، ويُفارِقُ ما إذا أَنْكَرَهَا ؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما يَدَّعِى عليه أنَّها له، فهما دَعْوَيانِ، فإنَّ حَلَفَ أُقْرِعَ بينهما، فمن قَرَعَ صاحِبَه حَلَفَ، وسُلِّمَتْ إليه. وقال الشَّافعىُّ: يَتَحالفانِ، ويُوقَف الشىءُ بينَهما حتَّى يَصْطَلِحَا. وهو قولُ ابنِ أبى لَيْلَى؛ لأنَّه لا يَعْلَمُ المالِكَ منهما. وللشَّافِعىِّ قولٌ آخرُ، أنَّها تُقْسَمُ بيهما، كما لو أَقَرَّ بها لهما. وهذا الذى حَكاه ابنُ المُنْذِرِ عن ابنِ أبِى لَيْلَى، وهو قولُ أبى حنيفةَ وصاحِبَيْه فيما حُكِىَ عنهم، قالوا: ويَضْمَنُ المُسْتَوْدَعُ نِصْفَها لكلِّ واحدٍ منهما؛ لأنَّه فَوَّتَ ما اسْتُودِعَ بجَهْلِه. ولَنا، أنَّهما تَساوَيا فى الحَقِّ فيما ليس بأَيْديِهما ، فوَجَبَ أن يُقْرَعَ بينهما، كالعَبْدَيْنِ إذا أعْتَقَهُما فى مَرَضِه فلم يَخْرُجْ من الثُّلُثِ إلَّا أحَدُهما، أو كما لو أرادَ السَّفَرَ بإحْدَى نِسائِه. وقولُ أبى حنيفةَ ليس بصَحِيحٍ؛ فإنَّ العَيْنَ لم تَتْلَفْ، ولو تَلِفَتْ بغيرِ تَفْريطٍ منه فلا ضَمانَ عليه، ليس فى جَهْلِه تَفْرِيطٌ، إذ ليس فى وُسْعِه أن لا يَنْسَى ولا يَجْهَلَ.

١٠٧٤ - مسألة؛ قال: (وَمَنْ أُودِعَ شيْئًا، فَأَخَذَ بَعْضَهُ، ثُمَّ رَدَّهُ أو مِثْلَهُ، فَضَاعَ الْكُلُّ، لَزِمَهُ مِقْدَارُ ما أَخَذَ)

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 110 - 116

ارجع إلى ما يجوز للمودع أن يفعله وما لا يجوز للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.4 / 29.5
الإضاءة 39%
البدر بعد 8 يوم
سبحان الله وبحمده