الاحتمال الثاني: أن يكون هناك عذر من تلف أو غيره فيضطر إلى نقلها

الإسلام > الأوقاف والملكية > ما يجوز للمودع أن يفعله وما لا يجوز > الاحتمال الثاني: أن يكون هناك عذر من تلف أو غيره فيضطر إلى نقلها

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 13 دقيقة قراءة

الاحتمال الثاني: أن يكون هناك عذر من تلف أو غيره فيضطر إلى نقلها - الأقوال والأدلة

حِرزِها أو لمَا هو أَحرزُ أنَّه ضامِنٌ لها؛ لأنَّه خالَفَ أَمرَ صاحِبِها بلا مَصلحةٍ فيه فيَضمنُ، فلا يَجوزُ تَفويتُ غَرضِ ربِّ الوَديعةِ مِنْ تَعيينِه لغيرِ ضَرورةٍ (١).

وذهَبَ الحَنفيةُ وأَبو سَعيدٍ الإِصطخريُّ مِنْ الشافِعيةِ إلى أنَّ ربَّ الوَديعةِ لو نَهاه عن إِخراجِها مِنْ المَكانِ الذي عيَّنَه له فنقَلَها إلى مَكانٍ مُساوٍ له في الحِرزِ أو أَعلى منه فلا ضَمانَ عليه؛ لأنَّه نقَلَها إلى مِثلِ الحِرزِ المُعيَّنَ أو إلى ما هو أَحرزُ منه، فهو كما لو نَهاه عن النَّقلِ، أما عن نَقلِها إلى حِرزٍ أَقلَّ منه فيَضمنُ بلا خِلافٍ (٢).

الاحتِمالُ الثانِي: أنْ يَكونَ هناك عُذرٌ مِنْ تَلفٍ أو غيرِه فيَضطرُّ إلى نَقلِها:

نصَّ الشافِعيةُ والحَنابِلةُ على أنَّ ربَّ الوَديعةِ إذا عيَّنَ للمُودَعِ مَكانَ حِفظِ الوَديعةِ ونَهاه عن إِخراجِها منه فخشِيَ المُودَعُ عليها التَّلفَ بسَببِ

(١) «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ١٢١)، و «المهذب» (١/ ٣٥٦)، و «الحاوي الكبير» (٨/ ٣٦٨، ٣٦٩)، و «البيان» (٦/ ٤٧٧)، و «النجم الوهاج» (٦/ ٣٥٦، ٣٥٧)، و «مغني المحتاج» (٤/ ١٣٩، ١٤٠)، و «تحفة المحتاج» (٨/ ٣٢٤، ٣٢٦)، و «نهاية المحتاج» (٦/ ١٣٨، ١٣٩)، و «الديباج» (٣/ ١١٣)، و «المغني» (٦/ ٣٠٣، ٣٠٤)، و «كشاف القناع» (٤/ ٢٠٥، ٢٠٦)، و «شرح منتهى الإرادات» (٢٣٤، ٢٣٥).
(٢) «بدائع الصنائع» (٦/ ٢١٠)، و «الهداية» (٣/ ٢١٨)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ١٦١، ١٦٢)، و «اللباب» (١/ ٦٤٨، ٦٤٩)، و «الاختيار» (٣/ ٣٢)، و «المهذب» (١/ ٣٥٦)، و «البيان» (٦/ ٤٧٧).

حَريقٍ أو شَيءٍ الغالِبُ منه التَّلفُ لزِمَه نَقلُها، فإنْ لمْ يَنقلْها في هذه الحالَةِ وترَكَها في الحِرزِ الذي عيَّنَه ربُّها ونَهاه عن إِخراجِها منه حتى تلِفَت لزِمَه الضَّمانُ، سَواءٌ تلِفَت بالأَمرِ المَخوفِ منه أو غيرِه؛ لأنَّه مُفرِّط به (١).

قالَ الإِمامُ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: ربُّ الوَديعةِ إذا أمَرَ المُستودَعَ بحِفظِها في مَكانٍ عيَّنَه فحفِظَ فيه ولمْ يَخشَ عليها فلا ضَمانَ عليه بغيرِ خِلافٍ؛ لأنَّه مُمتثِلٌ لأَمرِه غيرُ مُفرِّط في مالِه.

وإنْ خافَ عليها سَيلًا وتوًى -يَعني هلاكًا- فأخرَجَها منه إلى حِرزِها فتلِفَت فلا ضَمانَ عليه بغيرِ خِلافٍ أَيضًا؛ لأنَّ نَقلَها في هذه الحالِ تعيَّنَ حِفظًا لها، وهو مَأمورٌ بحِفظِها.

وإنْ ترَكَها معَ الخَوفِ فتلِفَت ضمِنَها، سَواءٌ تلِفَت بالأَمرِ المَخوفِ أو بغيرِه؛ لأنَّه فرَّطَ في حِفظِها؛ لأنَّ حِفظَها نَقلُها وتَركُها تَضييعٌ لها.

وإنْ لمْ يَخفْ عليها فنقَلَها عن الحِرزِ إلى دونِه ضمِنَها؛ لأنَّه خالَفَه في الحِفظِ المَأمورِ به.

(١) قالَ ابنُ المنذرِ رحمة الله عليه في الإشراف» (٦/ ٣٤٤): واختلَفوا في الحريقِ تقعُ في البيتِ، ويمكنُ المودعَ إخراجُ الوديعةِ من مكانِها فلم يفعلْ.
فقالَ قائلٌ: يضمنُ؛ لأنه كأنه أتلَفه؛ لأنه أُمر بحفظِه، وهذا مضيعٌ، وهذا يُشبُه مذهبَ الشافعيِّ؛ لأنه قالَ: من استُودعَ دَوابًّا، فلم يعلفْها حتى تلِفَت: ضمِنَ.
وقالَ آخرُ: لا ضمانَ عليه؛ لأن النارَ أتلفَتْها، وهذا كالرجلِ المسلمِ تُحيطُ به النارُ، ورجلٌ مسلمٌ قادرٌ على إخراجِه، فلم يفعلْ: فهو عاصٍ، ولا عقلَ عليه ولا قودَ.

وإنْ نقَلَها إلى دونِه عندَ الخَوفِ عليها نظَرْنا، فإنْ أمكَنَه إِحرازُها بمِثلِه أو أَعلى منه ضمِنَها أيضًا لتَفريطِه، وإنْ لمْ يُمكنْه إِحرازُها إلا بما دونَه لمْ يَضمنْها؛ لأنَّ إِحرازَها بذلك أَحفظُ لها مِنْ تَركِه، وليسَ في وُسعِه سِواه (١).

ولو قالَ له ربُّها: «لا تُخرِجْها مِنْ ذلك الحِرزِ وإنْ خِفْت عليها الهَلاكَ» جازَ له أنْ يُخرجَها في هذه الحالَةِ لأنَّه مَوضعُ عُذرٍ، فلا يَضمنُ بالنَّقلِ؛ لأنَّه زيادةُ خَيرٍ وحِفظٍ فلمْ يَضمنْ به، كما لو قالَ له: «أَتلِفْها» فلمْ يُتلفْها حتى تلِفَت.

إلا أنَّهم اختلَفُوا فيما إذا لمْ يَنقلْها المُودَعُ في هذه الحالِةِ فتلِفَت، هل يَضمنُها أم لا؟ في ذلك وَجهانِ عندَ الشافِعيةِ والحَنابِلةِ.

أَحدُهما وهو الصَّحيحُ عندَهما: أنَّه لا يَضمنُ؛ لأنَّه مُمتثلٌ أَمرَ ربِّها فيما فعلَ؛ لأنَّ نَهيَه معَ خَوفِ الهَلاكِ نصٌّ فيه وتَصريحٌ به، فيَكونُ مَأذونًا في تَركِها في تلك الحالِ، فلمْ يَضمنْها لامتِثالِه أَمرَ صاحبِها، كما لو قالَ له: «أَتلِفْها» فأتلَفَها.

والثانِي: يَضمنُ؛ لأنَّه غرَّرَ بها حيثُ ترَكَ نَقلَها معَ الخَوفِ عليها؛ لأنَّ نَهيَ صاحبِها عن إِخراجِها إنما كانَ لحِفظِها، وحِفظُها هنا في إِخراجِها، فأشبَهَ ما لو لمْ يَنهَه عن إِخراجِها (٢).

(١) «المغني» (٦/ ٣٠٣)، و «كشاف القناع» (٤/ ٢٠٥، ٢٠٦)، و «مطالب أولي النهى» (٤/ ١٥٠، ١٥١).
(٢) «المهذب» (١/ ٣٥٩، ٣٦٠)، و «الحاوي الكبير» (٨/ ٣٦٨، ٣٦٩)، و «البيان» (٦/ ٤٧٧)، و «النجم الوهاج» (٦/ ٣٥٦، ٣٥٧)، و «مغني المحتاج» (٤/ ١٣٩، ١٤٠)، و «تحفة المحتاج» (٨/ ٣٢٤، ٣٢٦)، و «نهاية المحتاج» (٦/ ١٣٨، ١٣٩)، و «الديباج» (٣/ ١١٣)، و «المغني» (٦/ ٣٠٣، ٣٠٤)، و «كشاف القناع» (٤/ ٢٠٥، ٢٠٦)، و «شرح منتهى الإرادات» (٢٣٤، ٢٣٥).

ومَذهبُ الحَنفيةِ في هذا أنَّه يَتعيَّنُ عليه نَقلُها إذا خافَ عليها التَّلفَ.

قالَ الإِمامُ الكاسانِيُّ رحمة الله عليه: وأما بَيانُ ما يُغيِّرُ حالَ المَعقودِ عليه مِنْ الأَمانةِ إلى الضَّمانِ فأَنواعٌ:

منها: تَركُ الحِفظِ؛ لأنَّه بالعَقدِ التزَمَ حِفظَ الوَديعةِ على وَجهٍ لو ترَكَ حِفظَها حتى هلَكَت يَضمنُ بَدلَها، وذلك بطَريقِ الكَفالةِ، ولهذا لو رَأى إِنسانًا يَسرقُ الوَديعةَ وهو قادِرٌ على مَنعِه ضمِنَ لتَركِ الحِفظِ المُلتزَمِ بالعَقدِ، وهو مَعنى قَولِ مَشايخِنا: «إنَّ المُودَعَ يُؤخَذُ بضَمانِ العَقدِ» (١).

وقالَ أَبو مُحمَّدِ بنِ غانِمٍ بنِ مُحمَّدٍ البَغدادِيُّ الحَنفيُّ رحمة الله عليه: أُحرقَ بَيتُ المُودَعِ فلمْ يَنقلِ الوَديعةَ إلى مَكانٍ آخرَ معَ إِمكانِه يَضمنُ إذا تمكَّنَ مِنْ حِفظِها بنَقلِها إلى مَكانٍ آخرَ (٢).

(١) «بدائع الصنائع» (٦/ ٢١١).
(٢) «مجمع الضمانات» (١/ ٢١٢)، و «تنقيح الفتاوى الحامدية» (٥/ ١٥٥).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الغصب
٨٦٦ - مسألة؛ قال: (وإن كان الغاصب باعها، فوطئها المشترى، وأولدها، وهو لا يعلم، ردت الجارية

لِمَوْضِعِ الشُّبْهةِ. وإن وَضَعَتْهُ مَيِّتًا، لم يَضْمَنْهُ؛ لأنَّه لم يَعْلَمْ حَيَاتَه، ولأنَّه لم يَحُلْ بينَه وبينَه، وإنما وَجَبَ تَقْوِيمُه لأَجْلِ الحَيْلُولَةِ. وإن وَضَعَتْه حَيًّا، فعليه قِيمَتُه يومَ انْفِصَالِه؛ لأنَّه فَوَّت عليه رِقَّهُ باعْتِقَادِه، ولا يُمْكِنُ تَقْوِيمُه حَمْلًا، فَقُوِّمَ عليه أَوَّلَ حالِ انْفِصَالِه؛ لأنَّه أَوَّلُ، حال إمْكَانِ تَقْوِيمِه، ولأنَّ ذلك وَقْتُ الحَيْلُولَةِ بينَه وبينَ سَيِّدِه. وإن ضَرَبَ الغاصِبُ بَطْنَها، فأَلْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا، فعليه غُرَّةُ عَبْدٍ أو أَمَةٍ، قِيمَتُها خَمْسٌ من الإِبلِ، مَوْرُوثَةً عنه، لا يَرِثُ الضّارِبُ منها شيئا؛ لأنَّه أتْلَفَ جَنِينًا حُرًّا، وعليه لِلسَّيِّدِ عُشْرُ قِيمَةِ أُمِّهِ؛ لأنَّ الإِسْقاطَ لمَّا اعْتَقَبَ الضَّرْبَ، فالظاهِرُ حُصُولُه به، وضَمَانُه لِلسَّيِّدِ ضَمَانُ المَمَالِيكِ، ولهذا لو وَضَعَتْهُ حَيًّا قَوَّمْناهُ مَمْلُوكًا. وإن كان الضارِبُ أَجْنَبِيًّا، فعليه غُرَّةُ دِيَةِ الجَنِينِ الحُرِّ لأنَّه مَحْكُومٌ بِحُرِّيَّتِه، وتكونُ مَوْرُوثَةً عنه، وعلى الغاصِبِ لِلسَّيِّدِ عُشْرُ قِيمَةِ أُمِّهِ؛ لأنَّه يَضْمَنُه ضَمَانَ المَمَالِيكِ، وقد فَوَّتَ رِقَّه على السَّيِّدِ، وحَصَلَ التَّلَفُ في يَدَيْهِ. والحُكْمُ في المَهْرِ، والأَرْشِ، والأَجْرِ، ونَقْصِ الوِلَادَةِ، وقِيمَتِها إِن تَلِفَتْ ، ما مَضى إذا كانا عَالِمَيْنِ؛ لأنَّ هذه حُقُوقُ الآدَمِيِّينَ، فلا تَسْقُطُ بالجَهْلِ والخطَإِ، كالدِّيَةِ.

٨٦٦ - مسألة؛ قال: (وَإِنْ كَانَ الْغَاصِبُ بَاعَهَا، فوَطِئَها المُشْتَرِى، وأَوْلَدَهَا، وَهُوَ لا يَعْلَمُ، رُدَّتِ الْجَارِيَةُ إلى سَيِّدِها، ومَهْرُ مِثْلِهَا، وفَدَى أوْلَادَه بمِثْلِهمْ، وَهُمْ أَحْرَارٌ، ورَجَعَ بِذلكِ كُلِّهِ عَلَى الْغاصِبِ)

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 98 - 101

ارجع إلى ما يجوز للمودع أن يفعله وما لا يجوز للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.7 / 29.5
الإضاءة 43%
البدر بعد 8 يوم
سبحان الله وبحمده