الحالة الثالثة: أن يودعها عند أجنبي وهذا لا يخلو من صورتين

الإسلام > الأوقاف والملكية > ما يجوز للمودع أن يفعله وما لا يجوز > الحالة الثالثة: أن يودعها عند أجنبي وهذا لا يخلو من صورتين

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 9 دقيقة قراءة

الحالة الثالثة: أن يودعها عند أجنبي وهذا لا يخلو من صورتين - الأقوال والأدلة

الحالَةُ الثالِثةُ: أنْ يُودعَها عندَ أَجنبيٍّ وهذا لا يَخلو مِنْ صُورتينِ:

الصُّورَةُ الأُولى: أنْ يُودعَها عندَ أَجنبيٍّ لغيرِ عُذرٍ:

اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأَربعةِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ على أنَّ المُودَعَ لا يَجوزُ له أنْ يُودِعَ الوَديعةَ عندَ أَجنبيٍّ لغيرٍ عُذرٍ وإنْ كانَ الأَجَنبيُّ أَمينًا إذ لمْ يَرضَ ربُّها إلا بأَمانتِه؛ لأنَّ الشَّيءَ لا يَتضمنُ مِثلَه، كالوَكيلِ لا يُوكلُ غيرَه، فإنْ أودَعَ الوَديعةَ عندَ أَجنبيٍّ صارَ ضامنًا لها؛ لأنَّه رضِيَ بيدِه لا بيدِ غيرِه، والأَيدي تَختلفُ في الأَمانةِ فضمِنَها كما لو نَهاه عن إِيداعِها، فإنَّه أمَرَه بحِفظِها بنَفسِه ولمْ يَرضَ لها غيرَه فصارَ ضامنًا، وذلك لأنَّ المُودَعَ مُراعى في الوَديعةِ، لاختِلافِ الناسِ في الحِفظِ والأَمانةِ، وقد يَرضى المُودِعُ بإِيداعِ مالِه عندَ شَخصٍ دونَ آخرَ، فإذا فعَلَ المُودَعُ ذلك ودفَعَ الوَديعةَ إلى أَجنبيٍّ فقد صارَ تارِكًا للحِفظِ الذي التزَمَه، مُستحفِظًا عليه غيرَه، فيَكونُ ضامِنًا لأنَّ المُودِعَ لمْ يَرضَ به فيَكونُ ضامنًا.

إلا أنَّ الفُقهاءَ اختلَفُوا في هذه الحالَةِ إذا أودَعَها عندَ أَجنبيٍّ لغيرِ عُذرٍ فضاعَت عندَه على مَنْ يَكونُ الضَّمانُ؟ هل على الأوَّلِ؟ أم له أنْ يُضمِّنَ أيَّهما شاءَ؟

فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ والصَّاحبانِ مِنْ الحَنفيةِ أَبو يُوسفَ ومُحمدٌ إلى أنَّ للمالِكِ تَضمينَ أيِّهما شاءَ، إنْ شاءَ ضمَّنَ الأَولَ وإنْ شاءَ ضمَّنَ الثانِي، فإنْ ضمَّنَ الأَولَ لا يَرجعُ بالضَّمانِ على الثانِي، وإنْ ضمَّنَ الثانِي يَرجعُ به على الأَولِ، وذلك لأنَّه

وُجدَ مِنْ كلِّ واحدٍ منهما سَببُ وُجوبِ الضَّمانِ، أما الأَولُ فلأنَّه دفَعَ مالَ الغيرِ إلى غيرِه بغيرِ إِذنِه، وأما الثانِي فلأنَّه قبَضَ مالَ الغيرِ بغيرِ إذنِه، وكلُّ واحدٍ منهما سَببٌ لوُجوبِ الضَّمانِ، فيُخيَّرُ المالِكُ، إنْ شاءَ ضمَّنَ الأَولَ وإنْ شاءَ ضمَّنَ الثانِي كمُودعِ الغاصِبِ معَ الغاصِبِ، غيرَ أنَّه إنْ ضمَّنَ الأَولَ لا يَرجعُ بالضَّمانِ على الثَّاني؛ لأنَّه ملَكَ الوَديعةَ بأَداءِ الضَّمانِ، فتبَيَّن أنَّه أودَعَ مالَه نفسَه إيَّاه، فهذا مُودَعٌ هلَكَت الوَديعةُ في يدِه فلا شَيءَ عليه، وإنْ ضمَّنَ الثانِي يَرجعْ بالضَّمانِ على الأَولِ؛ لأنَّ الأَولَ غرَّه بالإِيداعِ فيَلزمُه ضَمانُ الغُرورِ، كأنَّه كفَلَ عنه بما يَلزمُه مِنْ العُهدةِ في هذا العَقدِ؛ إذ ضَمانُ الغُرورِ ضَمانُ كَفالةٍ لمَا عُلمَ.

وهذا الحُكمُ إذا لمْ يَعلمِ الثانِي بالحالِ، أي لمْ يَعلمْ أنَّ المُودَعَ الأَولَ أودَعَها إيَّاه مِنْ غيرِ عُذرٍ، فإنْ علِمَ أنَّه أودَعَها إيَّاه بغيرِ عُذرٍ استقَرَّ الضَّمانُ عليه عندَ الشافِعيةِ والحَنابِلةِ في المَذهبِ ولمْ يَرجعْ بما ضمِنَه على الأَولِ؛ لأنَّه دخَلَ على أنَّه يَضمنُ فلمْ يَرجعْ.

وقالَ الإِمامُ أَبو حَنيفةَ والقاضِي مِنْ الحَنابِلةِ: إذا أودَعَها عندَ مَنْ ليسَ له أنْ يُودعَه فضاعَت في يدِ الثانِي فالضَّمانُ على الأَولِ لا على الثانِي.

وَجهُ قَولِ أَبي حَنيفةَ أنَّ يدَ المُودَعِ الثانِي ليسَت بيدٍ مانِعةٍ، بل هي يدُ حِفظِ وَصيانةِ الوَديعةِ عن أَسبابِ الهَلاكِ، فلا يَصلُحُ أنْ يَكونَ سببًا لوُجوبِ الضَّمانِ؛ لأنَّه مِنْ بابِ الإِحسانِ إلى المالِكِ، قالَ اللهُ جلَّ شَأنُه: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [التوبة: ٩١]، وكانَ يَنبغي ألَّا يَجبَ الضَّمانُ على

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب الوديعة
مسألة:

السلام - لِرَدِّهَا عَلَى أَهْلِهَا، وَلِأَنَّ بِالنَّاسِ إِلَى التَّعَاوُنِ بِهَا حَاجَةً مَاسَّةً وَضَرُورَةً دَاعِيَةً لِعَوَارِضِ الزَّمَانِ الْمَانِعَةِ مِنَ الْقِيَامِ عَلَى الْأَمْوَالِ، فَلَوْ تَمَانَعَ النَّاسُ فِيهَا لَاسْتَضَرُّوا وَتَقَاطَعُوا.

فَصْلٌ:

فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ ذَلِكَ مِنَ التَّعَاوُنِ الْمَأْمُورِ بِهِ لَمْ يَخْلُ حَالُ مَنِ اسْتَوْدَعَ وَدِيعَةً مِنْ ثَلَاثِ أَحْوَالٍ:

أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يَعْجِزُ عَنْهَا، وَلَا يَثِقُ بِأَمَانَتِهِ نَفْسِهِ فِيهَا، فَهَذَا لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَقْبَلَهَا.

وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ أَمِينًا عَلَيْهَا قَادِرًا عَلَى الْقِيَامِ بِهَا وَلَيْسَ غَيْرُهُ مِمَّنْ يَقُومُ بِهَا فَهَذَا مِمَّنْ قَدْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ قَبُولُهَا، وَلَزِمَهُ اسْتِيدَاعُهَا، كَمَا تُعَيَّنُ الشَّهَادَةُ عَلَى الشَّاهِدِ إِذَا لَمْ يُوجَدْ مَنْ يَتَحَمَّلُهَا سِوَاهُ، وَكَمَا يَلْزَمُ الْإِنْسَانَ خَلَاصُ نَفْسٍ يَقْدِرُ عَلَى إِحْيَائِهَا إِذَا لَمْ يُوجَدْ غَيْرُهُ، لِأَنَّ حُرْمَةَ الْمَالِ كَحُرْمَةِ النَّفْسِ.

وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَكُونَ أَمِينًا عَلَيْهَا، وَقَادِرًا عَلَى حِفْظِهَا، وَقَدْ يُوجَدُ غَيْرُهُ مِنَ الْأُمَنَاءِ عَلَيْهَا، فَهَذَا مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ.

فَصْلٌ:

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 119 - 120

ارجع إلى ما يجوز للمودع أن يفعله وما لا يجوز للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.4 / 29.5
الإضاءة 39%
البدر بعد 8 يوم
سبحان الله وبحمده