ثانيا: الأرض القريبة من العمران

الإسلام > الأوقاف والملكية > هل يشترط إذن الإمام في الإحياء أم لا > ثانيا: الأرض القريبة من العمران

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 15 دقيقة قراءة

ثانيا: الأرض القريبة من العمران - الأقوال والأدلة

ثانيًا: الأرضُ القَريبةُ مِنْ العُمرانِ:

اختَلفَ الفَقهاءُ في الأرضِ القَريبةِ مِنْ العُمرانِ ولم تَكنْ مِنْ مُرافقِه، هل يَجوزُ إِحياؤُها بغيرِ إذنِ الإمامِ أم يُشتَرطُ أنْ يَأذنَ فيها الإمامُ؟

فذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابلةُ وأشهبُ مِنْ المالِكيةِ (١) إلى أنَّه لا يُشتَرطُ إذنُ الإمامِ في إِحياءِ ما قَربَ مِنْ العامرِ إذا لم يَكنْ مِنْ مَرافقِ العامرِ وحريمِه؛ لعُمومِ قولِ النَّبيِّ : «مَنْ أَحيا أرضًا مَيتةً فهي له، وليسَ لعرقٍ ظالمٍ حقٌّ» (٢) ولم يُفرِّقِ النَّبيُّ بينَ ما قرُبَ مِنْ العامرِ وما بَعُدَ.

قالَ الإمامُ الشَّافعِيُّ رحمة الله عليه: أَخبَرنا ابنُ عُيينةَ عن عَمرِو بنِ دِينارٍ عن يَحيى بنِ جَعدةَ قالَ: «لمَّا قدِمَ رَسولُ اللهِ المَدينةَ أَقطعَ الناسَ الدّورَ، فقَالَ حيٌّ مِنْ بَني زُهرةَ -يُقالُ لهم بنُو عبدِ بنِ زُهرةَ-: نكَبَ عنَّا ابنُ أمِّ عبدٍ -أيْ أَخرجَ مِنْ جُملتِنا ابنَ مَسعودٍ- فقالَ رَسولُ اللهِ : فلِمَ ابتَعثَني اللهُ إذًا؟ إنَّ اللهَ لا يُقدّسُ أُمّةً لا يُؤخذُ للضَّعِيفِ فيهم حقُّه» (٣).

(١) «تحبير المختصر» (٤/ ٦٢٨).
(٢) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٣٠٧٣)، والترمذي (١٣٧٨)، والنسائي في «الكبرى» (٥٧٦١).
(٣) رواه الشافعي في «الأم» (٤/ ٥٠)، ومن طَريقِه البيهقي في «الكبرى» (١١٥٨١)، وقَالَ ابنُ المنيرِ في «البدرِ المنيرِ»: وهذا مُرسَلٌ، قالَ ابنُ معينٍ وأبو حاتمٍ: يَحيى بنُ جعْدَةَ لم يَلقَ ابنَ مَسعودٍ، وإنما يُرسلُ عنه، وقد وَصلَه الطبرانِيُّ في (أكبرِ معاجِمِه) عن يَحيى بنِ جعدَةَ، عن ابنِ هبيرةَ عن ابنِ مسعودٍ به، وهبيرةُ حالَتُه جيِّدَةٌ كما قرَّرْتُها في أوائلِ كتابِنا هذا في بابِ: بَيانِ النَّجاساتِ والماءِ النَّجسِ، لا كما زَعمَ مَنْ يُضعِّفُه.
وقَالَ الحافظُ ابنُ حجرٍ في «تلخيصِ الحبيرِ» (٣/ ٦٣): وإسنادُه قوِيٌّ.

قالَ الشافِعيُّ: في هذا الحَديثِ دَلائلُ:

منها: أنَّ حقًّا على الوالِي إِقطاعُ مَنْ سَألَه القَطيعَ مِنْ المُسلِمينَ؛ لأنَّ فِي قولِ رَسولِ اللهِ : «إنَّ اللهَ لا يُقدِّسُ أمَّةً لا يُؤخَذُ للضَّعيفِ فيهم حقُّهُ» دَلالةً أنَّ لمَن سَألَه الإِقطاعَ أنْ يُؤخَذَ للضَّعيفِ فيهم حقُّه وغيرُه.

ودَلالةٌ على أنَّ النَّبيَّ أقطَعَ الناسَ بالمَدينةِ، وذلك بينَ ظَهرانَيْ عِمارةِ الأَنصارِ مِنْ المَنازلِ والنَّخلِ، فلَم يَكنْ لهم بالعامرِ مَنعُ غيرِ العامرِ، ولو كانَ لهم لَم يَقطعْه الناسُ، وفي هذا دَلالةٌ على أنَّ ما قارَبَ العامرَ وكانَ بينَ ظَهرانَيْه وما لم يُقاربْ مِنْ المَواتِ سواءٌ في أنَّه لا مالكَ له، فعلى السُّلطانِ إِقطاعُه ممَّن سأَلَه مِنْ المُسلِمينَ.

قالَ الشافِعيُّ: أخبَرَنا ابنُ عُيينةَ عن هِشامٍ عن عُروةَ عن أَبيه أنَّ رَسولَ اللهِ أقطَعَ الزُّبيرَ أرضًا، وأنَّ عُمرَ بنَ الخَطابِ أقطَعَ العَقيقَ أَجمَعَ، وقالَ: أينَ المُستَقطعونَ؟ (قالَ الشافِعيُّ) والعَقيقُ قَريبٌ مِنْ المَدينةِ، وقولُه: «أين المُستقطِعونَ نَقطعُهم؟» وإنَّما أقطَعَ رَسولُ اللهِ ثُم عُمرُ، ومَن أقطَعَ ما لا يَملكُه أحدٌ يُعرَفُ مِنْ المَواتِ، وفي قولِ رَسولِ اللهِ : «مَنْ أَحيا مَواتًا فهو له» دليلٌ على أنَّ مَنْ أَحيا مَواتًا كانَ له كما يَكونُ له إنْ أقطَعَه، واتِّباعٌ في أنْ يَملكَ مَنْ أَحيا المَواتَ ما أَحيا كاتِّباعِ أَمرِه في أنْ يَقطعَ المَواتَ من يُحيِيه، لا فرقَ بينَهما، ولا يَجوزُ أنْ

يُقطعَ المَواتَ مَنْ يُحيِيه ولا مالكَ له، وإذا قالَ رَسولُ اللهِ : «مَنْ أَحيا مَواتًا فهو له» فعَطيةُ رَسولِ اللهِ عامةٌ لمَن أَحيا المَواتَ، فمَن أَحيا المَواتَ فبعَطيةِ رَسولِ اللهِ أَحياه، وعَطيتُه في الجُملةِ أثبَتُ مِنْ عَطيةِ مَنْ بعدَه في النصِّ والجُملةِ، وقد رُويَ عن عُمرَ مثلُ هذا المَعنى لا يُخالفُه (١).

وقالَ البُهوتيُّ رحمة الله عليه: وما قرُبَ مِنْ العامرِ لكنَّه لا يَتعلقُ بمَصالحِه مُلكَ بإِحياءٍ كالبَعيدِ عنه؛ لعُمومِ ما سبَقَ مع انتِفاءِ المانعِ وهو التَّعلقُ بمَصالحِ العامرِ، وللإمامِ إِقطاعُ ما قرُبَ مِنْ العامرِ ولَم يَتعلَّقْ بمَصالحِه «لأنَّه أقطَعَ بِلالَ بنَ الحارثِ العَقيقَ» مع قربِه مِنْ عامرِ المَدينةِ (٢).

وذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ إلى أنَّ ما قرُبَ مِنْ العامرِ -على تَفصيلٍ بينَهم في المَقصودِ به- أنَّه لا يَجوزُ إِحياؤُه إلا بإذنِ الإمامِ؛ لقولِ النَّبيِّ : «وليسَ لعرقٍ ظالمٍ حقٌّ»، والذي يُحيِي بقُربِ العُمرانِ قد يَظلمُ في إِحيائِه ويَستضِرُّ الناسُ بذلك؛ لتَضييقِه عليهم في مَسارحِهم وعِماراتِهم ومَواضعِ مَواشيهم ومَراعي أَغنامِهم، فاحتاجَ إلى نظرِ الإمامِ واجتِهادِه في ذلك.

(١) «الأم» (٤/ ٥٠)، ويُنظَر: «البيان» (٤٧٩، ٤٨١)، و «روضة الطالبين» (٤/ ١٠٤)، و «كنز الراغبين» (٣/ ٢١٧)، و «النجم الوهاج» (٥/ ٤١١، ٤١٣)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٤٢٩).
(٢) «كشاف القناع» (٤/ ٢٢٨)، ويُنظَر: «المغني» (٥/ ٣٣٠).

ولأنَّ ما قرُبَ مِنْ البلدِ في حُكمِ فنائِه، فالانتِفاعُ به مُشتَركٌ بينَ أَهلِ البلدِ مِنْ الاحتِطابِ به والاصِطيادِ والرَّعيِ وغيرِ ذلك مِنْ وجوهِ الإِرفاقِ، فلو أُجيزَ لكلِّ واحدٍ اقتِطاعُه لأضرَّ ذلك بأَهلِ البلدِ، فلم يَكنْ بدٌّ مِنْ نَظرِ الإمامِ لِيكونَ كالحُكمِ.

ولأنَّه إذا كانَ بالقُربِ مِنْ العُمرانِ يُؤدِّي إلى التَّنازعِ والخُصومةِ، وأنْ يَقولَ مَنْ له بقربِه ملكٌ: أنا أَحقُّ بهذا؛ لأنَّه بقُربِ ملكِي، ولأنِّي مُحتاجٌ إليه لصَلاحِ ملكِي، فاحتِيجَ إلى إذنِ الإمامِ لقَطعِ الخُصومةِ (١).

قالَ المالِكيةُ: فإنْ تَعدَّى وأَحياه بدونِ إذنِ الإمامِ؛ فالإمامُ مُخيَّرٌ بينَ إِمضائِه له أو ردِّه، لأنَّه لما كانَ للإمامِ منعُه بما في ذلك ضَررٌ على المُسلِمينَ، وأنَّه لا يَستحقُّ ذلك إلا إذا أَباحَه له لكَونِه أصلًا له ولا ضررَ فيه على غيرِه فكذلك إذا تعَدَّى وعمَّرَه بغيرِ إذنِ الإمامِ؛ لكونِ النَّظرِ فيه لِلإمامِ باقيًا، ولا يُخرجُه بتَعدِّيه فيه وسَبقِه إليه عن نَظرِ الإمامِ واجتِهادِه بشَرطينِ:

الأولُ: أنْ يَكونَ المَوضعُ لا مَضرَّةَ في إِحيائِه.

(١) «بدائع الصنائع» (٦/ ١٩٥)، و «المبسوط» (٢٣/ ١٦٧)، و «الهداية» (٤/ ٩٨، ٩٩)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ٢٢١)، و «الاختيار» (٣/ ٨٣)، و «تبيين الحقائق» (٦/ ٣٥)، و «العناية» (١٤/ ٣٠٦، ٣٠٧)، و «البحر الرائق» (٨/ ٢٣٩)، و «اللباب» (١/ ٦٨٠، ٦٨١)، و «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٣/ ٢٣٥، ٢٤٠)، رقم (١٠٨٥)، و «المعونة» (٢/ ١٧٥)، و «المنتقى» (٦/ ٢٩)، و «الذخيرة» (٦/ ١٥٨)، و «البيان والتحصيل» (١٠/ ٣٠٣)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ٤٤٤)، و «تحبير المختصر» (٤/ ٦٢٨، ٦٢٩)، و «حاشية الصاوي» (٩/ ١٢٥).

والثانِي: أنْ يَكونَ المُحيِي لا يَستضرُّ أهلُّ العِمارةِ به، أو يَكونَ هو أَصلحُ لهم مِنْ غيرِه.

وهذا في حقِّ المُسلمِ فإنَّه لا يَجوزُ له أنْ يَأذنَ للذِّميِّ فيما قرُبَ مِنْ العُمرانِ، بل يُخرجُه ويُعطيه قِيمةَ ما عمَّرَ؛ لأنَّ ما قرُبَ مِنْ العُمرانِ بمنزلةِ الفيءِ، والذِّميُّ لا حقَّ له في الفيءِ.

وله أنْ يُزيلَه عنه ويَأخذَه لجَماعةِ المُسلِمينَ ويُعطيَه قِيمةَ عملِه مَنقوضًا من بيتِ المالِ، أو يُعطيَه إيَّاه بعدَ أمرِه بقَلعِه، ولا يَرجعُ عليه فيما استَغلَّه فيما مَضى لكَونِه مِنْ جُملةِ المُسلِمينَ الذين لهم فيه حقٌّ (١).

وقالَ ابنُ هُبيرةَ رحمة الله عليه: اتَّفقُوا على جَوازِ إِحياءِ الأرضِ المَيتةِ العارِيةِ، ثُم اختلَفُوا هل يُشتَرطُ في ذلك إذنُ الإمامِ؟

فقالَ أَبو حَنيفةَ: يُحتاجُ إلى إذنِه.

وقالَ مالكٌ: ما كانَ في الفَلاةِ وحيثُ لا يَتشاحُّ الناسُ فيه فلا يُحتاجُ إلى إذنِ الإمامِ، وما كانَ قريبًا مِنْ العُمرانِ وحيثُ يَتشاحُّ الناسُ فيه افتقَرَ إلى إذنِ الإمامِ.

وقالَ الشافِعيُّ وأحمدُ: لا يَفتقرُ إلى إذنِ الإمامِ (٢).

(١) «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٣/ ٢٣٥، ٢٤٠)، رقم (١٠٨٥)، و «المعونة» (٢/ ١٧٥)، و «المنتقى» (٦/ ٢٩)، و «الذخيرة» (٦/ ١٥٨)، و «البيان والتحصيل» (١٠/ ٣٠٣)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ٤٤٤)، و «تحبير المختصر» (٤/ ٦٢٨، ٦٢٩)، و «حاشية الصاوي» (٩/ ١٢٥).
(٢) «الإفصاح» (٢/ ٤١، ٤٢).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب إحياء الموات
٩١٤ - مسألة؛ قال: (إلا أن تكون أرض ملح أو ماء للمسلمين فيه المنفعة، فلا يجوز أن ينفرد بها

وذَكَرَ سَعِيدٌ، في "سُنَنِه" : حَدَّثَنا عبدُ العَزِيزِ بن محمدٍ، عن رَبِيعَةَ، قال: سَمِعْتُ الحارثَ بن بِلَالِ بن الحارثِ، يقول: إنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أَقْطَعَ بِلَالَ بن الحارثِ العَقِيقَ، فلما وَلِىَ عمرُ بن الخَطَّابِ، قال: ما أقْطعَكَ لِتَحْتَجِنَهُ، فأقْطِعْهُ النّاسَ. ورَوَى عَلْقَمَةُ بن وائلٍ، عن أبِيه، أنَّ النبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أقْطَعَه أرْضًا بِحَضْرَمَوْتَ . قال التِّرْمِذِىُّ: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وقال سَعِيدٌ: حَدَّثَنا سُفْيَانُ، عن ابن أبي نُجَيْحٍ، عن عَمْرِو بن شُعَيْبٍ، أنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أقْطَعَ ناسًا مِن جُهَيْنَةَ أو مُزَيْنَةَ أرْضًا، فعَطَّلُوها، فجاءَ قَوْمٌ فأَحْيَوْهَا، فخَاصَمَهُم الذين أقْطَعَهُم رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- إلى عمرَ بن الخَطَّابِ، فقال عمرُ: لو كانت قَطِيعةً مِنِّى أو من أبى بَكْرٍ لم أَرُدَّها، ولكنها قَطِيعةٌ من رَسُولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فأنا أرُدُّها، ثم قال عمرُ رَضِىَ اللَّه عنه: مَن كانت له أرْضٌ - يَعْنِى من تَحَجَّرَ أرْضًا - فعَطَّلَهَا ثَلَاثَ سِنِينَ، فجاءَ قَوْمٌ فَعَمَرُوها، فهم أحَقُّ بها .

٩١٤ - مسألة؛ قال: (إلَّا أنْ تَكُونَ أَرْضَ مِلْحٍ أوْ مَاءً لِلْمُسْلِمِينَ فِيهِ الْمَنْفَعَةُ، فَلَا يَجُوزُ أنْ يَنْفَرِدَ بِهَا الْإِنْسَانُ)

وجملةُ ذلك، أنَّ المَعادِنَ الظّاهِرَةَ، وهى التي يُوصَلُ إلى ما فيها من غيرِ مُؤْنَةٍ، يَنْتَابُها الناسُ، ويَنْتَفِعُونَ بها، كالمِلْحِ، والماءِ، والكِبْرِيتِ، والقِيرِ ،

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 30 - 34
بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
اللهم صل على محمد