الإسلام > الأوقاف والملكية > وجوب رد المغصوب إلى صاحبه وضمانه > الحالة الثالثة: أن تنقص العين المغصوبة
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 14 دقيقة قراءةقالَ مالِكٌ: وهو بخِلافِ المُتعدِّي في حَبسِ الدابةِ من مُكتَرٍ أو مُستعيرٍ يَأتي بها أحسَنَ حالًا، فرَبُّها مُخيَّرٌ في أخذِ الكِراءِ أو أنْ يُضمِّنَه القيمةَ يَومَ التَّعدِّي؛ لأنَّه حبَسَها عن أَسواقِها، إلا في الحَبسِ اليَسيرِ لا تَتغيرُ في مِثلِه في سُوقٍ أو بدنٍ.
قالَ ابنُ القاسِمِ: كلُّ ما أَصلُه أَمانةٌ فتَعدَّى فيه بإِكراهٍ أو ركِبَه من وَديعةٍ أو عاريةٍ أو كِراءٍ فهذا سَبيلُه، وهو بخِلافِ الغاصِبِ.
ابنُ يُونسَ: القِياسُ أنَّه لا فَرقَ بينَهما في هذا الوَجهِ، ولا يَكونُ الغاصِبُ أحسَنَ حالًا من المُتعدِّي، وكما كانَ يَضمَنُ في النَّقضِ اليَسيرِ فكذلك يَجبُ أنْ يَضمنَ في نَقصِ السُّوقِ.
وقد نَحا ابنُ القاسِمِ إلى المُساواةِ بينَهما لولا خَوفُ مُخالفةِ الإِمامِ مالِكٍ (١).
الحالةُ الثالِثةُ: أنْ تَنقُصَ العَينُ المَغصوبةُ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في العَينِ المَغصوبةِ إذا حدَثَ بها عَيبٌ عندَ الغاصِبِ ولم تَتلَفْ بالكُليةِ، هل يَردُّه الغاصِبُ وأَرشَ نَقصِه أو يَكونُ صاحِبُه مُخيَّرًا بينَ تَسليمِه للغاصِبِ وأخْذِ قيمَتِه وبينَ إِمساكِه وأخْذِ أَرشِه؟
فذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّ المَغصوبَ المَنقولَ غيرَ الرِّبويِّ إذا نقَصَ في يَدِ
(١) يُنْظَر: «المدونة الكبرى» (٩/ ٦٩)، و «التاج والإكليل» (٤/ ٣١٧، ٣١٨)، و «شرح مختصر خليل» (٦/ ١٤١)، و «تحبير المختصر» (٤/ ٣٩٧، ٣٩٨).
الغاصِبِ فعليه ضَمانُ النُّقصانِ؛ لأنَّه دخَلَ في ضَمانِه بجَميعِ أَجزائِه، فما تَعذَّرَ رَدُّ عَينِه منها وجَبَ رَدُّ قيمَتِه.
وضَمانُ النُّقصانِ من حيثُ فَواتُ الجُزءِ لا من حيثُ السِّعرُ؛ لأنَّه عِبارةٌ عن فُتورِ الرَّغباتِ دونَ فَواتِ الجُزءِ، وأمَّا الرِّبويُّ فلا يُمكنُ فيه ضَمانُ النُّقصانِ مع استِردادِ الأَصلِ؛ لأنَّه يُؤدِّي إلى الرِّبا.
وأمَّا إذا تَغيَّر في يَدِ الغاصِبِ تَغيُّرًا يَسيرًا كما لو خرَقَ الثَّوبَ خَرقًا يَسيرًا فإنَّه يَضمَنُ نُقصانَه فقط، والثَّوبُ لمالِكِه؛ لأنَّ العَينَ قائِمةٌ من كلِّ وَجهٍ، وإنَّما دخَلَه عَيبٌ فيَضمَنُ العَيبَ.
وأمَّا إنْ كانَ التَّغيُّرُ كَثيرًا بأنْ خرَقَه خَرقًا كَثيرًا بحيث يُبطلُ عامَّةَ منافِعِه فلمالِكِه الخيارُ بينَ أنْ يُضمِّنَه جَميعَ قيمَتِه؛ لأنَّه استِهلاكٌ له من هذا الوَجهِ، وإذا ضمِنَ قيمَتَه ملَكَه؛ لأنَّ صاحِبَه لمَّا ملَكَ القيمةَ ملَكَ الغاصِبُ بدَلَها، حتى لا يَجتمعَ في مِلكِ المَغصوبِ منه البَدَلانِ.
وإنْ شاءَ صاحِبُ الثَّوبِ ضمَّنَه النُّقصانَ؛ لأنَّه لم يَستهلِكْه استِهلاكًا تامًّا ولا اتَّصلَ بزِيادةٍ، والمُماثلةُ فيه غيرُ مُعتبَرةٍ، فلهذا جازَ أنْ يُضمِّنَه النُّقصانَ ويأخُذَه، ولأنَّه تعَيَّب من وَجهٍ؛ لبَقاءِ العَينِ وبَعضِ المَنافعِ.
واختَلفَ المُتأخِّرونَ في الخَرقِ الفاحِشِ، قالَ بَعضُهم: هو ما أوجَبَ نُقصانَ رُبعِ القيمةِ، وما دونَه يَسيرٌ، وقالَ بعضُهم: ما أوجَبَ نُقصانَ نِصفِ القيمةِ، وقيلَ: ما لا يَصلحُ الباقي بعدَه لثَوبٍ.
وفي «الهِداية» إِشارةُ الكِتابِ إلى أنَّ الفاحِشَ ما يَبطُلُ به عامَّةُ المنافِعِ، والصَّحيحُ أنَّه ما يَفوتُ به بعضُ العَينِ وبعضُ المَنفعةِ، واليَسيرُ ما لا يَفوتُ به شَيءٌ من المَنفَعةِ، وإنَّما يَدخلُ فيه النُّقصانُ.
وفي «المُحيط»: الفاحِشُ ما يَستنكِفُ أَوساطُ الناسِ من لُبسِه مع ذلك (١).
وقالَ المالِكيةُ: مَنْ غصَبَ شَيئًا فتَعيَّب عندَ الغاصِبِ بأمرٍ سَماويٍّ قَليلًا كانَ أو كَثيرًا فإنَّ رَبَّه يُخيَّرُ بينَ أنْ يُضمِّنَ الغاصِبَ قيمَتَه يَومَ الغَصبِ أو يَأخُذَه مَعيبًا ولا شَيءَ له.
وكذا إذا نقَصَ بسَببِ جِنايةِ الغاصِبِ أو أجنَبيٍّ، إلا أنَّ الغاصِبَ إذا جَنى على الشَّيءِ المَغصوبِ أو جَنى عليه أجنَبيٌّ فإنَّ المالِكَ يُخيَّرُ في جِنايةِ الغاصِبِ بينَ أخذِ قيمَتِه يَومَ الغَصبِ أو أخذِ المَعيبِ مع ما نقَصَه بحُكمِ التَّعدِّي، وهو أَرشُ النَّقصِ.
وفي جِنايةِ الأَجنبيِّ فإنَّ المالِكَ يُخيَّرُ بينَ تَضمينِ الغاصِبِ القيمةَ، وأنْ يَتَّبعَ الغاصِبَ الجانِيَ بأَرشِ الجِنايةِ، أو أخذِ شَيئِه ويَتَّبعَ الجانِيَ بأَرشِ الجِنايةِ، وليس له أَخذُ شَيئِه واتِّباعُ الغاصِبِ بأَرشِ الجِنايةِ (٢).
(١) «الهداية» (٤/ ١٦، ١٧)، و «العناية» (١٣/ ٣٧٤، ٣٧٥)، و «الاختيار» (٣/ ٧٨)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ١٢٣، ١٢٦)، و «اللباب» (١/ ٦٣٢، ٦٣٣)، و «الفتاوى الهندية» (٥/ ١٢٢).
(٢) «التاج والإكليل» (٤/ ٣١٩)، و «شرح مختصر خليل» (٦/ ١٤٢)، و «القوانين الفقهية» (١/ ٢١٧)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ١٧٧)، و «تحبير المختصر» (٤/ ٣٩٩).
وقالَ القاضِي عَبدُ الوَهابِ المالِكيُّ رحمة الله عليه: الجِنايةُ على ضَربَينِ:
جِنايةٌ تُبطِلُ يَسيرًا من المَنفعةِ وجُلُّها من السِّلعةِ باقٍ فهذا يَجبُ فيه ما نقَصَ: وذلك بأنْ تُقوَّمَ وَقتَ الجِنايةِ صَحيحةً وتُقوَّمَ بالجِنايةِ، فيَلزمَ الجانِيَ ما بينَ القيمَتينِ، وإنَّما قُلنا ذلك لأنَّ الذي يَلزمُه بَدلُ ما أتلَفَ، والإِتلافُ إنَّما يَكونُ لهذا القَدرِ من المَنافعِ، فلم يَضمَنْ ما زادَ عليه.
والضَّربُ الآخَرُ: جِنايةٌ تُبطِلُ الغَرضَ المَقصودَ من الشَّيءِ، والذي له يُرادُ، وإنْ بَقيَت فيه مَنافعُ تابِعةٌ غيرُ مَقصودةٍ: فهذا يَكونُ صاحِبُه مُخيَّرًا إنْ شاءَ أخَذَ ما بينَ قيمَتِه صَحيحًا ومَعيبًا، وإنْ شاءَ أسلَمَه وأخَذَ قيمَتَه، مِثلَ أنْ يَكونَ لرَجلٍ عَبدٌ يُريدُه لبَعضِ المَنافعِ، فيَتَعدَّى عليه رَجلٌ يَقطعُ يَدَه أو يُعميه، فيَبطلَ عليه الغَرضُ الذي له يُرادُ في العادةِ، وكذلك المَركوبُ الذي يُرادُ للجَمالِ والرُّكوبِ تُقطَعُ أُذنُه أو ذَنَبُه فيَبطُلُ الغَرضُ المَقصودُ منه، وإنْ كانَ يَبقى فيه استِعمالُه في الحَملِ ونَقلِ التُّرابِ أو ما أشبَهَ ذلك، وإنَّما قُلنا ذلك لأنَّه قد أتلَفَ على المالِكِ المَنفَعةَ المَقصودةَ من السِّلعةِ فلزِمَه قيمَتُها اعتِبارًا بإِتلافِ عَينِها؛ لأنَّ بَقاءَ العَينِ مع إِتلافِ الغَرضِ المَقصودِ منها مَنعٌ من الانتِفاعِ بها فيما يُقصَدُ منها، فكانَ كإِتلافِ عَينِها (١).
وذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ العَينَ المَغصوبةَ إذا حصَلَ بها عَيبٌ عندَ الغاصِبِ بأنْ كانَ ثَوبًا فخرَقَه أو طَعامًا سَوَّسَ أو بِناءً خُرِّبَ ونَحوَ
(١) «المعونة» (٢/ ١٨٩)، و «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٣/ ١١٩، ١٢٠)، رقم (٩٧٦).
بداية المجتهد ونهاية المقتصد · ابن رشد الحفيد · كتاب الغصب
الباب الثاني الطوارئ على المغصوب بالزيادة أو النقصان
فِيمَا لَا يُنْقَلُ وَلَا يُحَوَّلُ مِثْلِ الْعَقَارِ، فَقَالَ الْجُمْهُورُ: إِنَّهَا تُضَمَّنُ بِالْغَصْبِ - أَعْنِي أَنَّهَا إِنِ انْهَدَمَتِ الدَّارُ ضُمِّنَ قِيمَتَهَا -، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يُضَمَّنُ.
الرُّكْنُ الثَّالِثُ وَهو الواجب في الغصب، وَالْوَاجِبُ عَلَى الْغَاصِبِ إِنْ كَانَ الْمَالُ قَائِمًا عِنْدَهُ بِعَيْنِهِ لَمْ تَدْخُلْهُ زِيَادَةٌ وَلَا نُقْصَانٌ أَنْ يَرُدَّهُ بِعَيْنِهِ، وَهَذَا لَا اختلَافَ فِيهِ، فَإِذَا ذَهَبَتْ عَيْنُهُ فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ إِذَا كَانَ مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا أَنَّ عَلَى الْغَاصِبِ الْمِثْلَ (أَعْنِي: مِثْلَ مَا اسْتَهْلَكَ صِفَةً وَوَزْنًا) ، وَاخْتَلَفُوا فِي الْعُرُوضِ فَقَالَ مَالِكٌ: لَا يُقْضَى فِي الْعُرُوضِ مِنَ الْحَيَوَانِ وَغَيْرِهِ إِلَّا بِالْقِيمَةِ يَوْمَ اسْتُهْلِكَ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَدَاوُدُ: الْوَاجِبُ فِي ذَلِكَ المِثْل وَلَا تَلْزَمُ الْقِيمَةُ إِلَّا عِنْدَ عَدَمِ الْمِثْلِ.
وَعُمْدَةُ مَالِكٍ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمَشْهُورُ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ أَعْتَقَ شِقْصًا لَهُ فِي عَبْدٍ قُوِّمَ عَلَيْهِ الْبَاقِي قِيمَةَ الْعَدْلِ» الْحَدِيثَ. وَوَجْهُ الدَّلِيلِ مِنْهُ أَنَّهُ لَمْ يُلْزِمْهُ الْمِثْلَ وَأَلْزَمَهُ الْقِيمَةَ.
وَعُمْدَةُ الطَّائِفَةِ الثَّانِيَةِ قَوْله تَعَالَى: {فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} المائدة: ٩٥ ; وَلِأَنَّ مَنْفَعَةَ الشَّيْءِ قَدْ تَكُونُ هِيَ الْمَقْصُودَةَ عِنْدَ الْمُتَعَدَّى عَلَيْهِ.
ارجع إلى وجوب رد المغصوب إلى صاحبه وضمانه للاطلاع على جميع المسائل.