الحالة الرابعة: أن تتلف العين المغصوبة

الإسلام > الأوقاف والملكية > وجوب رد المغصوب إلى صاحبه وضمانه > الحالة الرابعة: أن تتلف العين المغصوبة

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 14 دقيقة قراءة

الحالة الرابعة: أن تتلف العين المغصوبة - الأقوال والأدلة

ذلك، فإنَّه يَجبُ عليه رَدُّه على صاحِبِه، ويَغرَمُ قيمةَ أَرشِ النَّقصِ الذي حدَثَ عندَه؛ لأنَّها جِنايةٌ على مالٍ، أَرشُها دونَ قيمَتِها، فلم يَملِكِ المُطالَبةَ بجَميعِ قيمَتِها، كما لو كانَ الشِّقُ يَسيرًا، ولأنَّها جِنايةٌ تَنْقُصُ بها القيمةُ فأشبَهَ ما لو لم يَتلَفْ غَرضُ صاحِبِها، وفي الشاةِ تَلفُ جَميعِها؛ لأنَّ الاعتِبارَ في الإِتلافِ بالمَجنيِّ عليه لا بغَرضِ صاحِبِه؛ لأنَّ هذا إنْ لم يَصلُحْ لهذا صلَحَ لغيرِه (١).

الحالةُ الرابِعةُ: أنْ تَتلفَ العَينُ المَغصوبةُ:

اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّ العَينَ المَغصوبةَ -غيرَ العَقارِ- إذا تلِفَت عندَ الغاصِبِ فإنَّه يَضمنُها، وهي لا تَخلو إمَّا أنْ تَكونَ من ذَواتِ الأَمثالِ، أو من غيرِ ذَواتِ الأَمثالِ:

أ- أنْ تَكونَ العَينُ المَغصوبةُ التالِفةُ من ذَواتِ الأَمثالِ:

اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ العَينَ المَغصوبةَ إذا تلِفَت عندَ الغاصِبِ بأيِّ سَببٍ كانَ فإنَّه يَجبُ عليه مِثلُها إنْ كانَت من ذَواتِ الأَمثالِ؛ لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]، ولأنَّه لمَّا تَعذَّرَ رَدُّ العَينِ وجَبَ رَدُّ ما يَقومُ مَقامَها في الماليةِ، ولأنَّ المِثلَ أقرَبُ إليه من القيمةِ، وهو مُماثِلٌ له من طَريقِ الصُّورةِ والمُشاهدةِ والمَعنى، والقيمةُ مُماثِلةٌ عن طَريقِ الظَّنِّ والاجتِهادِ، فكانَ ما طَريقُه

(١) «البيان» (٧/ ١٤)، و «المغني» (٥/ ١٤٤).

المُشاهَدةُ مُقدَّمًا، كما يُقدَّمُ النَّصُّ على القياسِ؛ لكَونِ النَّصِّ طَريقُه الإِدراكُ بالسَّماعِ، وكَونِ القياسِ طَريقُه الظَّنُّ والاجتِهادُ.

قالَ الإِمامُ ابنُ عبدِ البَرِّ رحمة الله عليه: كلُّ مَطعومٍ من مَأكولٍ أو مَشروبٍ فمُجمَعٌ على أنَّه يَجبُ على مُستهلِكِه مِثلُه لا قيمَتُه (١).

وقالَ الإِمامُ ابنُ بَطَّالٍ رحمة الله عليه: واتَّفقَ مالِكٌ والكُوفيُّونَ والشافِعيُّ وأَبو ثَورٍ فيمَن استَهلَك ذَهبًا أو وَرِقًا أو طَعامًا مَكيلًا أو مَوزونًا فعليه مِثلُ ما استَهلَك في صِفتِه ووَزنِه وكَيلِه، وقالَ مالِكٌ: وفَرَّقَ بينَ الذَّهبِ والفِضةِ والطَّعامِ وبينَ الحَيوانِ والعُروضِ العَملُ المَعمولُ به. قالَ ابنُ المُنذرِ: ولا أعلَمُ في هذه المَسألةِ خِلافًا (٢).

وقالَ الإِمامُ ابنُ هُبيرةَ رحمة الله عليه: واتَّفَقوا على أنَّ المَكيلَ والمَوزونَ إذا غُصبَ وتلِفَ ضُمنَ بمِثلِه إذا وُجدَ مِثلُه، إلا في إحدى الرِّوايتَينِ عن أَحمدَ أنَّه يَضمنُه بقيمَتِه (٣).

(١) «التمهيد» (١٤/ ٢٨٨)، ويُنْظَر: «الجوهرة النيرة» (٤/ ١١٧)، و «اللباب» (١/ ٦٢٩)، و «مختصر الوقاية» (٢/ ١٣٧)، و «الاختيار» (٣/ ٧٤)، و «المعونة» (٢/ ١٨٨)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ١٦٣)، و «شرح ميارة» (٢/ ١٧٧)، و «تحبير المختصر» (٤/ ٣٨٣، ٣٨٤)، و «المبدع» (٥/ ١٨١)، و «روضة الطالبين» (٣/ ٦٤٨، ٦٥٠)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٢٩٧)، و «النجم الوهاج» (٥/ ١٨٢).
(٢) «شرح صحيح البخاري» (٦/ ٦١٠)، ويُنْظَر: «عمدة القاري» (١٣/ ٣٧).
(٣) «الإفصاح» (٢/ ١٢).

وقالَ ابنُ القَطَّانِ الفاسيُّ رحمة الله عليه: واتَّفَقوا على أنَّ عليه رَدَّ مِثلِه إذا كانَ المِثلُ مَوجودًا (١).

وقالَ الإِمامُ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: ما تَتماثَلُ أَجزاؤُه وتَتقارَبُ صِفاتُه كالدَّراهمِ والدَّنانيرِ والحُبوبِ والأَدهانِ ضُمِنَ بمِثلِه بغيرِ خِلافٍ (٢).

وقالَ أيضًا: وأمَّا سائِرُ المَكيلِ والمَوزونِ فظاهِرُ كَلامِ أَحمدَ أنَّه يُضمَنُ بمِثلِه أيضًا، فإنَّه قالَ في رِوايةِ حَربٍ وإِبراهيمَ بنِ هانِئٍ: ما كانَ من الدَّراهمِ والدَّنانيرِ وما يُكالُ ويُوزنُ فعليه مِثلُه دونَ القيمةِ. فظاهِرُ هذا وُجوبُ المِثلِ في كلِّ مَكيلٍ ومَوزونٍ، إلا أنْ يَكونَ ممَّا فيه صِناعةٌ كمَعمولِ الحَديدِ والنُّحاسِ والرَّصاصِ من الأَوانِي والآلاتِ ونَحوِها، والحُليِّ من الذَّهبِ والفِضةِ وشِبهِهما، والمَنسوجِ من الحَريرِ والكَتَّانِ، والقُطنِ والصُّوفِ والشَّعرِ والمَغزولِ من ذلك، فإنَّه يَضمنُ بقيمَتِه؛ لأنَّ الصِّناعةَ تُؤثِّرُ في قيمَتِه، وهي مُختلفةٌ، فالقيمةُ فيه أحصَرُ، فأشبَهَ غيرَ المَكيلِ والمَوزونِ.

وذكَرَ القاضِي أنَّ النَّقرةَ والسَّبيكةَ من الأَثمانِ، وتُضمَنُ العِنبُ والرُّطبُ والكُمِّثْرى بقيمَتِها، وظاهِرُ كَلامِ أَحمدَ يَدلُّ على ما قُلنا، وإنَّما خرَجَ منه ما فيه الصِّناعةُ لمَا ذَكَرنا، ويَحتملُ أنْ يَضمنَ النَّقرةَ بقيمَتِها لتَعذُّرِ وُجودِ مِثلِها، إلا بتَكسيرِ الدَّراهمِ المَضروبةِ وسَبكِها، وفيه إِتلافٌ، فعلى هذا إنْ كانَ المَضمونُ بقيمَتِه من جِنسِ الأَثمانِ وجَبَت قيمَتُه من غالِبِ نَقدِ البَلدِ،

(١) «الإقناع في مسائل الإجماع» (٣/ ١٥٩٠)، رقم (٣١٠٦).
(٢) «المغني» (٥/ ١٤٠)، و «منار السبيل» (٢/ ٢٥١).

فإنْ كانَت من غيرِ جِنسِه وجَبَت بكلِّ حالٍ، وإنْ كانَت من جِنسِه فكانَت مَوزونةً وجَبَت قيمَتُه، وإنْ كانَت أقَلَّ أو أكثَرَ قُوِّم بغيرِ جِنسِه؛ لئلَّا يُؤدِّيَ إلى الرِّبا، وقالَ القاضِي: إنْ كانَت فيه صِناعةٌ مُباحةٌ فزادَت قيمَتُه من أَجلِها جازَ تَقويمُه بجِنسِه؛ لأنَّ ذلك قيمَتُه، والصِّناعةُ لها قيمةٌ، وكذلك لو كسَرَ الحُليَّ وجَبَ أَرشُ كَسرِها، ويُخالِفُ البَيعَ؛ لأنَّ الصِّناعةَ لا يُقابِلُها العِوضُ في العُقودِ ويُقابِلُها في الإِتلافِ، ألَا تَرى أنَّها لا تَنفرِدُ بالعَقدِ وتَنفرِدُ بضَمانِها بالإِتلافِ؟

قالَ بعضُ أَصحابِ الشافِعيِّ: هذا مَذهبُ الشافِعيِّ، وذكَرَ بعضُهم مِثلَ القَولِ الأولِ، وهو الذي ذكَرَه أَبو الخَطابِ؛ لأنَّ القيمةَ مَأخوذةٌ على سَبيلِ العِوضِ، فالزِّيادةُ فيه رِبًا كالبَيعِ والنَّقصِ، وقد قالَ أَحمدُ في رِوايةِ ابنِ مَنصورٍ: إذا كسَرَ الحُلِيَّ يُصلحُها أحَبُّ إلَيَّ.

قالَ القاضِي: وهذا مَحمولٌ على أنَّهما تَراضَيا بذلك، لا أنَّه على طَريقِ الوُجوبِ، وهذا فيما إذا كانَت الصِّناعةُ مُباحةً، فإنْ كانَت مُحرَّمةً كالأَوانِي وحُليِّ الرِّجالِ لم يَجزْ ضَمانُه بأكثَرَ من وَزنِه وَجهًا واحِدًا؛ لأنَّ الصِّناعةَ لا قيمةَ لها شَرعًا فهي كالمَعدومةِ (١).

قالَ المالِكيةُ: الغاصِبُ إذا غصَبَ مِثليًّا مَكيلًا أو مَوزونًا أو مَعدودًا فعيَّبَه أو أتلَفَه فإنَّه يَضمَنُ مِثلَه، ولو كانَ المِثليُّ وَقتَ الغَصبِ غاليًا ووَقتَ القَضاءِ به رَخيصًا على المَشهورِ.

(١) «المغني» (٥/ ١٤٠).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بداية المجتهد ونهاية المقتصد · ابن رشد الحفيد · كتاب الغصب
الباب الثاني الطوارئ على المغصوب بالزيادة أو النقصان

فِيمَا لَا يُنْقَلُ وَلَا يُحَوَّلُ مِثْلِ الْعَقَارِ، فَقَالَ الْجُمْهُورُ: إِنَّهَا تُضَمَّنُ بِالْغَصْبِ - أَعْنِي أَنَّهَا إِنِ انْهَدَمَتِ الدَّارُ ضُمِّنَ قِيمَتَهَا -، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يُضَمَّنُ.

الرُّكْنُ الثَّالِثُ وَهو الواجب في الغصب، وَالْوَاجِبُ عَلَى الْغَاصِبِ إِنْ كَانَ الْمَالُ قَائِمًا عِنْدَهُ بِعَيْنِهِ لَمْ تَدْخُلْهُ زِيَادَةٌ وَلَا نُقْصَانٌ أَنْ يَرُدَّهُ بِعَيْنِهِ، وَهَذَا لَا اختلَافَ فِيهِ، فَإِذَا ذَهَبَتْ عَيْنُهُ فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ إِذَا كَانَ مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا أَنَّ عَلَى الْغَاصِبِ الْمِثْلَ (أَعْنِي: مِثْلَ مَا اسْتَهْلَكَ صِفَةً وَوَزْنًا) ، وَاخْتَلَفُوا فِي الْعُرُوضِ فَقَالَ مَالِكٌ: لَا يُقْضَى فِي الْعُرُوضِ مِنَ الْحَيَوَانِ وَغَيْرِهِ إِلَّا بِالْقِيمَةِ يَوْمَ اسْتُهْلِكَ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَدَاوُدُ: الْوَاجِبُ فِي ذَلِكَ المِثْل وَلَا تَلْزَمُ الْقِيمَةُ إِلَّا عِنْدَ عَدَمِ الْمِثْلِ.

وَعُمْدَةُ مَالِكٍ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمَشْهُورُ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ أَعْتَقَ شِقْصًا لَهُ فِي عَبْدٍ قُوِّمَ عَلَيْهِ الْبَاقِي قِيمَةَ الْعَدْلِ» الْحَدِيثَ. وَوَجْهُ الدَّلِيلِ مِنْهُ أَنَّهُ لَمْ يُلْزِمْهُ الْمِثْلَ وَأَلْزَمَهُ الْقِيمَةَ.

وَعُمْدَةُ الطَّائِفَةِ الثَّانِيَةِ قَوْله تَعَالَى: {فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} المائدة: ٩٥ ; وَلِأَنَّ مَنْفَعَةَ الشَّيْءِ قَدْ تَكُونُ هِيَ الْمَقْصُودَةَ عِنْدَ الْمُتَعَدَّى عَلَيْهِ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 434 - 437

ارجع إلى وجوب رد المغصوب إلى صاحبه وضمانه للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.4 / 29.5
الإضاءة 39%
البدر بعد 8 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله