متى تعتبر القيمة فيما هو متقوم؟

الإسلام > الأوقاف والملكية > وجوب رد المغصوب إلى صاحبه وضمانه > متى تعتبر القيمة فيما هو متقوم؟

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 11 دقيقة قراءة

متى تعتبر القيمة فيما هو متقوم؟ - الأقوال والأدلة

وعن أنَسٍ رضي الله عنه: «أنَّ النَّبيَّ كانَ عندَ بَعضِ نِسائِه، فأرسَلَت إِحدى أُمهاتِ المُؤمِنينَ مع خادِمٍ بقَصعةٍ فيها طَعامٌ، فضرَبَت بيَدِها فكسَرَت القَصعةَ، فضَمَّها وجعَلَ فيها الطَّعامَ، وقال: كُلوا، وحبَسَ الرَّسولَ والقَصعةَ حتى فرَغوا، فدفَعَ القَصعةَ الصَّحيحةَ وحبَسَ المَكسورةَ» (١).

و «لأنَّ النَّبيَّ استَسلَفَ بَعيرًا ورَدَّ مِثلَه» (٢).

متى تُعتبَرُ القيمةُ فيما هو مُتقوَّمٌ؟

اختَلفَ الفُقهاءُ في المَغصوبِ المُقوَّمِ إذا تلِفَ، هل تُعتبَرُ قيمَتُه يَومَ غَصبِه أو وَقتَ تَلفِه أو أَعلى قيمةٍ له من يَومِ الغَصبِ إلى يَومِ التَّلفِ؟

فذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ في المَشهورِ وأَحمدُ في رِوايةٍ إلى أنَّه يَجبُ عليه قيمَتُه يَومَ غَصبِه.

قالَ الحَنفيةُ: تُعتبَرُ قيمةُ المَغصوبِ يَومَ الغَصبِ، ولا يُنظَرُ إلى زِيادةِ قيمةِ المَغصوبِ بعدَ القَبضِ في السِّعرِ ولا إلى نُقصانِها؛ لأنَّ الغَصبَ هو سَببُ الضَّمانِ، وبه يَدخلُ في ضَمانِه، ولا فَصلَ في ذلك بينَ ما يَكونُ الهَلاكُ بفِعلِه أو بفِعلِ غيرِه (٣).

(١) أخرجه البخاري (٢٣٤٩)، وأبو داود (٣٥٦٧).
(٢) «الجوهرة النيرة» (٤/ ١١٨)، و «اللباب» (١/ ٦٣٠)، و «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٣/ ١١٧)، رقم (٩٧٥)، و «البيان» (٧/ ١٢)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٣٠١)، و «المغني» (٥/ ١٣٩)، و «كشاف القناع» (٤/ ١٣٢)، و «شرح منتهى الإرادات» (٤/ ١٦١).
(٣) «الجوهرة النيرة» (٤/ ١١٨)، و «العناية» (١٣/ ٣٤٧)، و «اللباب» (١/ ٦٣٠)، و «الاختيار» (٣/ ٧٤).

وقالَ المالِكيةُ في المَشهورِ: مَنْ غصَبَ شَيئًا من المُقوَّماتِ كحَيوانٍ فأتلَفَه فإنَّه يُغرَّمُ قيمَتَه يَومَ غَصبِه.

وقالَ أشهَبُ: تَلزمُه أَعلى قيمةٍ مَضَت عليه من غَصبِه إلى يَومِ تَلفِه (١).

وذهَبَ الشافِعيةُ (وأشهَبُ من المالِكيةِ وأَحمدُ في رِوايةٍ) إلى أنَّ المَغصوبَ المُتقوَّمَ يُضمَنُ بأَقصى قيمةٍ من وَقتِ الغَصبِ إلى وَقتِ التَّلفِ؛ لأنَّه في حالِ زِيادةِ القيمةِ الغاصِبُ مُطالَبٌ بالرَّدِّ، فإذا لم يَردَّ ضمِنَ بَدلَه، بخِلافِ ما لو رَدَّه بعدَ الرُّخصِ، فإنَّه لا يَضمَنُ شَيئًا؛ لأنَّه مع بَقاءِ العَينِ يُمكنُ تَوقُّعُ الزِّيادةِ في المُستقبلِ، فلم تُغيَّرْ بالكُليةِ.

ولا فَرقَ في اختِلافِ القيمةِ بينَ تَغيُّرِ السِّعرِ أو تَغيُّرِ المَغصوبِ في نَفسِه، ولا عِبرةَ بالزِّيادةِ بعدَ التَّلفِ.

وفي الإِتلافِ للمُتقوَّمِ بلا غَصبٍ يُضمَنُ بقيمةِ يَومِ التَّلفِ؛ لأنَّه لم يَدخُلْ في ضَمانِه قبلَ ذلك، وما بعدَ التَّلفِ فلا وُجودَ له، وهو مَعدومٌ؛ لأنَّ ضَمانَ الزائِدِ في المَغصوبِ إنَّما كانَ لتَعدِّيه، وهنا لا عُدوانَ، وتُعتبَرُ

(١) «مواهب الجليل» (٧/ ٢٥٦)، و «التاج والإكليل» (٤/ ٣٠٧)، و «شرح مختصر خليل» (٦/ ١٣٥)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ١٦٦)، و «تحبير المختصر» (٤/ ٣٨٨) قالَ القاضي عبدُ الوَهابِ المالِكيُّ في «المعونة» (٢/ ١٨٨): والقيمةُ المُعتَبَرةُ يَومَ التَّعدي والجِنايةِ لا يَومَ الحُكمِ؛ لأنَّ الحُكمَ مُعلَّقٌ بذِمتِه بالتَّعدي لا بالحُكمِ إذ مُطالَبةُ الحاكِمِ إنَّما هي بأمرٍ قد تقدَّمَ وُجوبُه، وإنَّما يَنكشِفُ بالحُكمِ بمِقدارِ ما اشتَغَلت به ذِمتُه.

القيمةُ في مَوضعِ الإِتلافِ إلا إذا كانَ لا يَصلُحُ -كالمَفازةِ- فيُعتبَرُ بأقرَبِ البِلادِ (١).

وذهَبَ الحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ المَغصوبَ المُتقوَّمَ إذا تلِفَ فإنَّه تُضمَنُ قيمَتُه يَومَ تَلفِه في بَلدِ غَصبِه؛ لأنَّ ذلك زَمنُ الضَّمانِ ومَوضِعُه.

وفي قَولٍ مُخرَّجٍ عندَهم -وهي رِوايةٌ مَنسوبةٌ للإِمامِ أَحمدَ أنْ يَضمنَه بقيمَتِه يَومَ غَصبِه؛ لأنَّه الوَقتُ الذي أَزالَ يَدَه فيه فلزِمَته القيمةُ كما لو أتلَفَه.

وعن الإِمامِ أَحمدَ رِوايةٌ أنَّه يَضمَنُ بأكثَرِ القيمَتينِ من وَقتِ غَصبِه إلى وَقتِ تَلفِه.

قالَ ابنُ مُفلحٍ رحمة الله عليه: وعنه أنَّه يَضمَنُ المَغصوبَ بمِثلِه مُطلقًا، وقاله ابنُ أبي موسى واختارَه الشَّيخُ تَقيُّ الدِّينِ، واحتَجَّ بعُمومِ قَولِه تَعالى: ﴿فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا﴾ [الممتحنة: ١١]، ولخَبَرِ القَصعةِ، وعنه مع قيمَتِه، وعنه غيرُ حَيوانٍ بمِثلِه، ذكَرَه جَماعةٌ، وفي «الواضِح» و «المُوجَز» فيَنقُصُ عنه عَشرةَ دَراهمَ (٢).

(١) «النجم الوهاج» (٥/ ١٨٩)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٣٠١)، و «الديباج» (٢/ ٣٨٩، ٣٩٠).
(٢) «المبدع» (٥/ ١٨٢)، و «الإنصاف» (٦/ ١٩٤، ١٩٥)، و «كشاف القناع» (٤/ ١٣٢، ١٣٣)، و «منار السبيل» (٢/ ٢٥١، ٢٥٢).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب العارية
٨٦١ - مسألة؛ قال: (والعارية مضمونة، وإن لم يتعد فيها المستعير)

مَالِكِها، فكانت أمَانَةً، كالوَدِيعَةِ. قالوا: وقولُ النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "العَارِيَّةُ مُؤَدَّاةٌ" . يَدُلُّ على أنَّها أمَانَةٌ، لقولِ اللهِ تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} . ولَنا، قولُ النبىّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، في حَدِيثِ صَفْوَانَ: "بل عَارِيَّةٌ مَضْمُونَة" . ورَوَى الحَسَنُ، عن سَمُرَةَ، عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه قال: "عَلَى الْيَدِ مَا أخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَهُ" . رَوَاهُ أبو دَاوُدَ، والتِّرْمِذِىُّ . وقال: حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. ولأنَّه أخَذَ مِلْكَ غيرِه لِنَفْعِ نَفْسِه، مُنْفَرِدًا بِنَفْعِه من غيرِ اسْتِحْقَاقٍ، ولا إذْنٍ في الإِتْلَافِ، فكان مَضْمُونًا كالغَصْبِ ، والمَأْخُوذِ على وَجْهِ السَّوْمِ. وحَدِيثُهُم يَرْوِيهِ عُمَرُ بن عبد الجَبَّارِ، عن عُبَيْدِ بن حَسَّانٍ، عن عَمْرِو بن شُعَيْبٍ، وعُمَرُ وعُبَيْدٌ ضَعِيفَانِ. قالَه الدَّارَقُطْنِىُّ. ويَحْتَمِلُ أنَّه أرَادَ ضَمَانَ المَنَافِعِ والأَجْزَاءِ، وقِيَاسُهم مَنْقُوضٌ بالمَقْبُوضِ على وَجْهِ السَّوْمَ.

فصل: وإن شَرَطَ نَفْىَ الضَّمَانِ، لم يَسْقُطْ. وبهذا قال الشَّافِعِىُّ. وقال أبو حَفْصٍ العُكْبَرِىُّ: يَسْقُطُ. قال أبو الخَطَّابِ. أَوْمَأَ إليه أحمدُ. وهو قولُ قَتَادَةَ والعَنْبَرِىِّ؛ لأنَّه لو أَذِنَ في إِتْلَافِها لم يَجِبْ ضَمَانُها، فكذلك إذا أسْقَطَ عنه ضَمَانَها. وقيل: بل مذهبُ قَتَادَةَ والعَنْبَرِىِّ، أنَّها لا تُضْمَنُ إلَّا أن يَشْتَرِطَ ضَمَانَها فيَجِبُ؛ لقولِ النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لِصَفْوَانَ: "بَلْ عَارِيَّةٌ مَضْمُونَة" . ولَنا، أنَّ كلَّ عَقْدٍ اقْتَضَى الضَّمَانَ، لم يُغَيِّرْهُ الشَّرْطُ، كالمَقْبُوضِ بِبَيْعٍ صَحِيحٍ أو فاسِدٍ، وما اقْتَضَى الأَمَانَةَ، فكذلك، كالوَدِيعَةِ

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 442 - 444

ارجع إلى وجوب رد المغصوب إلى صاحبه وضمانه للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.4 / 29.5
الإضاءة 39%
البدر بعد 8 يوم
سبحان الله وبحمده