إذا حلف أن لا يفعل شيئا فأمر غيره بفعله

الإسلام > الأيمان والمواريث > أنواع الأيمان > إذا حلف أن لا يفعل شيئا فأمر غيره بفعله

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 21 دقيقة قراءة

إذا حلف أن لا يفعل شيئا فأمر غيره بفعله - الأقوال والأدلة

وكذا لو فعَلَ المَحلوفَ عليه مُكرهًا فلا يَحنثُ؛ لقولِ النَّبيِّ : «إنَّ اللهَ تَجاوزَ لأُمتِي عن الخَطأِ والنِّسيانِ وما استُكرِهوا عليه» (١).

ولِما رَواه مَكحولٌ عن واثِلةَ بنِ الأَسقعِ وعن أَبي أُمامةَ، قالا: قالَ رَسولُ اللهِ : «ليسَ على مَقهورٍ يَمينٌ» (٢).

ولأنَّ ما منَعَ ثُبوتَ الكُفرِ مِنْ انعِقادِ اليَمينِ كالجُنونِ.

وأما يَمينُ اليَمانِ والدِ حُذيفةَ فحلَفَ بها مُختارًا؛ لأنَّه كانَ مُشركًا (٣).

إذا حلَفَ أنْ لا يَفعلَ شَيئًا فأمَرَ غيرَه بفِعلِه:

اختَلفَ الفُقهاءُ فيمن حلَفَ أنْ لا يَفعلَ شَيئًا ما فأمَرَ غيرَه بفِعلِه هل يَحنثُ أم لا؟

فذهَبَ الحَنفيةُ إلى التَّفريقِ بينَ أَمرَينِ فقالوا: مَنْ حلَفَ لا يَبيعُ ولا يَشتَرِي ولا يُؤجِّرُ فوكَّلَ مَنْ فعَلَ ذلك لَم يَحنَثْ، إلا أنْ يَنوِيَ ذلك؛

(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه ابن ماجه (٢٠٤٣)، وابن حبان في «صحيحه» (٧٢١٩).
(٢) موضوع: رواه الدارقطني (٤٤٠١).
(٣) «شرح صحيح البخاري» لابن بطال (٨/ ٣٠٨، ٣٠٩)، و «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٤/ ٣٠١، ٣٠٢)، و «تفسير القرطبي» (١٠/ ١٨٦)، و «التاج والإكليل» (٢/ ٢٩٥)، و «تحبير المختصر» (٢/ ٣٧٣)، و «الأم» (٧/ ٧٧)، و «الحاوي الكبير» (١٥/ ٣٦٨)، و «المهذب» (٢/ ١٢٨)، و «البيان» (١٠/ ٤٨٥)، و «الإفصاح» (٢/ ٣٧٦)، و «المغني» (٩/ ٣٨٥، ٣٩١)، و «الكافي» (٤/ ٣٧٣)، و «المبدع» (٩/ ٢٦٧)، و «الإنصاف» (١١/ ٢٣)، و «كشاف القناع» (٦/ ٣٠١)، و «الروض المربع» (٢/ ٦٠٠)، و «منار السبيل» (٣/ ٤١٦).

لأنَّ حُقوقَ هذه الأَشياءِ تَرجِعُ إلى العاقِدِ دُونَ الآمرِ، فأما إذا نَوى ذلك حنِثَ؛ لأنَّه شدَّدَ على نفسِه وإنْ كانَ الوَكيلُ هو الحالِفُ لأنَّه التَزمَ حُقوقَ هذا العَقدِ، وإنْ كانَ الحالِفُ ممَّن جرَتْ عادَتُه أنْ لا يَتولَّى ذلك بنَفسِه، مثلَ السُّلطانِ ونَحوِه، فأمَرَ غيرَه أنْ يَفعلَ ذلك حنِثَ؛ لأنَّ يَمينَه على الآمِرِ به، فإنْ نَوى أنْ لا يَتولَّاه بنَفسِه دُيِّنَ في القَضاءِ؛ لأنَّه نَوى حَقيقةَ كَلامِه.

وإنْ حلَفَ لا يَتزوَّجُ أو لا يُطلِّقُ فوكَّلَ مَنْ فعَلَ ذلك حنِثَ، وكذا الخُلعُ والصُّلحُ مِنْ دمِ العَمدِ والهِبةُ والصَّدقةُ والكِسوةُ والنَّفقةُ؛ لأنَّ الوَكيلَ في هذه الأَشياءِ سَفيرٌ ومُعبِّرٌ، ولهذا لا يُضيفُه إلى نَفسِه، لا يَقول: تزَوَّجتُ، وإنَّما يَقول: زوَّجتُ فُلانًا وطلَّقتُ امرَأةَ فُلانٍ، وحُقوقُ العَقدِ راجِعةٌ إلى الآمرِ لا إليه، فإنْ قالَ الآمِرُ: «نَويتُ أنْ أَلِيَ ذلك بنَفسِي» لا يُديَّنُ في القَضاءِ ويُديَّنُ فيما بينَه وبينَ اللهِ تَعالى.

ولو حلَفَ لا يَذبَحُ شاتَه فأمَرَ إِنسانًا ففعَلَ ذلك حنِثَ، وإنْ قالَ: «نَويتُ أنْ أَلِيَه بنَفسِي» دُيِّنَ في القَضاءِ (١).

وذهَبَ المالِكيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه إذا حلَفَ لا أَفعلُ شَيئًا فأمَرَ غيرَه ففعَلَه، حنِثَ إنْ لَم يَنوِ تَوليتَه ومُباشَرتَه بنَفسِه، أيَّ فعلٍ كانَ ممَّا تَصحُّ فيه النِّيابةُ؛ لأنَّ الفِعلَ إذا كانَ ممَّا يَصحُّ فيه النِّيابةُ فالإِطلاقُ مُشتَركٌ بينَ تَوليتِه بنَفسِه وبينَ وُقوعِه بالنِّيابةِ، ولأنَّ الإِنسانَ يُطلقُ القَولَ بأنَّه قد اشتَرى طَعامًا

(١) «المبسوط» للشيباني (٣/ ٣٤٧)، و «مختصر اختلاف العلماء» (٣/ ٢٧٤، ٢٧٥)، و «تبيين الحقائق» (٣/ ١٤٨)، و «البحر الرائق» (٤/ ٣٧٧)، و «الجوهرة النيرة» (٦/ ٦٣، ٦٤)، و «اللباب» (٢/ ٤٠٠).

أو ثوبًا وإنْ كانَ قد استَنابَ غيرَه فيه، كما يُطلَقُ ذلك إذا توَّلاه بنَفسِه على حدٍّ واحدٍ، وإذا كانَ ذلك كذلك وجَبَ أنْ يَحنثَ به، وتَحريرُه أنْ يُقالَ: لأنَّ الفِعلَ المَحلوفَ عليه قد وقَعَ على وَجهٍ يُضافُ إليه على الإِطلاقِ فأَشبهَ أنْ يَليَه بنَفسِه (١).

وذهَبَ الشافِعيةُ إلى أَنْ مَدارَ البِرِّ أَوْ الحِنثَ رَاجعٌ إلى مُقتَضى اللَّفظِ الذي تَعلَّقت به اليَمينُ فَإِذا حلَفَ لا يَضربُ عبدَه أَوْ لا يَبيعُ أَوْ لا يَشتَرِي، أو لا يَتزوجُ، أو لا يُطلِّقُ، فأمَرَ غيرَه، فباعَ عنه، أو اشتَرى، أو ضرَبَ العبدَ، أو نكَحَ له، أو طلَّقَ .. لَم يَحنثْ؛ لأنَّ مُقتَضى اللَّفظِ أنْ لا يُباشرَ ذلك بنَفسِه نَعم إنْ أرادَ المَعنى المَجازِيَّ بأَن حلَفَ أَنْ لا يَشتَرِيَ الشَّيءَ الفُلانِيَّ وأَرادَ عدمَ دُخولِه في مُلكِه فإنَّه يَحنثُ لأنَّه غلِظَ على نَفسِه ويُقاسُ بِما ذُكرَ ما يُشابِهُ ذلك.

وحَكى الرَّبيعُ عن الشافِعيِّ قولًا آخرَ: (إذا كانَ الحالِفُ سُلطانًا لا يَتولَّى البَيعَ ولا الشِّراءَ ولا الضَّربَ بنَفسِه، فأمَرَ غيرَه، ففعَلَ عنه ذلك .. حنِثَ، وإنْ أمَرَ غيرَه، فنكَحَ له، أو طلَّقَ عنه .. لَم يَحنثْ؛ لأنَّ العادةَ أنَّه لا يَتولَّى البَيعَ ولا الشِّراءَ ولا الضَّربَ بنَفسِه، وإنَّما يَتولَّاه غيرُه عنه، وجرَت العادةُ في النِّكاحِ والطَّلاقِ أنَّه يَتولَّاه بنَفسِه، فانعَقدَت يَمينُه على ذلك).

والمَشهورُ: هو الأولُ؛ لأنَّ اليَمينَ تُحمَلُ على الحَقيقةِ دونَ المَجازِ؛

(١) «المدونة الكبرى» (٣/ ١٤١)، و «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٤/ ٣٠٢، ٣٠٣)، رقم (١٦٤٦)، و «الذخيرة» (٤/ ٥٥، ٥٦)، و «شرح مختصر خليل» (٣/ ٦٧)، و «تحبير المختصر» (٢/ ٣٨١، ٣٨٢)، و «المغني» (٩/ ٤١٩)، و «شرح الزركشي» (٣/ ٣١٨)، و «الإفصاح» (٢/ ٣٧٤).

ولهذا: لو حلَفَ: «لا أَقعدُ في ضَوءِ السِّراجِ»، فقعَدَ في ضَوءِ الشَّمسِ .. لَم يَحنثْ وإنْ كانَ قد سَماها اللهُ سِراجًا؛ حيثُ قالَ اللهُ تَعالى: ﴿وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا (١٣)[النبأ: ١٣].

ولو حلَفَ: لا يَقعدُ تحتَ سَقفٍ، فقعَدَ تحتَ السَّماءِ .. لَم يَحنثْ، وإنْ كانَ اللهُ تَعالى قد سَماها سَقفًا، فقالَ تَعالى: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾ [الأنبياء: ٣٢] (١).

قالَ الإمامُ الماوَرديُّ رحمة الله عليه: قالَ الشافِعيُّ: (ولو حلَفَ لا يَشتَري فأمَرَ غيرَه أو لا يُطلقُ فجعَلَ طَلاقَها إليها فطلَّقَت أو لا يَضربُ عبدَه فأمَرَ غيرَه فضرَبَه لا يَحنثُ إلا أن يَكونَ نَوى ذلك)

قالَ الماوَرديُّ: اعلَمْ أنَّه لا يَخلو حالٌ مِنْ حَلفٍ لا يَفعلُ شَيئًا فأمرَ غيرَه حتى فعَلَه مِنْ ثَلاثةِ أَحوالٍ:

أَحدُها: أنْ يَنويَ لا يَفعلُه بنَفسِه، فلا يَحنثُ إذا أمَرَ غيرَه بفِعلِه، لا يَختلِفُ المَذهبُ فيه اعتِبارًا بنِيتِه، سَواءٌ جلَّ قدرُ الحالِفِ أو قلَّ.

والحالُ الثانِيةُ: أنْ يَنويَ أنَّه لا كانَ منه ما يَقتضِي ذلك الفِعلَ ولا كانَ باعثًا عليه فيَحنثُ إذا أمَرَ غيرَه بفِعلِه كما يَحنثُ إذا فعَلَه بنَفسِه؛ لأنَّه قد كانَ باعثًا عليه سَواءٌ جلَّ قدرُ الحالِفِ أو قلَّ.

والحالُ الثالِثةُ: أنْ تَكونَ يَمينُه مُطلَقةً لَم تَقتَرنْ بها نِيةٌ، فيَنقسِمُ ذلك الفِعلُ المَحلوفُ عليه ثَلاثةَ أَقسامٍ:

(١) «البيان» (١٠/ ٥٦١، ٥٦٢)، و «كفاية الأخيار» ص (٥٩٢، ٥٩٣).

أَحدُها: أنْ يَكونَ العُرفُ في فِعلِه جاريًا بالأمرِ دونَ المُباشرةِ مِنْ جَميعِ الناسِ، كقولِه: واللهِ لا احتجَمتَ، ولا افتصَدتُ ولا حلَقتُ رَأسي، ولا بنَيتُ دارِي، فإذا أمَرَ غيرَه بالحِجامةِ وفصَدَه وحلَقَ رأسَه وبَنى داره حنِثَ سَواءٌ جلَّ قدرُ الحالِفِ أو قلَّ؛ لأنَّه لَم يَجرِ في العُرفِ مِنْ قَليلٍ أو جَليلٍ أنْ يُباشِرَ فِعلَها في نَفسِه إلا بأَمرِه، فصارَ العُرفُ فيه شَرطًا يَصرفُ حَقيقةَ الفِعلِ إلى مَجازِه فيَصيرُ اعتِبارُ المَجازِ إذا اقتَرنَ بالعُرفِ أَولى مِنْ اعتِبارِ الحَقيقةِ إذا فارَقَ العُرفَ لأنَّ العُرفَ ناقلٌ.

والقِسمُ الثانِي: أن يَكونَ العُرفُ في فِعلِه جاريًا بمُباشرتِه دونَ أَمرِه مِنْ جَميعِ الناسِ كقولِه: «واللهِ لا كتَبتُ ولا قرَأتُ ولا حجَجتُ ولا اعتمَرتُ» فإذا أمَرَ غيرَه بالكِتابةِ والقِراءةِ والحجِّ والعُمرةِ لَم يَحنثْ سَواءٌ جلَّ قدرُ الحالِفِ أو قلَّ؛ لأنَّ العُرفَ جارٍ بينَ الناسِ بمُباشرةِ ذلك مِنْ كلِّ قَليلٍ وجَليلٍ، فصارَ العُرفُ مُقتَرنًا بالحَقيقةِ دونَ المَجازِ فخرَجَ مَجازُه عن حُكمِه.

والقِسمُ الثالِثُ: أن يَكونَ العُرفُ مُختلِفًا في مُباشرةِ فعلِه فيُباشرُه مَنْ دَنا، ولا يُباشرُه مَنْ عَلا، فهذا على ضَربَينِ:

أَحدُهما: أنْ يَقتَرنَ بعُرفِ الاستِعمالِ في الاختِلافِ بينَهما عُرفُ الشَّرعِ وهو إِقامةُ الحُدودِ التي لا يُقيمُها في الشَّرعِ والعُرفِ إلا أُولو الأَمرِ مِنْ ذِي وِلايةٍ وسُلطانٍ، فيَحنثُ الآمرُ بها إنْ كانَ مِنْ أُولي الأَمرِ وإنْ لَم يُباشرْها، كما قيلَ: جلَدَ النَّبيُّ زانِيًا، ورجَمَ ماعِزًا وقطَعَ سارِقًا، ولا يَحنثُ بها غيرُ أُولي الأَمرِ حتى يُباشرَها بفِعلِه؛ لأنَّه غيرُ نافِذِ الأَسرِ فيهما.

والضَّربُ الثانِي: أنْ يَنفردَ الاختِلافُ بينَهما بعُرفِ الاستِعمالِ دونَ عُرفِ الشَّرعِ، فيُباشرُه مَنْ دَنا، ولا يُباشرُه مَنْ عَلا تَنزهًا وتَصونًا كعُقودِ البُيوعِ والأَشربةِ وتَأديبِ العَبيدِ والخَدمِ، فيَنقسِمُ حالُ الحالفِ والمَحلوفِ عليه ثَلاثةَ أَقسامٍ:

أَحدُها: أنْ يَكونَ عُرفُ الحالِفِ جارِيًا بمُباشرتِه، كرَجلٍ مِنْ عَوامِّ السوقةِ حلَفَ لا باعَ ولا اشتَرى، ولا تَزوَّجَ ولا طلَّقَ، ولا ضرَبَ عبدًا، ولا أدَّبَ خادِمًا، فإذا أمَرَ غيرَه بأنْ باعَ له واشتَرى وزوَّجَه وطلَّقَ عنه وضرَبَ عبدَه وأدَّبَ خادِمَه لَم يَحنثْ في هذا كلِّه، وقالَ مالكٌ: يَحنثُ في هذا كلِّه، وقالَ أَبو حَنيفةَ: إنْ كانَ هذا العَقدُ ممَّا إذا باشرَه الوَكيلُ أَضافَه إلى نفسِه كالشِّرى، يَقولُ: «اشتَريتُ هذه الدارَ لمُوكِّلِي» لَم يَحنثِ المُوكلُ، وإنْ كانَ مما لا يُضيفُه إلى نفسِه كالنِّكاحِ يَقولُ: قبِلتُ هذا النِّكاحَ لمُوكِّلِي، ولا يَقولُ: نكَحتُ لمُوكِّلِي، كما يَقولُ: اشتَريتُ لمُوكِّلِي حنِثَ المُوكلُ، وكِلا المَذهبَينِ مَدخولٌ، والصَّحيحُ أنَّ جَميعَها سَواءٌ في أنَّه لا يَحنثُ الآمرُ بها والمُوكلُ فيها إذا كانَ العُرفُ بمُباشرتِه لها جارِيًا؛ لأنَّ الأَيمانَ تُحمَلُ على حَقائقِ الأَسماءِ والأَفعالِ، ما لَم يَنقلْها عُرفُ الحَقيقةِ في هذه الأَفعالِ بمُباشرتِها، والعُرفُ مُقتَرنٌ بها، فلَم يَجزْ أنْ يَعدلَ في الأمرِ بها عن الحَقيقةِ والعُرفِ إلى مَجازٍ تَجرَّدَ عن العُرفِ فعلى هذا لو حلَفَ على امرَأتِه أنَّه لا يُطلِّقُها، فردَّ إليها الطَّلاقَ، فطلَّقَت نفسَها لَم يَحنثْ؛ لأنَّه لا يَكونُ مُطلِّقًا، وإنَّما يَكونُ مُخيِّرًا في الطَّلاقِ، ولو قالَ لها: «إن دخَلتِ الدارَ فأنتِ طالقٌ»، فدخَلْتَها طَلقَتْ وحنِثَ؛ لأنَّه مُطلِّقٌ لها على صفةٍ وقَعَت منها فلذلك افتَرقا.

والقِسمُ الثانِي: أن يَكونَ عُرفُ الحالِفِ جارِيًا بالاستِنابةِ دونَ مُباشرتِه، وإنْ باشرَه استَنكرَتْه النُّفوسُ منه، كالسُّلطانِ أو مَنْ قارَبَه في رُتبتِه إذا حلَفَ، ولا باعَ ولا اشتَرى، ولا ضرَبَ عبدًا، ولا أدَّبَ خادِمًا، فإذا وكَّلَ في البَيعِ والشِّراءِ وأمَرَ بضَربِ عبدِه وبأَدبِ خادِمِه ففي حِنثِه قَولانِ:

أَحدُهما: تَفرَّدَ الرَّبيعُ بنَقلِه وتَفرَّدَ به بعضُ أَصحاب الشافِعيِّ، أنَّه يَحنثُ اعتِبارًا بالعُرفِ؛ لأنَّ العُرفَ قد صارَ مُقتَرنًا بالمَجازِ دونَ الحَقيقةِ، والعُرفُ ناقلٌ، كما لو حلَفَ: لا أكَلتُ رُؤوسًا، لَم يَحنثْ برُؤوسِ الطَّيرِ والجَرادِ، وإنْ وجَدَ حَقيقةَ الاسمِ فيها؛ لأنَّ العُرفَ لمَّا اختَصَّ برُؤوسِ الغَنمِ نقَلَ عمَّا عَداها حَقيقةَ الاسمِ.

والقولُ الثانِي: وهو الأَظهرُ، وما عليه الأَكثَرونَ مِنْ أَصحابنا أنَّه لا يَحنثُ؛ لأنَّ الحَقيقةَ فيها المُباشرةُ لها دونَ الأَمرِ بها، والحَقيقةُ لا تُنقَلَ إلا بعُرفٍ عامٍّ، كما قيلَ في الرُّؤوسِ، وهذا عُرفٌ خاصٌّ، فلَم يَجزْ أنْ يَنتقِلَ به الحَقيقةُ، كما لو حلَفَ سُلطانٌ: لا أكَلتُ خُبزًا ولا لبِستُ ثوبًا، فأكَلَ خُبزَ الذُّرةِ ولبِسَ عَباءةً حنِثَ وإنْ لَم تَجزْ عادتُه بأَكلِ الذُّرةِ ولبْسِ العَباءةِ؛ لأنَّه عُرفٌ خاصٌّ وليسَ بعامٍّ، فلذلك ساوَى فيه عُرفَ العُمومِ فكذلك في هذه العُقودِ.

والقِسمُ الثالِثُ: أنْ يَكونَ عُرفُ الحالفِ جارِيًا بالاستِنابةِ فيه، لكنْ إنْ باشرَه لَم تَستنَكرْه النُّفوسُ منه، ولا تَستَقبحُه، كالنِّكاحِ والطَّلاقِ والعِتاقِ، لا يُستَقبحُ مِنْ السُّلطانِ أنْ يُباشرَه بنَفسِه، فإذا حلَفَ سُلطانٌ لا نكَحَ ولا طلَّقَ ولا أَعتَقَ، فوكَّلَ في النِّكاحِ والطَّلاقِ والعِتاقِ فقد اختَلف أَصحابنا هل

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الأيمان
١٨٠٢ - مسألة؛ قال: (ومن حلف بعتق، أو طلاق، أن لا يفعل شيئا، ففعله ناسيا، حنث)

١٨٠٢ - مسألة؛ قال: (وَمَنْ حَلَفَ بِعِتْقٍ، أَوْ طَلَاقٍ، أَنْ لَا يَفْعَلَ شَيْئًا، فَفَعَلَهُ نَاسِيًا، حَنِثَ)

وبهذا قال مُجاهِدٌ، وسعيدُ بنُ جُبَيْرٍ، والزُّهْرِىُّ، وقَتادَةُ، ورَبِيعَةُ، ومالِكٌ، وأبو عُبَيْدٍ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وهو المشهورُ عن الشافِعِىِّ. وقال عَطاءٌ، وعَمْرُو بنُ دينارٍ، وابنُ أبى نَجِيحٍ، وإسحاقُ، وابنُ المُنْذِرِ: لا يَحْنَثُ. وهو رِوايَةٌ عن أحمدَ؛ لأنَّ الناسِىَ لا يُكَلَّفُ حالَ نِسْيانِه، فلا يَلْزَمُه الحِنْثُ، كالحَلِفِ باللَّه تعالى. ولَنا، أَنَّ هذا يَتَعَلَّقُ به حَقُّ آدَمِىٍّ، فتَعَلَّقَ الحُكْم بِه مع النِّسْيانِ، كالإِتْلافِ، ولأنَّه حُكْمٌ عُلِّقَ على شَرْطٍ، فيُوجَدُ بوجْدانِ شَرْطِه، كالمَنْعِ من الصَّلاةِ بعدَ العَصْرِ، وقد سَبَقَت هذه المسألَةُ .

١٨٠٣ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا حَلَفَ، فَتَأَوَّلَ فِى يَمينِهِ، فَلَهُ تَأْوِيلُهُ إِذَا كَانَ مَظْلُومًا، وإِنْ كانَ ظَالِمًا، لَمْ يَنْفَعْهُ تَأْوِيلُهُ، لِمَا رُوِىَ عَنِ النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أَنَّهُ قَالَ: "يَمينُك عَلَى مَا يُصَدِّقُك بِهِ صَاحِبُكَ " )

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 462 - 468

ارجع إلى أنواع الأيمان للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.1 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل