الإسلام > الأيمان والمواريث > أنواع الأيمان > إذا قال: «أسالك بالله» أو أقسم «عليك بالله» أو «والله لتفعلن كذا»
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 12 دقيقة قراءةإذا قالَ: «أَسالُك باللهِ» أو أَقسمَ «عليك باللهِ» أو «واللهِ لتَفعلنَّ كذا»:
اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ مَنْ قالَ: «أَسألُك باللهِ أو أُقسمُ عليك باللهِ أو أَعزمُ عليك باللهِ لتَفعلنَّ كذا أو لا تَفعلُ كذا» هل يُعتبَرُ يَمينًا فيه الكَفارةُ أم لا؟
فذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّ مَنْ قالَ لغيرِه: اللهِ لتَفعلَنَّ كذا أو واللهِ لتَفعلَنَّ كذا فقالَ الآخرُ: «نَعم» فإنْ أَرادَ المُبتدَيءُ الحَلفَ وكذا المُجيبُ فهما حالِفانِ على كلٍّ منهما كَفارةٌ إن لَم يَفعلِ المُجيبُ؛ لأنَّ قولَه «نَعم» جَوابٌ وهو يَستَدعي إِعادةَ ما في السُّؤالِ فكأنَّه قالَ: «نَعم واللهِ لأَفعلَنَّ كذا» وإنْ نَوى المُبتدَيءُ الاستِحلافَ والمُجيبُ الحَلفَ فالمُجيبُ هو الحالِفُ وإنْ لَم يَنوِ كلٌّ منهما شَيئًا فالحالِفُ هو المُجيبُ في قولِه «الله» وفي قولِه «واللهِ» -بالواوِ- فالحالِفُ هو المُبتدِيءُ وإنْ أَرادَ المُبتدِيءُ الاستِحلافَ فأَرادَ المُجيبَ أنْ لا يَكونَ عليه يَمينٌ وأنْ يَكونَ قولُه «نَعم» وعدًا بلا يَمينٍ فهو كما نَوى ولا يَمينٌ على واحِدةٍ منهما ولو قالَ باللهِ فهو كقولِه «واللهِ» في جَميعِ ذلك (١).
وذهَبَ المالِكيةُ إلى أنَّ مَنْ قالَ: «أَسألُك باللهِ لتَفعلَنَّ كذا» أو «أَعزمُ عليك باللهِ إلا ما فَعلتَ كذا» فامتَنعَ فلا شيءَ على كلِّ واحِدٍ منهما؛ لأنَّها ليسَت بيَمينٍ، أَرادَ اليَمينَ أو لَم يُردْها؛ لأنَّ هذه اللَّفظةَ لَم يَتقرَّرْ لها عُرفٌ شَرعًا ولا لُغةً، مَوضوعُها استِدعاءُ الفِعلِ على وَجهِ المَسألةِ، وذلك ليسَ
(١) «شرح فتح القدير» (٥/ ٨٠)، و «الدر المختار مع حاشية ابن عابدين» (٣/ ٨٤٨، ٨٤٩).
مِنْ اليَمينِ في شيءٍ، ولأنَّ ذلك بمَثابةِ قولِه: «أَطلبُ منك وأَلتَمسُ ذلك» فليسَ بيَمينٍ (١).
وذهَبَ الشافِعيةُ إلى أنَّه إذا قالَ: «أَسألُكَ باللهِ أو أُقسمُ عليك باللهِ لتَفعَلنَّ» أو «أَعزمُ عليك باللهِ لتَفعلَنَّ كذا» فله فيه أَربعةُ أَحوالٍ:
أَحدُها: أنْ يُريدَ يَمينًا لنَفسِه على فعلِ صاحبِه، فتَكونُ يَمينًا له مُعلَّقةٌ بفِعلِ غيرِه، فإنْ فعَلَ ما قالَ برَّ الحالِفُ، وإنْ لَم يَفعلْ حنِثَ الحالِفُ، ووجَبَت الكَفارةُ على الحالِفِ دونَ المَحلوفِ عليه؛ لقولِ اللهِ تَعالى: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]، فجعَلَ الكَفارةَ على الحالِفِ دونَ المُحنثِ، وقد جاءَت السُّنةُ بما يُوافِقُ هذا. رَوى راشدُ بنُ سَعدٍ عن عائِشةَ رضي الله عنها قالَت: «أَهدَت لنا امرَأةٌ طبقًا فيه تَمرٌ فأَكلَت منه عائِشةٌ، وأَبقَت تُميراتٍ، فقالَت لها المَرأةُ: أَقسمتُ عليك إلا أَكلتِيه، فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ: بِريهَا؛ فإنَّ الإِثمَ على المُحنثِ»، فجعَلَ البِرَّ والحِنثَ على الحالِفِ والإِثمَ على المُحنثِ.
والحالُ الثانِيةُ: أنْ يُريدَ الحالِفُ بيَمينِه يَمينًا يَعقدُها على المُستَحلفِ يَلزمُه برُّها وحِنثُها، فلا يَكونُ يَمينًا للحالِفِ؛ لأنَّه لَم يَردَّها، ولا تَكونُ يَمينًا للمُستَحلفِ؛ لأنَّه لَم يَحلفْ بها، ولأنَّه لَم تَنعقِدْ يَمينُ المُكرهِ معَ حَلفِه كانَت يَمينُ مَنْ لَم يَحلفْ أَولَى أنْ لا تَنعقِدَ.
(١) «المدونة الكبرى» (٣/ ١٠٤)، و «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٤/ ٢٨٠)، رقم (١٦١٩)، و «التج والإكليل» (٢/ ٢٧٦)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٢/ ٤٠١)، و «تحبير المختصر» (٢/ ٣٦٠).
والحالُ الثالِثةُ: أنْ يُريدَ بها السُّؤالَ والطَّلبَ، ولا يَقصِدُ بها يَمينًا لنَفسِه ولا لصاحِبِه، فلا تَكونُ يَمينًا بحالٍ.
والحالُ الرابِعةُ: أنْ يُطلِقَها، ولا تَكونُ له نِيةٌ فيها بيَمينٍ ولا غيرِه، فلا تَكونُ يَمينًا، لا يَختلِفُ فيه مَذهبُ الشافِعيِّ؛ لأنَّه لَم يَقتَرنْ بها عُرفُ شَرعٍ ولا عُرفُ استِعمالٍ، فخرَجَت عن حُكمِ الأَيمانِ (١).
وقالَ الحَنابِلةُ: فإن قالَ: «واللهِ ليَفعَلنَّ فُلانٌ كذا» أو «لا يَفعلُ» أو حلَفَ على حاضِرٍ فقالَ: «واللهِ لتَفعَلنَّ كذا» فأَحنثَه ولَم يَفعلْ فالكَفارةُ على الحالِفِ؛ لأنَّ الحالِفَ هو الحانِثُ فكانَت الكَفارةُ عليه كما لو كانَ هو الفاعِلُ لِما يُحنِثُه ولأنَّ سببَ الكَفارةِ إما اليَمينُ وإما الحِنثُ أو هما، وأيُّ ذلك قُدرَ فهو مَوجودٌ في الحالِفِ.
وإن قالَ: «أَسألُك باللهِ لتَفعَلنَّ» وأَرادَ اليَمينَ فهي كالتي قبلَها يَحنَثُ إن لَم يَفعلِ المَحلوفُ عليه والكَفارةُ على الحالِفِ، وإنْ أَرادَ الشَّفاعةَ إليه باللهِ فليسَت بيَمينٍ لعَدمِ الإِقسامِ، ولا كَفارةَ على واحِدٍ منهما.
وإنْ قالَ: «باللهِ لتَفعَلنَّ» فهي يَمينٌ؛ لأنَّه أَجابَ بجَوابِ القَسمِ إلا أنْ يَنويَ ما يَصرفُها، وإنْ قالَ: «باللهِ أَفعلُ» فليسَت يَمينًا؛ لأنَّه لَم يُجبْها بجَوابِ القَسمِ، ولذلك لا يَصلُحُ أنْ يَقولَ: «واللهِ أَفعلُ» ولا «باللهِ أَفعلُ»، وإنَّما صلَحَ ذلك في التاءِ؛ لأنَّها لا تُخصُّ بالقَسمِ فيَدلُّ على أنَّه سُؤالٌ فلا تَجبُ به كَفارةٌ.
(١) «الأم» (٧/ ٦٢)، و «الحاوي الكبير» (١٥/ ٢٧٨، ٢٧٩)، و «البيان» (١٠/ ٥١١)، و «النجم الوهاج» (١٠/ ٢٠).
ويُسنُّ إِبرارُ القاسِمِ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ أمَرَ بإِبرارِ المُقسمِ رواه البُخاريُّ، وهذا واللهُ أَعلمُ على سَبيلِ النَّدبِ لا على سَبيلِ الإِيجابِ بدَليلِ أنَّ أَبا بكرٍ قالَ: «أَقسمتُ عليكَ يا رَسولَ اللهِ ﷺ لتُخبِرنِّي بما أَصبتُ ممَّا أَخطأتُ، فقالَ النَّبيُّ ﷺ: لا تُقسِمْ يا أَبا بَكرٍ» ولَم يُخبِرْه، ولَو وجَبَ عليه إِبرارُه لأَخبَرَّه.
قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: ويَحتَملُ أنْ يَجبَ عليه إِبرارُه إذا لَم يَكنْ فيه ضَررٌ ويَكونُ امتِناعُ النَّبيِّ ﷺ مِنْ إِبرارِ أَبي بَكرٍ لِما علِمَ مِنْ الضَّررِ فيه وإنْ أَجابَه إلى صُورةٍ ما أَقسَمَ عليه دونَ مَعناهُ عندَ تَعذُّرِ المَعنى فحَسنٌ فإنَّه رُويَ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّ العَباسَ جاءَه برَجلٍ ليُبايعَه على الهِجرةِ فقالَ النَّبيُّ ﷺ: «لا هِجرةَ بعدَ الفَتحِ «وقالَ العَباسُ: أَقسمتُ عليك يا رَسولَ اللهِ ﷺ لتُبايِعنَّه فوضَعَ النَّبيُّ ﷺ يدَه في يدِه وقالَ: أَبررتُ قَسمَ عمِّي ولا هِجرةَ، وأَجابَه إلى صُورةِ المُبايعةِ دونَ ما قصَدَ بيَمينِه.
ويُستَحبُّ إِجابةُ مَنْ سأَلَ باللهِ لِما رَوى ابنُ عُمرَ قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ استَعاذَ باللهِ فأَعيذُوه، ومَن سَألَكم باللهِ فأَعطُوه، ومَن استَجارَ باللهِ فأَجيرُوه، ومَن أَتى إليكم مَعروفًا فكافِئوه، فإنْ لَم تَجدوا فادْعوا له حتى تَعلَموا أنْ قد كافَأتُموه» (١).
وعن أَبي ذرٍّ قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ: «ثَلاثةٌ يُحبُّهم اللهُ وثَلاثةٌ يُبغِضُهم اللهُ، أما الذينَ يُحبُّهم اللهُ: فرَجلٌ سأَلَ قومًا فسأَلَهم باللهِ ولَم
(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (١٦٧٢)، والنسائي (٢٥٦٧).
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الأيمان
١٧٨٩ - مسألة؛ قال: (أو يقول: أقسم بالله، أو أشهد بالله، أو أعزم بالله)
القِبْطِيَّة، كذلك قال الحسنُ، وقَتادَةُ . قُلنا: ما ذَكَرْناه أَصَحُّ؛ فإنَّه مُتَّفَقٌ عليه، وقولُ عائِشَةَ صاحِبَةِ القِصَّةِ الحاضِرَةِ للتَّنْزيلِ، المشاهِدَةِ للحالِ، أَوْلَى، والحسنُ وقَتادَةُ لو سَمِعَا قولَ عائِشَةَ، لم يَعْدِلا به شيئًا، ولم يَصِيرَا إلى غيرِه، فكيفَ يُصارُ إلى قَوْلِهما، ويُترَكُ قَوْلُها! وقد رُوِىَ عن ابنِ عبَّاسٍ، وابنِ عُمَرَ، عن النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه جَعَلَ تحْريمَ الحلالِ يَمِينًا . ولو ثَبَتَ أَنَّ الآيةَ نزلَتْ فى تَحْريمِ ماريِةَ، كان حُجَّة لنا؛ لأَنَّها من الحلالِ الذى حَرَّمَ، وليستْ زَوْجَةً، فوجوبُ الكَفَّارَةِ بِتَحْرِيمها يَقْتضِى وجُوبَه فى كُلِّ حلالٍ حُرِّمَ، بالقياس عليها؛ لأَنّه حَرَّمَ الحلالَ فأوْجَبَ الكفّارَةَ، كتَحْرِيمِ الأَمَةِ والزَّوْجَةِ، وما ذَكَرُوه يَبْطُلُ بِتَحْرِيمِها. وإذا قال: هذه رَبِيبَتِى. يقْصِدُ تَحْرِيمَها، فهو ظِهارٌ.
١٧٨٩ - مسألة؛ قال: (أو يَقُولُ: أُقْسِمُ بِاللَّهِ، أَوْ أَشْهَدُ بِاللَّهِ، أو أعْزِمُ بِاللَّهِ)
ارجع إلى أنواع الأيمان للاطلاع على جميع المسائل.