الإسلام > الأيمان والمواريث > أنواع الأيمان > الحلف بالأمانة
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 17 دقيقة قراءةوإنْ أَرادَ غيرَ اليَمينِ لَم تَكنْ يَمينًا، وإنْ لَم تَكنْ له إِرادةٌ وأَطلَقَ ففيه وَجهانِ:
أَحدُهما: هو يَمينٌ؛ لأنَّ العادَةَ قد جرَت بالحَلفِ بذلك، فانصَرفَ إِطلاقُها إلى اليَمينِ، كقولِه: «وعَظمةِ اللهِ».
والثانِي - وهو المَنصوصُ وهو الصَّحيحُ مِنْ المَذهبِ (وهي رِوايةٌ عندَ الحَنابِلةِ) -: أنَّه ليسَ بيَمينٍ؛ لأنَّ ظاهِرَ اللَّفظِ يَنصرِفُ إلى ما وجَبَ له على خَلقِه مِنْ العِباداتِ، فلَم تَصرْ يَمينًا مِنْ غيرِ نِيةٍ، وتُخالِفُ العَظمةَ؛ فإنَّها صِفةُ ذاتِه (١).
الحَلفُ بالأَمانةِ:
نصَّ عامَّةُ الفُقهاءِ على أنَّ الحَلفَ بالأَمانةِ مَنهيٌّ عنه؛ لقولِ النَّبيِّ ﷺ: «مَنْ حلَفَ بالأَمانةِ فليسَ منّا» (٢). ورُويَ عن زِيادِ بنِ حَديرٍ أنَّ رَجلًا حلَفَ عندَه بالأَمانةِ فجعَلَ يَبكِي بُكاءً شَديدًا فقالَ له الرَّجلُ: هل كانَ هذا يُكرَه؟ قالَ: «نَعم، كانَ عُمرُ يَنهى عن الحَلفِ بالأَمانةِ أَشدَّ النَّهيِ».
وهو نَهيُ تَحريمٍ على الصَّحيحِ عندَ الحَنابِلةِ، وفي قَولٍ: نَهيُ كَراهةٍ.
(١) «الحاوي الكبير» (١٥/ ٢٧٩، ٢٨٠)، و «المهذب» (٢/ ١٣٠)، و «البيان» (١٠/ ٥٠١)، و «روضة الطالبين» (٧/ ١٣٦، ١٣٧)، و «النجم الوهاج» (١٠/ ٢٠)، و «المغني» (٩/ ٤٠٥)، و «شرح الزركشي» (٣/ ٣٠٤، ٣٠٥)، و «المبدع» (٩/ ٢٥٦)، و «الإنصاف» (١١/ ٥).
(٢) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٣٢٥٣).
إلا أنَّ الفُقهاءَ اختَلفوا فيما إذا حلَفَ بالأَمانةِ أو بأَمانةِ اللهِ هل يَنعقِدُ يَمينُه أم لا؟
فذهَبَ الحَنفيةُ في رِوايةِ الأَصلِ والمالِكيةُ إلى أنَّها يَمينٌ مُكفَّرةٌ، وكذا عندَ الشافِعيةِ والحَنابِلةِ إذا نَوى بها اليَمينَ، وإنْ لَم يَنوِ بها اليَمينَ أو أَطلَقَ فليسَت بيَمينٍ.
وعندَ أَبي يُوسفَ وأَبي جَعفرٍ الطَّحاوِيِّ مِنْ الحَنفيةِ ليسَت بيَمينٍ، وبَيانُ ذلك فيما يَلي.
فذهَبَ الحَنفيةُ في رِوايةِ الأَصلِ أنَّه لو قالَ: «وأَمانةِ اللهِ أنَّه يَكونُ يَمينًا».
وذكَرَ ابنُ سَماعةَ عن أَبي يُوسفَ أنَّه لا يَكونُ يَمينًا.
قالَ الكَاسانِيُّ: وذكَرَ الطَّحاوِيُّ عن أَصحابِنا جَميعًا أنَّه ليسَ بيَمينٍ.
وَجهُ ما ذكَرَه الطَّحاوِيُّ أنَّ أَمانةَ اللهِ فَرائضُه التي تَعبَّدَ عِبادُه بها مِنْ الصَّلاةِ والصَّومِ وغيرِ ذلك، قالَ اللهُ تَعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ﴾ [لقمان: ٧٢] فكانَ حَلفًا بغيرِ اسمِ اللهِ ﷿ فلا يَكونُ يَمينًا.
وَجهُ ما ذكَرَه في الأَصلِ أنَّ الأَمانةَ المُضافةَ إلى اللهِ تَعالى عندَ القَسمِ يُرادُ بها صِفتُه، ألا تَرى أنَّ الأَمينَ مِنْ أَسماءِ اللهِ تَعالى وأنَّه اسمٌ مُشتَقٌّ مِنْ الأَمانةِ؟ فكانَ المُرادُ بها عندَ الإِطلاقِ خُصوصًا في مَوضعِ القَسمِ صفةَ اللهِ (١).
(١) «بدائع الصنائع» (٣/ ٦)، و «مختصر اختلاف العلماء» (٣/ ٢٤٠).
وقالَ الإمامُ السَّرخسيُّ رحمة الله عليه: قالَ مُحمدٌ رحمة الله عليه في قولِه: «وأَمانةِ اللهِ»: إنَّه يَمينٌ، ثم سُئلَ عن مَعناهُ فقالَ: لا أَدرِي فكأنَّه قالَ: وجَدَ العَربَ يَحلِفونَ بأَمانةِ اللهِ عادةً فجعَلَه يَمينًا وذكَرَ الطَّحاوِيُّ أنَّ قولَه: «وأَمانةِ اللهِ» لا يَكونُ يَمينًا؛ لأنَّه عِبادةٌ مِنْ العِباداتِ والطَّاعاتِ ولكنْ أمَرَ اللهُ تَعالى بها وهي غيرُ اللهِ تَعالى.
وَجهُ رِوايةِ الأَصلِ أنَّه يَتعذَّرُ الإِشارةُ إلى شَيءٍ بعَينِه على الخُصوصِ أنَّه أَمانةُ اللهِ، والحَلفُ به مُتعارَفٌ وعلِمنَا أنَّهم يُريدونَ به الصِّفةَ فكأنَّه قالَ: «واللهِ الأَمينِ» (١).
وذهَبَ المالِكيةُ إلى أنَّه إذا حلَفَ بأَمانةِ اللهِ بأنْ قالَ: وأَمانةِ اللهِ فإنَّها يَمينٌ مُكفَّرةٌ؛ لأنَّها صِفةٌ مِنْ صِفاتِ الذَّاتِ يُوصَفُ بها الأَمينُ المُؤتَمنُ لَم يَزلْ تَعالى مَوصوفًا به فصارَ كقولِه: «وعَظمةِ اللهِ وقُدرتِه».
إلا أنَّهم قالوا: هذا إذا قصَدَ بها صِفةَ البارِئِ تَعالى، فأمَّا إنْ أَرادَ ما جعَلَه اللهُ تَعالى في عِبادِه مِنْ الأَمانةِ فلا، وقالَه أَشهبُ. وحينَئذٍ تَكونُ يَمينًا غيرَ مَشروعةٍ (٢).
(١) «المبسوط» (٨/ ١٣٣)، و «شرح فتح القدير» (٥/ ٦٧)، و «الاختيار» (٤/ ٦٠).
(٢) «المدونة الكبرى» (٣/ ١٠٣)، و «شرح صحيح البخاري» (٦/ ١١٧)، و «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٤/ ٢٧٧)، و «التاج والإكليل» (٢/ ٢٧٥)، و «شرح مختصر خليل» (٣/ ٥٢)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٢/ ٤٠٠)، و «تحبير المختصر» (٢/ ٣٥٨).
وذهَبَ الشافِعيةُ إلى أنَّه إذا قالَ: «وأَمانةٍ، لا فَعلتُ كذا»، أو قالَ: «وأَمانتِه، لأَفعلَنَّ كذا»، فإنْ نَوى به اليَمينَ .. فهو يَمينٌ، وإنْ لَم نَوى به العِباداتِ التي أخَذَ اللهُ علَينا العَهدَ بأَدائِها .. لَم يَكنْ يَمينًا؛ لقولِه تَعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ﴾ [الأحزاب: ٧٢] قيلَ في التَّفسيرِ: هي الأَعمالُ بالثَّوابِ.
وإنْ أُطلِقَ ففيه وَجهانِ:
أَحدُهما: هو يَمينٌ؛ لأنَّ العادةَ قد جرَت بالحَلفِ بذلك، فانصَرفَ إِطلاقُها إلى اليَمينِ، كقولِه: «وعَظمةِ اللهِ».
والثانِي -وهو المَنصوصُ وهو الصَّحيحُ مِنْ المَذهبِ-: أنَّه ليسَ بيَمينٍ؛ لأنَّ ظاهِرَ اللَّفظِ يَنصرفُ إلى ما وجَبَ له على خَلقِه مِنْ العِباداتِ، فلَم تَصرْ يَمينًا من غيرِ نيةٍ (١).
وذهَبَ الحَنابِلةُ إلى أنَّ مِنْ الأَيمانِ المُكفَّرةِ الحَلفِ بالأَمانةِ فإنْ أَضافَها إلى اللهِ، أو نَوى بها صِفةَ اللهِ تَعالى فهو يَمينٌ، وإنْ قالَ: والأَمانةِ. وأَطلَقَ فرِوايتانِ الصَّحيحُ منهما لا يَكونُ يَمينًا (٢).
(١) «الحاوي الكبير» (١٥/ ٢٧٩، ٢٨٠)، و «المهذب» (٢/ ١٣٠)، و «البيان» (١٠/ ٥٠١)، و «روضة الطالبين» (٧/ ١٣٦، ١٣٧)، و «النجم الوهاج» (١٠/ ٢٠)، و «المغني» (٩/ ٤٠٥)، و «شرح الزركشي» (٣/ ٣٠٤، ٣٠٥)، و «المبدع» (٩/ ٢٥٦)، و «الإنصاف» (١١/ ٥).
(٢) «المغني» (٩/ ٤٠٥)، و «شرح الزركشي» (٣/ ٣٠٨)، و «الإنصاف» (١١/ ٦)، و «كشاف القناع» (٦/ ٢٩٤)، و «مطالب أولي النهى» (٦/ ٣٦٤).
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الأيمان
فصل في الحلف على أمور شرعية
يَجُوزُ اسْتِعْمَالُ الْعَلَمِ فِي مَوْضِعِ النَّكِرَةِ لِأَنَّ اسْمَ الْأَعْلَامِ وَإِنْ كَانَتْ مَعَارِفَ لَكِنْ لَا بُدَّ مِنْ سَبْقِ الْمَعْرِفَةِ مِنْ الْمُتَكَلِّمِ وَالسَّامِعِ حَتَّى يُجْعَلَ هَذَا اللَّفْظُ عَلَمًا عِنْدَهُ وَعِنْدَ سَبْقِ الْمَعْرِفَةِ مِنْهُمَا بِذَلِكَ إمَّا بِتَعَيُّنِ الْمُسَمَّى بِالْعَلَمِ بِاسْمِهِ إذَا لَمْ يَكُنْ يُزَاحِمُهُ غَيْرُهُ وَالْعَلَمُ وَاحْتِمَالُ الْمُزَاحَمَةِ ثَابِتٌ وَإِذَا جَازَ اسْتِعْمَالُ الْعَلَمِ فِي مَوْضِعِ النَّكِرَةِ وَقَدْ وُجِدَ هَهُنَا دَلِيلُ انْصِرَافِ التَّسْمِيَةِ إلَى غَيْرِ الْحَالِفِ وَهُوَ أَنَّ الْإِنْسَانَ فِي الْعُرْفِ الظَّاهِرِ مِنْ أَهْلِ اللِّسَانِ أَنَّهُ لَا يَذْكُرُ نَفْسَهُ بِاسْمِ الْعَلَمِ بَلْ يُضِيفُ غُلَامَهُ إلَيْهِ بِيَاءِ الْإِضَافَةِ فَيَقُولُ غُلَامِي فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ نَفْسَهُ وَأَنَّهُ مَا دَخَلَ تَحْتَ الْعَلَمِ الَّذِي هُوَ مَعْرِفَةٌ فَلَمْ يَخْرُجْ الْحَالِفُ عَنْ عُمُومِ هَذِهِ النَّكِرَةِ.
فَصْلٌ فِي الْحَلِفِ عَلَى أُمُورٍ شَرْعِيَّةٍ
(فَصْلٌ) :
وَأَمَّا النَّوْعُ الثَّانِي وَهُوَ الْحَلِفُ عَلَى أُمُورٍ شَرْعِيَّةٍ وَمَا يَقَعُ مِنْهَا عَلَى الصَّحِيحِ وَالْفَاسِدِ أَوْ عَلَى الصَّحِيحِ دُونَ الْفَاسِدِ مِثْلِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَالْهِبَةِ وَالْمُعَارَضَةِ وَالْعَارِيَّةِ وَالنِّحْلَة وَالْعَطِيَّةِ وَالصَّدَقَةِ وَالْقَرْضِ وَالتَّزْوِيجِ وَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَنَحْوِ ذَلِكَ إذَا حَلَفَ لَا يَشْتَرِي ذَهَبًا وَلَا فِضَّةً فَاشْتَرَى دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ أَوْ آنِيَةً أَوْ تِبْرًا أَوْ مَصُوغَ حِلْيَةٍ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ ذَهَبٌ أَوْ فِضَّةٌ فَإِنَّهُ يَحْنَثُ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ.
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب الأيمان
باب من حلف على امرأته لا تخرج إلا بإذنه
بَابُ مَنْ حَلَفَ عَلَى امْرَأَتِهِ لَا تَخْرُجُ إلا بإذنه
(مسألة:)
قال الشافعي: " مَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ طالقٌ إِنْ خَرَجْتِ إِلَّا بِإِذْنِي أَوْ حَتَّى آذَنَ لَكِ فَهَذَا عَلَى مرةٍ واحدةٍ وَإِذَا خَرَجَتْ بِإِذْنِهِ فَقَدَ بَرَّ وَلَا يَحْنَثُ ثَانِيَةً إِلَّا أَنْ يَقُولَ كُلَّمَا خَرَجْتِ إِلَّا بِإِذْنِي فَهَذَا عَلَى كُلِّ مرةٍ " .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ أَلْفَاظَ يَمِينِهِ إِذَا حَلَفَ عَلَى زَوْجَتِهِ أَنْ لَا تَخْرُجَ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَنْقَسِمُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: مَا اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهَا تَنْعَقِدُ عَلَى مَرَّةٍ واحدة، ولا توجب التكرار، وذلك لفظتنا " إِلَى " وَ " حَتَّى " .
فَإِذَا قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ إِنْ خَرَجْتِ إِلَى أَنْ آذَنَ لَكِ، أَوْ حَتَّى آذَنَ لَكِ، فَتَنْعَقِدُ يَمِينُهُ عَلَى خُرُوجِهَا مَرَّةً وَاحِدَةً بِإِذْنِهِ، فَإِنْ خَرَجَتْ مَرَّةً وَاحِدَةً بِإِذْنِهِ بَرَّ، وَانْحَلَّتْ يَمِينُهُ وَلَا يَحْنَثُ، وَإِنْ خَرَجَتْ بَعْدَ ذَلِكَ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، وَاخْتَلَفُوا فِي الْعِلَّةِ مَعَ اتِّفَاقِهِمْ فِي الْحُكْمِ. فَعَلَّلَ أصحاب أبي حنيفة بأنهما لفظتان غاية ارتفع حكمها بانقضائها.
وَعَلَّلَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ بِأَنَّهُمَا لَمَّا لَمْ يَتَكَرَّرَا فِي الْحِنْثِ لَمْ يَتَكَرَّرَا فِي الْبِرِّ.
وَتَأْثِيرُ هَذَا الِاخْتِلَافِ فِي التَّعْلِيلِ يَتَبَيَّنُ فِي الْقِسْمِ الثَّالِثِ، فَهَذَا حُكْمُ الْقِسْم الْأَوَّل.
ارجع إلى أنواع الأيمان للاطلاع على جميع المسائل.