الحلف بالمصحف أو بالقرآن

الإسلام > الأيمان والمواريث > أنواع الأيمان > الحلف بالمصحف أو بالقرآن

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 12 دقيقة قراءة

الحلف بالمصحف أو بالقرآن - الأقوال والأدلة

وُجوبِ الكَفارةِ بجِوازِ الحَلفِ به، أما إنْ لَم يَجبْ بالحَلفِ به كَفارةٌ فحُكمُه في الحَلفِ به حُكمَ غيرِه، هل يُكرَه ذلك وهو الذي جزَمَ به أَبو الخَطابِ في «الهِداية»، وأَبو عَلي، وابنُ البنَّا، وأَوردَه أَبو مُحمدٍ مَذهبًا، أو يَحرُمُ وهو الذي أَوردَه أَبو البَركاتِ مَذهبًا، وهو ظاهِرُ الحَديثِ؟ على قَولينِ، (وعن أَحمدَ) ما يَحتَملُهما (١).

وقالَ شيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميةَ رحمة الله عليه: عن أَحمدَ في الحَلفِ بالنَّبيِّ رِوايَتانِ:

إِحداهُما: لا يَنعقِدُ اليَمينُ به كقَولِ الجُمهورِ مالكٍ وأَبي حَنيفةَ والشافِعيِّ.

والثانِيةُ: يَنعقِدُ اليَمينُ به، واختَارَ ذلك طائِفةٌ مِنْ أَصحابِه كالقاضِي وأَتباعِه وابنِ المُنذرِ، وافقَ هؤلاءِ وقصَرَ أكثَرُ هؤلاءِ النِّزاعَ في ذلك على النَّبيِّ خاصةً وعدَّى ابنُ عَقيلٍ هذا الحُكمَ إلى سائرِ الأَنبياءِ، وإِيجابُ الكَفارةِ بالحَلفِ بمَخلوقٍ وإنْ كانَ نَبيًّا قولٌ ضَعيفٌ في الغايةِ مُخالِفٌ للأُصولِ والنُّصوصِ (٢).

الحَلفُ بالمُصحفِ أو بالقُرآنِ:

اختَلفَ الفُقهاءُ فيمن حلَفَ بالمُصحفِ أو بالقُرآنِ الكَريمِ هل يَنعقِدُ يَمينُه ويَجبُ عليه الكَفارةُ إذا حنِثَ أم لا يَنعقِدُ يَمينُه ولا تَجبُ عليه كَفارةٌ إذا حنِثَ؟

(١) «شرح الزركشي» (٣/ ٣٠٩).
(٢) «مجموع الفتاوى» (١/ ٢٠٤).

فذهَبَ مُتقدِّمو الحَنفيةِ ومالكٌ في رِوايةٍ إلى أنَّ مَنْ حلَفَ بالمُصحفِ أو القُرآنِ فإنَّه لا كَفارةَ فيهما إذا حنِثَ؛ لأنَّ القُرآنَ هو المَجموعُ المَكتوبُ في المُصحفِ بالعَربيةِ؛ لأنَّه مِنْ القَرءِ، وهو الجَمعُ، وأنَّه يَقتضِي الضمَّ والتَّركيبَ، وذلك مِنْ صِفاتِ الحادِثِ، فيَكونُ غيرَ اللهِ تَعالى وغيرَ صِفاتِه؛ لأنَّ صِفاتَه قائمَةٌ بذاتِه أَزليَّةٌ كهو، حتى لو حلَفَ بكَلامِ اللهِ كانَ يَمينًا؛ لأنَّ كَلامَه صِفةٌ قائمَةٌ بذاتِه لا يُوصفُ بشَيءٍ مِنْ اللُّغاتِ؛ لأنَّ اللُّغاتَ كلَّها مُحدَثةٌ مَخلوقةٌ، أو اصطِلاحِيةٌ على الاختِلافِ، فلا يَجوزُ أنْ تَكونَ قَديمةً، بل هي عِبارةٌ عن القَديمِ الذي هو كَلامُ اللهِ تَعالى.

وأما البَراءةُ مِنْ ذلك فيَمينٌ، كقولِه: «إنْ فَعلتُ كذا فأَنا بَريءٌ مِنْ القُرآنِ أو ممَّا في المُصحفِ أو مِنْ صَومِ رَمضانَ أو مِنْ الصَّلاةِ أو مِنْ الحَجِّ».

وأَصلُه: أنَّ كلَّ ما يَكونُ اعتِقادُه كُفرًا ولا تُحلُّه الشَّريعةُ ففيهِ الكَفارةُ إذا حنِثَ؛ لأنَّ الكُفرَ لا تَجوزُ استِباحتُه على التَّأبيدِ لحقِّ اللهِ تَعالى، فصارَ كحُرمةِ اسمِه (١).

وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ في المَشهورِ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ ومُتأخِّرو الحَنفيةِ وقولُ عامَّةِ أهلِ العِلمِ إلى أنَّ الحَلفَ بالقُرآنِ أو بآيةٍ منه أو بالمُصحفِ يَمينٌ مُنعقِدةٌ تَجبُ الكَفارةُ بالحِنثِ فيها؛ لأنَّ ابنَ الزُّبيرِ كانَ يَحلفُ على المُصحفِ، ولأنَّ الحالِفَ بالمُصحفِ إنَّما قصَدَ الحَلفَ بالمَكتوبِ فيه وهو القُرآنُ فإنَّه بينَ دَفتَي المُصحفِ بإِجماعِ المُسلِمينَ.

(١) «الاختيار» (٤/ ٦١، ٦٢)، و «الجوهرة النيرة» (٦/ ١٦)، و «اللباب» (٢/ ٣٨٤)، و «حاشية ابن عابدين» (٣/ ٧١٣)، و «عمدة القاري» (٢٣/ ١٨٥).

ولأنَّ القُرآنَ كَلامُ اللهِ وصِفةٌ مِنْ صِفاتِ ذاتِه فتَنعقِدُ اليَمينُ به كما لو قالَ: «وجَلالِ اللهِ وعَظمتِه».

وهذا ما عليه كَثيرٌ مِنْ مُتأخِّري الحَنفيةِ، جاءَ في «الدُّر المُختار»: وأما الحَلفُ بكَلامِ اللهِ فيَدورُ معَ العُرفِ، وقالَ العَينيُّ: وعِندي أنَّ المُصحفَ يَمينٌ لا سِيما في زَمانِنا، وعندَ الثَّلاثةِ المُصحفُ والقُرآنُ وكَلامُ اللهِ يَمينٌ.

قالُ ابنُ عابِدينَ: ونُقلَ في الهِنديةِ عن المُضمراتِ، وقد قيلَ هذا في زَمانِهم، أما في زَمانِنا فيَمينٌ وبه نَأخذُ ونَأمرُ ونَعتقِدُ.

وقالَ مُحمدُ بنُ مُقاتلٍ الرَّازيُّ: إنه يَمينٌ وبه أخَذَ جُمهورُ مَشايخِنا. اه

فهذا مُؤيدٌ لكَونِه صِفةً تُعورِفَ الحَلفُ بها كعِزةِ اللهِ وجَلالِه.

قولُه (فيَدورُ معَ العُرفِ)؛ لأنَّ الكَلامَ صِفةٌ مُشتَركةٌ.

قولُه (وقالَ العَينيُّ إلخ): عِبارتُه وعِندي لو حلَفَ بالمُصحفِ أو وضَعَ يدَه عليه وقالَ: «وحقِّ هذا» فهو يَمينٌ ولا سِيما في هذا الزَّمانِ الذي كثُرَت فيه الأَيمانُ الفاجِرةُ ورَغبةُ العَوامِّ في الحَلفِ بالمُصحفِ. اه

وأَقرَّه في «النهر» وفيه نَظرٌ ظاهِرٌ؛ إذِ المُصحفُ ليسَ صِفةً للهِ تَعالى حتى يُعتبَرَ فيه العَرفُ وإلا لكانَ الحَلفُ بالنَّبيِّ والكَعبةِ يَمينًا لأنَّه مُتعارَفٌ، وكذا بحَياِة رأسِك ونحوِه، ولَم يَقلْ به أحدٌ على أنَّ قولَ الحالِفِ «وحقِّ اللهِ» ليسَ بيَمينٍ كما يَأتِي تَحقيقُه، وحقُّ المُصحفِ مثلُه بالأَولَى، وكذا «وحقِّ كَلامِ الله»؛ لأنَّ حقَّه تَعظيمُه والعَملُ له وذلك صِفةُ العَبدِ، نعم لو

قالَ أُقسمُ بما في هذا المُصحفِ مِنْ كَلامِ الله تَعالى يَنبَغي أنْ يَكونَ يَمينًا (١).

وقالَ الوَزيرُ ابنُ هُبيرةَ رحمة الله عليه: واختَلفُوا فيما إذا حلَفَ بالمُصحفِ. فقالَ مالكٌ وأَحمدُ: يَنعقِدُ يَمينُه فإنْ حنِثَ فعليه كَفارةٌ وهو مَذهبُ الشافِعيِّ أيضًا.

قالَ الوَزيرُ: وقد نُقلَ في ذلك خِلافٍ لما ذكَرْناه ولكنْ هو ممَّن لا يُعتدُّ بقولِه.

قالَ الوزيرُ: قلتُ: إنَّ مَنْ خالَفَ في هذا فإنَّه لا يُعتدُّ بقولِه؛ لكَونِه أَعلَم أنه ليسَ بقولٍ صَحيحٍ لكنْ لَم أَعلَمْ أنِّي سُبِقتُ إليه حتى رَأيتُ بعدُ في كِتابِ «التمهيد» لابنِ عبدِ البَرِّ هذه المَسألةَ بعَينِها، وقد حَكى فيها أَقوالَ الصَّحابةِ والتابِعينَ واختِلافَهم في قَدرِ الكَفارةِ معَ اتِّفاقِهم على إِيجابِها، ثم قالَ: ولا مُخالِفَ لهذا إلا مَنْ لا يُعتدُّ بقولِه، وذكَرَ كَلامًا كَثيرًا على عادتِه في البَسطِ، وأَشارَ إلى تَوهينِ المُخالِفينَ لذلك بما هو مَسطورٌ في كِتابِه لمَن آثَرَ الوُقوفَ عليه والحَمدُ للهِ على التَّوفيقِ.

(١) «حاشية ابن عابدين» (٣/ ٧١٣)، و «عمدة القاري» (٢٣/ ١٨٥)، و «شرح صحيح البخاري» (٦/ ١١٩)، و «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٤/ ٢٧٨، ٢٧٩)، و «تفسير القرطبي» (٦/ ٣٥٤)، و «التاج والإكليل» (٢/ ٢٧٤، ٢٧٥)، و «شرح مختصر خليل» (٣/ ٥١)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٢/ ٤٠٠)، و «تحبير المختصر» (٢/ ٣٥٨)، و «المهذب» (٢/ ٣٢٢)، و «روضة الطالبين» (٧/ ١٣٣، ١٣٤)، و «المغني» (٩/ ٣٩٨، ٣٩٩)، و «الكافي» (٤/ ٣٧٩)، و «شرح الزركشي» (٣/ ٣١٠، ٣١١)، و «المبدع» (٩/ ٢٥٩)، و «الإنصاف» (١١/ ٨)، و «كشاف القناع» (٦/ ٢٩٤)، و «منار السبيل» (٣/ ٤١٠، ٤١١).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الأيمان
فصل في الحلف على الدخول

وَكَذَا مَنْ حَلَفَ لَا يَمَسُّ وَتَدًا فَمَسَّ جَبَلًا لَا يَحْنَثُ وَإِنْ سَمَّى اللَّهُ ﷿ الْجَبَلَ وَتَدًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا﴾ النبأ: ٧ فَثَبَتَ أَنَّ مَا قَالَهُ مَالِكٌ غَيْرُ صَحِيحٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

فَصْلٌ فِي الْحَلِفِ عَلَى الدُّخُولِ

(فَصْلٌ) :

أَمَّا الْحَلِفُ عَلَى الدُّخُولِ فَالدُّخُولُ اسْمٌ لِلِانْفِصَالِ مِنْ الْعَوْرَةِ إلَى الْحِصْنِ، فَإِنْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ هَذِهِ الدَّارَ وَهُوَ فِيهَا فَمَكَثَ بَعْدَ يَمِينِهِ لَا يَحْنَثُ اسْتِحْسَانًا، وَالْقِيَاسُ أَنْ يَحْنَثَ، ذَكَرَ الْقِيَاسَ وَالِاسْتِحْسَانَ فِي الْأَصْلِ.

وَجْهُ الْقِيَاسِ أَنَّ الْمُدَاوَمَةَ عَلَى الْفِعْلِ حُكْمُ إنْشَائِهِ كَمَا فِي الرُّكُوبِ وَاللُّبْسِ، بِأَنْ حَلَفَ لَا يَرْكَبُ وَلَا يَلْبَسُ وَهُوَ رَاكِبٌ وَلَابِسٌ فَمَكَثَ سَاعَةً أَنَّهُ يَحْنَثُ لِمَا قُلْنَا، كَذَا هَذَا.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 533 - 536

ارجع إلى أنواع الأيمان للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
اللهم صل على محمد