الحلف بحق الله

الإسلام > الأيمان والمواريث > أنواع الأيمان > الحلف بحق الله

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 9 دقيقة قراءة

الحلف بحق الله - الأقوال والأدلة

الحَلفُ بحقِّ اللهِ:

اختَلفَ الفُقهاءُ فيمن حلَفَ بحقِّ اللهِ هل هي يَمينٌ تُكفَّرُ أم ليسَت بيَمينٍ ولا كَفارةٍ فيها إنْ حنِثَ صاحبُها؟

فذهَبَ الإمامُ أَبو حَنيفةَ ومُحمدُ بنُ الحَسنِ الشَّيبانِيُّ وأَبو يُوسفَ في رِوايةٍ إلى أنَّه لا كَفارةَ فيه لأنَّه ليسَ بيَمينٍ لأنَّ حقَّ اللهِ على عِبادِه الطَّاعاتُ كما فسَّرَ رَسولُ اللهِ في قولِه لمُعاذٍ: «أَتدرِي ما حقُّ اللهِ تَعالى على عِبادِه أنْ يَعبدُوه ولا يُشرِكوا به شيئًا» (١) والحَلفُ بعِبادةِ اللهِ وطاعَتُه لا يَكونُ يَمينًا.

ولو قالَ: والحقُّ يَكونُ يَمينًا لأنَّ الحقَّ مِنْ أَسماءِ اللهِ تَعالى قالَ اللهُ تَعالى: ﴿وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ (٢٥)[النور: ٢٥] وقيلَ: إنْ نَوى به اليَمينَ يَكونُ يَمينًا وإلا فلا لأنَّ اسمَ الحقِّ كما يُطلَقُ على اللهِ تَعالى يُطلَقُ على غيرِه فيَقفُ على النِّيةِ (٢).

وذهَبَ المالِكيةُ وأَبو يُوسفَ في رِوايةٍ والحَنابِلةُ إلى أنَّ مَنْ حلَفَ بحقِّ اللهِ بأنْ قالَ: «وحقِّ اللهِ لا أَفعلُ كذا» فهي يَمينٌ مُكفَّرةٌ تَجبُ فيها الكَفارةُ إذا حنِثَ لأنَّها يَمينٌ في عُرفِ اللُّغةِ والشَّرعِ؛ لأنَّ كلَّ أحدٍ يَعقلُ عن قَصدِ الحالِفِ بها ما يَعقِلُ مِنْ قولِه «وعزَّةِ اللهِ وقُدرةِ اللهِ»؛ فوجَبَ أنْ يَكونَ يَمينًا، ولأنَّ حقَّ اللهِ صِفةٌ لذاتِه؛ لأنَّ مَعناها استِحقاقُه على عِبادِه طاعتَه، وذلك

(١) أخرجه البخاري (٢٧٠١).
(٢) «مختصر اختلاف العلماء» (٣/ ٢٤٠)، و «المبسوط» (٨/ ١٣٤)، و «بدائع الصنائع» (٣/ ٧)، و «الهداية» (٢/ ٧٣)، و «الاختيار» (٤/ ٦٢)، و «الجوهرة النيرة» (٦/ ١٧).

قَديمٌ غيرُ مُحدَثٍ؛ لأنَّه لَم يَزلْ مَوصوفًا بأنَّه مُستَحقٌّ على مَنْ يَخلُقه طاعَته وعِبادَته (١).

وقالَ الشافِعيةُ: إذا قالَ: «وحقِّ اللهِ لأَفعلنَّ كذا»، فإن نَوى به اليَمينَ، فيَمينٌ، وإنْ نَوى غيرَها مِنْ العِباداتِ وغيرِها، فليسَ بيَمينٍ، وإن أَطلقَ فوَجهانِ:

أَحدُهما: ليسَ بيَمينٍ.

والثانِي: وهو الصَّحيحُ المَنصوصُ أنَّه يَمينٌ؛ لأنَّه غلَبَ استِعمالُه في اليَمينِ، فتَصيرُ هذه القَرينةُ صارِفةً للَّفظِ إلى مَعنى استِحقاقِ الإِلهيةِ والعَظمةِ.

وقالَ المُتوليُّ: ولو قالَ: «وحقُّ اللهِ» -بالرَّفعِ- ونَوى اليَمينَ فيَمينٌ، وإنْ أَطلقَ، فلا، وإنْ قالَه بالنَّصبِ وأَطلقَ فوَجهانِ: والذي أَجابَ به البَغويُّ المَنعُ في النَّصبِ أَيضًا (٢).

(١) «مختصر اختلاف العلماء» (٣/ ٢٣٩، ٢٤٠)، و «المبسوط» (٨/ ١٣٤)، و «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٤/ ٢٧٧)، و «شرح صحيح البخاري» (٦/ ١١٧)، و «التمهيد» (١٤/ ٣٧١، ٣٧٢)، و «التاج والإكليل» (٢/ ٢٧٤)، و «شرح مختصر خليل» (٣/ ٥٢)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٢/ ٤٠٠)، و «تحبير المختصر» (٢/ ٣٥٧)، و «الإفصاح» (٢/ ٣٦٦)، و «المغني» (٩/ ٣٩٥، ٣٩٦)، و «المبدع» (٩/ ٢٥٦)، و «الإنصاف» (١١/ ٥)، و «كشاف القناع» (٦/ ٢٩٣).
(٢) «الأم» (٧/ ٦١، ٦٢)، و «الحاوي الكبير» (١٥/ ٢٧٤، ٢٧٥)، و «روضة الطالبين» (٧/ ١٣١)، و «النجم الوهاج» (١٠/ ١٥)، و «مغني المحتاج» (٦/ ٢٠١، ٢٠٢).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الأيمان
فصل في الحلف على الكلام

بَطَلَ الْيَمِينُ فَلَا يَحْتَمِلُ الْعَوْدَ، وَعَلَى هَذَا قَالُوا فِي عَامِلٍ اسْتَحْلَفَ رَجُلًا أَنْ يَرْفَعَ إلَيْهِ كُلُّ مَنْ عَلِمَ بِهِ مِنْ فَاسِقٍ أَوْ دَاعِرٍ أَوْ سَارِقٍ فِي مَحَلَّتِهِ وَلَمْ يَعْلَمْ مِنْ ذَلِكَ حَتَّى عُزِلَ الْعَامِلُ عَنْ عَمَلِهِ ثُمَّ عَلِمَ فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَرْفَعَهُ وَقَدْ خَرَجَ عَنْ يَمِينِهِ، وَبَطَلَتْ عَنْهُ لِأَنَّهَا تَقَيَّدَتْ بِحَالِ عَمَلِهِ بِدَلَالَةِ الْغَرَضِ؛ لِأَنَّ غَرَضَ الْعَامِلِ أَنْ يَرْفَعَ إلَيْهِ مَادَامَ وَالِيًا فَإِذَا زَالَتْ وِلَايَتُهُ ارْتَفَعَتْ الْيَمِينُ فَإِنْ عَادَ الْعَامِلُ عَامِلًا بَعْدَ عَزْلِهِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَيْضًا أَنْ يَرْفَعَ ذَلِكَ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ قَدْ بَطَلَتْ فَلَا تَعُودُ سَوَاءٌ عَادَ عَامِلًا بَعْدَ ذَلِكَ أَوْ لَمْ يَعُدْ، وَلَوْ كَانَ الْحَالِفُ عَلِمَ بِبَعْضِ مَا اُسْتُحْلِفَ عَلَيْهِ فَأَخَّرَ رَفْعَ ذَلِكَ حَتَّى عُزِلَ الْعَامِلُ حَنِثَ فِي يَمِينِهِ، وَلَمْ يَنْفَعْهُ رَفْعُ ذَلِكَ إلَيْهِ بَعْدَ عَزْلِهِ؛ لِأَنَّ الرَّفْعَ تَقَيَّدَ بِحَالِ قِيَامِ الْوِلَايَةِ، فَإِذَا زَالَتْ الْوِلَايَةُ فَقَدْ فَاتَ شَرْطُ الْبِرِّ.

قَالَ مُحَمَّدٌ فِي الزِّيَادَاتِ: إلَّا أَنْ يَعْنِيَ أَنْ يَرْفَعَ إلَيْهِمْ عَلَى كُلِّ حَالٍ فِي السُّلْطَانِ وَغَيْرِهِ، وَأَدِينُهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ ﷿ وَفِي الْقَضَاءِ؛ لِأَنَّهُ نَوَى ظَاهِرَ كَلَامِهِ وَهُوَ الْعُمُومُ فَيُصَدَّقُ دِيَانَةً وَقَضَاءً.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 543 - 544

ارجع إلى أنواع الأيمان للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.5 / 29.5
الإضاءة 41%
البدر بعد 8 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله