الحلف بعهد الله وميثاق الله

الإسلام > الأيمان والمواريث > أنواع الأيمان > الحلف بعهد الله وميثاق الله

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 10 دقيقة قراءة

الحلف بعهد الله وميثاق الله - الأقوال والأدلة

واختَلفَ مالكٌ وأَحمدُ في قَدرِ الكَفارةِ إذا حنِثَ وكانَ قد حلَفَ بالمُصحفِ. فقالَ مالكٌ: كَفارةٌ واحِدةٌ وهو مَذهبُ الشافِعيِّ.

وعن أَحمدَ رِوايتانِ: إِحداهُما: كمَذهبِ مالكٍ في إِيجابِ كَفارةٍ واحِدةٍ، والأُخرَى: يَلزمُه بكلِّ آيةٍ منه كَفارةٌ (١).

الحَلفُ بعَهدِ اللهِ ومِيثاقِ اللهِ:

اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ مَنْ حلَفَ بعَهدِ اللهِ ومِيثاقِ اللهِ هل يُعتبَرُ يَمينًا مُنعقِدةً إذا حنِثَ وجَبَ عليه كَفارةُ يَمينٍ أم ليسَت بيَمينٍ إلا إذا نَوى بها اليَمينَ؟

فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ الحَلفَ بعَهدِ اللهِ أو بمِيثاقِ اللهِ بأنْ قالَ: «عليَّ عَهدُ اللهِ» أو «علي مِيثاقُ اللهِ» يَمينٌ مُنعقِدةٌ إذا حنِثَ وجَبَ عليه كَفارةُ اليَمينِ لقولِه تَعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل: ٩١]، فسمَّى العَهدَ يَمينًا وَنهى عن نَقدِه بعدَ تَوكيدِه، والمِيثاقُ عِبارةٌ عن العَهدِ، ولأنَّ عائِشةَ رضي الله عنها حلَفَت بالعَهدِ أنْ لا تُكلِّمَ ابنَ الزُّبيرِ فلمَّا كلَّمتْه أَعتَقت أَربَعينَ رَقبةً، وكانَت إذا ذَكرَته تَبكي وتَقولُ: واعَهداهُ، ولأنَّ عهدَ اللهِ يَحتِملُ كَلامَه الذي أمَرَنا به ونَهانا كقولِه تَعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ﴾ [يس: ٦٠]، وكَلامُه قَديمٌ صِفةٌ له، ويَحتَملُ أنَّه استِحقاقُه لِما تَعبدْنا به وقد ثبَتَ له عُرفُ الاستِعمالِ فيَجبُ أنْ يَكونَ يَمينًا بإِطلاقِه كما لو قالَ: «وكَلامِ اللهِ».

(١) «الإفصاح» (٢/ ٣٦٧، ٣٦٨).

وكذا إذا قالَ: «وعَهدِ اللهِ» أو «ومِيثاقِ اللهِ» عندَهم جَميعًا خِلافًا لأَبي حَنيفةَ ومُحمدٍ فإنَّهما قالَا: لا يَكونُ يَمِينًا؛ لأنَّ عَهدَ اللهِ هو أَمرُه، قالَ اللهُ تَعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ﴾ [يس: ٦٠]، وقالَ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ﴾ [طه: ١١٥]، فصارَ كأنَّه قالَ: «وأَمرِ اللهِ» (١).

وذهَبَ الشافِعيةُ (والحَنابِلةُ في رِوايةٍ) إلى أنَّه إذا قالَ: «عليَّ عَهدُ اللهِ، ومِيثاقُه، وكَفالتُه، وأَمانتُه، لا فَعلتُ كذا»، أو قالَ: «وعَهدِ اللهِ، ومِيثاقِه، وكَفالتِه، وأَمانتِه، لأَفعلَنَّ كذا»، فإنْ نَوى به اليَمينَ .. فهو يَمينٌ، وإنْ نَوى به العِباداتِ التي أخَذَ اللهُ علينا العَهدَ بأَدائِها .. لَم يَكنْ يَمينًا؛ لأنَّه يَحتمِلُ أنْ يَكونَ ما أَوجبَه مِنْ فُروضٍ أنْ تُؤدَّى إليه، ويَحتمِلُ أنْ يُريدَ به ما أخَذَه اللهُ مِنْ الذُّريةِ في ظُهورِ الآباءِ مِنْ الاعتِرافِ به في قولِه تَعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ٧٢]، ويَحتمِلُ أنْ يُريدَ بها اليَمنَ، فلمَّا كانَ هنا يَحتمِلُ وُجوهًا وجَبَ أنْ يُرجعَ فيه إلى نِيتِه وإِرادتِه، فإنْ أَرادَ يَمينًا كانَت يَمينًا.

(١) «مختصر اختلاف العلماء» (٣/ ٢٤٠)، و «بدائع الصنائع» (٣/ ٦)، و «الهداية» (٢/ ٧٤)، و «تبيين الحقائق» (٣/ ١٠٩)، و «الجوهرة النيرة» (٦/ ١٩)، و «اللباب» (٢/ ٣٨٥، ٣٨٦)، و «المدونة الكبرى» (٣/ ١٠٣)، و «التمهيد» (١٤/ ٣٧٢)، و «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٤/ ٢٧٥، ٢٧٦)، و «التاج والإكليل» (٢/ ٢٧٥)، و «شرح مختصر خليل» (٣/ ٥٢)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٢/ ٤٠٠)، و «تحبير المختصر» (٢/ ٣٥٨)، و «المغني» (٩/ ٤٠٠)، و «شرح الزركشي» (٣/ ٣٠٤، ٣٠٥)، و «المبدع» (٩/ ٢٥٦)، و «الإنصاف» (١١/ ٥)، و «كشاف القناع» (٦/ ٢٩٤)، و «جواهر العقود» (٢/ ٢٦٥).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الأيمان
فصل في الحلف على الكلام

بَطَلَ الْيَمِينُ فَلَا يَحْتَمِلُ الْعَوْدَ، وَعَلَى هَذَا قَالُوا فِي عَامِلٍ اسْتَحْلَفَ رَجُلًا أَنْ يَرْفَعَ إلَيْهِ كُلُّ مَنْ عَلِمَ بِهِ مِنْ فَاسِقٍ أَوْ دَاعِرٍ أَوْ سَارِقٍ فِي مَحَلَّتِهِ وَلَمْ يَعْلَمْ مِنْ ذَلِكَ حَتَّى عُزِلَ الْعَامِلُ عَنْ عَمَلِهِ ثُمَّ عَلِمَ فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَرْفَعَهُ وَقَدْ خَرَجَ عَنْ يَمِينِهِ، وَبَطَلَتْ عَنْهُ لِأَنَّهَا تَقَيَّدَتْ بِحَالِ عَمَلِهِ بِدَلَالَةِ الْغَرَضِ؛ لِأَنَّ غَرَضَ الْعَامِلِ أَنْ يَرْفَعَ إلَيْهِ مَادَامَ وَالِيًا فَإِذَا زَالَتْ وِلَايَتُهُ ارْتَفَعَتْ الْيَمِينُ فَإِنْ عَادَ الْعَامِلُ عَامِلًا بَعْدَ عَزْلِهِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَيْضًا أَنْ يَرْفَعَ ذَلِكَ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ قَدْ بَطَلَتْ فَلَا تَعُودُ سَوَاءٌ عَادَ عَامِلًا بَعْدَ ذَلِكَ أَوْ لَمْ يَعُدْ، وَلَوْ كَانَ الْحَالِفُ عَلِمَ بِبَعْضِ مَا اُسْتُحْلِفَ عَلَيْهِ فَأَخَّرَ رَفْعَ ذَلِكَ حَتَّى عُزِلَ الْعَامِلُ حَنِثَ فِي يَمِينِهِ، وَلَمْ يَنْفَعْهُ رَفْعُ ذَلِكَ إلَيْهِ بَعْدَ عَزْلِهِ؛ لِأَنَّ الرَّفْعَ تَقَيَّدَ بِحَالِ قِيَامِ الْوِلَايَةِ، فَإِذَا زَالَتْ الْوِلَايَةُ فَقَدْ فَاتَ شَرْطُ الْبِرِّ.

قَالَ مُحَمَّدٌ فِي الزِّيَادَاتِ: إلَّا أَنْ يَعْنِيَ أَنْ يَرْفَعَ إلَيْهِمْ عَلَى كُلِّ حَالٍ فِي السُّلْطَانِ وَغَيْرِهِ، وَأَدِينُهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ ﷿ وَفِي الْقَضَاءِ؛ لِأَنَّهُ نَوَى ظَاهِرَ كَلَامِهِ وَهُوَ الْعُمُومُ فَيُصَدَّقُ دِيَانَةً وَقَضَاءً.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 537 - 538

ارجع إلى أنواع الأيمان للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.7 / 29.5
الإضاءة 43%
البدر بعد 8 يوم
سبحان الله وبحمده