الإسلام > الأيمان والمواريث > أنواع الأيمان > العبرة بنية المستحلف
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 20 دقيقة قراءةوالقِطميرُ لُفافةُ النَّواةِ والفَتيلُ ما في شقِّها والنَّقيرُ النّقرةُ التي في ظَهرِها ولَم يَردْ ذلك بعينِه بل نَفى كلَّ شيءٍ، وقالَ الحُطيئةُ يَهجو بَني العِجلانِ:
ولا يَظلِمونَ الناسَ حبةَ خَردلِ
ولَم يُردِ الحَبةَ بعينِها إنَّما أَرادَ: لا يَظلِمونَهم شَيئًا، وقد يُذكَرُ العامُّ ويُرادُ به الخاصُّ كقولِه تَعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾ [آل عمران: ١٧٣] يَعنِي رَجلًا واحدًا، ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣] يَعني أَبا سُفيانَ، وقالَ تَعالى: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأحقاف: ٢٥] ولَم يُردِ السَّماءَ والأَرضَ ولا مَساكِنَهم، وإذا احتَملَه اللَّفظُ وجَبَ صَرفُ اليَمينِ إليه؛ لقولِ النَّبيِّ ﷺ: «إنَّما لامرِئٍ ما نَوى» (١)، ولأنَّ كَلامَ الشارعِ يُحمَلُ على مُرادِه إذا ثبَتَ ذلك بالدَّليلِ فكذلك كَلامُ غيرِه، وقولُهم إنَّ الحِنثَ مُخالَفةُ ما عُقدَ عليه اليَمينُ، قُلنا: وهذا كذلك؛ فإنَّما انعَقدَت عليه اليَمينُ على ما نَواه ولفظُه مَصروفٌ إليه وليسَت هذه نِيةً مُجرَّدةً بل لَفظٌ مَنويٌّ به ما يَحتَملُه (٢).
العِبرةُ بنِيةِ المُستَحلفِ:
أجمَعَ أَهلُ العِلمِ على أنَّ النِّيةَ تُعتبَرُ في التَّخصيصِ أو التَّقييدِ إذا لَم يَستَحلفِ الحالِفُ في حقِّ عليه لغيرِه فإنِ استَحلَفَ في حقٍّ فالعِبرةُ بنِيةِ المُحلِّفِ.
سَواءٌ كانَ مالِيًّا -كدَينٍ وسَرقةٍ- أم لا، فمَن حلَّفَه المُدعِي أنَّه ليسَ له عليه دَينٌ، أو: لقد وفَّاه وأنَّه ما سرَقَ أو ما غُصبَ فحلَفَ، وقالَ: «نوَيتُ مِنْ
(١) أخرجه البخاري (١).
(٢) «المغني» (١٠/ ٢٤).
بَيعٍ أو مِنْ قَرضٍ أو مِنْ عَرضٍ والذي عَليَّ بخِلافِ ذلك لَم يُفدِه» ولزِمَه اليَمينُ باللهِ وبغيرِه، أو حلَفَ «ما سرَقتُ» وقالَ: «نوَيتُ مِنْ الصُّندوقِ وسَرقتِي كانَت مِنْ الخِزانةِ»، أو نحوِ ذلك لَم يُفدهُ.
وَكذا لو شرَطَتْ عليه الزَّوجةُ عندَ العَقدِ ألا يُخرِجَها مِنْ بَلدِها أو لا يَتزوَّجُ عليها، وحَلَّفتْه على أنَّه إن تَزوَّجَ عليها أو أَخرَجَها فالتي يَتزوَّجُها طالِقٌ أو فأَمرُها بيدِها، فحلَفَ ثم فعَلَ المَحلوفُ عليه وادَّعى نِيةَ شيءٍ لَم تُفدهُ؛ لأنَّ اليَمينَ بنِيةِ المُحلِّفِ؛ لأنَّه اعْتاضَ هذا اليَمينَ مِنْ حقِّه- أَيْ كانَت هذه اليَمينُ عِوضًا عن حقَّه- فصارَت العِبرةُ بنِيتِه دونَ الحالِفِ.
والدَّليلُ عليه ما رَواه مُسلمٌ عن أَبي هُريرةَ رضي الله عنه قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ: «يَمينُكَ على ما يُصدِّقُكَ عليه أو به صاحِبُكَ» (١).
وعن أَبي هُريرةَ رضي الله عنه قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ: «اليَمينُ على نِيةِ المُستحلِفِ» (٢).
قالَ الإمامُ النَّوويُّ رحمة الله عليه: وهذا الحَديثُ مَحمولٌ على الحَلفِ باستِحلافِ القاضِي، فإذا ادَّعى رَجلٌ على رَجلٍ حقًّا فحلَّفَه القاضِي فحلَفَ وورَّى فنَوى غيرَ ما نَوى القاضِي انعَقدَت يَمينُه على ما نَواه القاضِي ولا تَنفعُه التَّوريةُ، وهذا مُجمَعٌ عليه ودَليلُه هذا الحَديثُ والإِجماعُ، فأما إذا حلَفَ بغيرِ استِحلافِ القاضِي وورَّى تَنفعُه التَّوريةُ ولا يَحنَثُ سَواءٌ حلَفَ
(١) أخرجه مسلم (١٦٥٣).
(٢) أخرجه مسلم (١٦٥٣).
ابتِداءً مِنْ غيرِ تَحليفٍ أو حلَّفَه غيرُ القاضِي وغيرُ نائبِه في ذلك ولا اعتِبارَ بنِيةِ المُستَحلفِ غيرَ القاضِي وحاصِلُه أنَّ اليَمينَ على نِيةِ الحالِفِ في كلِّ الأَحوالِ إلا إذا استَحلَفَه القاضِي أو نائبُه في دَعوَى تَوجَّهت عليه فتَكونُ على نِيةِ المُستَحلفِ وهو مُرادُ الحَديثِ، أما إذا حلَفَ عندَ القاضِي مِنْ غيرِ استِحلافِ القاضِي في دَعوى فالاعتِبارُ بنِيةِ الحالِفِ وسَواءٌ في هذا كلِّه اليَمينُ باللهِ تَعالى أو بالطَّلاقِ والعِتاقِ إلا أنَّه إذا حلَّفَه القاضِي بالطَّلاقِ أو بالعِتاقِ تَنفعُه التَّوريةُ ويَكونُ الاعتِبارُ بنِيةِ الحالفِ؛ لأنَّ القاضِي ليسَ له التَّحليفُ بالطَّلاقِ والعِتاقِ، وإنَّما يَستَحلفُ باللهِ تَعالى.
واعلَمْ أنَّ التَّوريةَ وإنْ كانَ لا يَحنَثُ بها فلا يَجوزُ فِعلُها حيثُ يَبطُلُ بها حقُّ مُستَحقٍّ، وهذا مُجمعٌ عليه هذا تَفصيلُ مَذهبِ الشافِعيِّ وأَصحابِه ونَقلَ القاضِي عِياضٌ عن مالكٍ وأَصحابِه في ذلك اختِلافًا وتَفصيلًا فقالَ: لا خِلافَ بينَ العُلماءِ أنَّ الحالِفَ مِنْ غيرِ استِحلافٍ ومِن غيرِ تَعلقِ حقٍّ بيَمينِه له نِيتُه ويُقبلُ قولُه، وأما إذا حلَفَ لغيرِه في حقٍّ أو وَثيقةٍ مُتبَرعًا أو بقَضاءٍ عليه فلا خِلافَ أنَّه يُحكَمُ عليه بظاهِرِ يَمينِه سَواءٌ حلَفَ مُتبَرعًا باليَمينِ أو باستِحلافٍ، وأما فيما بينَه وبينَ اللهِ تَعالى فقيلَ: اليَمينُ على نِيةِ المَحلوفِ له، وقيلَ: على نِيةِ الحالفِ، وقيلَ: إنْ كانَ مُستَحلفًا فعلى نِيةِ المَحلوفِ له، وإنْ كانَ مُتبَرعًا باليَمينِ فعلى نِيةِ الحالفِ، وهذا قَولُ عبدِ المَلكِ وسحنُونٍ وهو ظاهرُ قولِ مالكٍ وابنِ القاسمِ، وقيلَ عكسُه وهي رِوايةُ يَحيى عن ابنِ القاسمِ، وقيلَ: تَنفعُه نِيتُه فيما لا يَقضِي به عليه ويَفتَرقُ التبَرعُ وغيرُه فيما يَقضِي به عليه وهذا مَرويٌ عن ابنِ القاسمِ أيضًا، وحُكي
عن مالكٍ أنَّ ما كانَ مِنْ ذلك على وَجهِ المَكرِ والخَديعةِ فهو فيه آثمٌ حانِثٌ وما كان على وَجهِ العُذرِ فلا بأسَ به، وقالَ ابنُ حَبيبٍ عن مالكٍ: ما كانَ على وَجهِ المَكرِ والخَديعةِ فله نَيتُه وما كانَ في حقٍّ فهو على نِيةِ المَحلوفِ له، قالَ القاضِي: ولا خِلافَ في إِثمِ الحالِفِ بما يَقعُ به حقُّ غيرِه وإنْ ورَّى، واللهُ أَعلمُ (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ رشدٍ رحمة الله عليه: اتَّفَقوا على أنَّ اليَمينَ على نِيةِ المُستَحلفِ في الدَّعاوَى واختلَفُوا في غيرِ ذلك مثلَ الأَيمانِ على المَواعيدِ فقالَ قومٌ: على نِيةِ الحالفِ وقالَ قومٌ: على نِيةِ المُستَحلفِ (٢).
وقالَ الإمامُ ابنُ العَربيِّ المالِكيٌّ رحمة الله عليه: إذا صرَّحَ بالقَولِ في اليَمينِ لم يَنفعْه ما نَوى إذا أَضمَرَ مِنْ مَعنى اليَمينِ خِلافَ الظاهرِ منها؛ لقولِ النَّبيِّ: «يَمينُك على ما يَصدقُك عليه صاحِبُك» وهو حَديثٌ صَحيحٌ ومَعنى قَويمٌ مُتَّفقٌ عليه (٣).
وقالَ شيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميةَ رحمة الله عليه: ونَظيرُ هذا أنْ يَتأولَ الحالِفُ في يَمينِه إذا استَحلفَه الحاكمُ لفَصلِ الخُصومةِ، فإنَّ يَمينَك على ما يَصدقُكَ به صاحِبُك، والنِّيةُ للمُستَحلفِ في مثلِ هذا باتِّفاقِ المُسلِمينَ، ولا يَنفعُه التَّأويلُ وِفاقًا، وكذلك لو تَأوَّلَ مِنْ غيرِ حاجةٍ لَم يَجزْ عندَ الأَكثرِ مِنْ العُلماءِ (٤).
(١) «شرح صحيح مسلم» (١١/ ١١٧، ١١٨).
(٢) «بداية المجتهد» (١/ ٣٠٤).
(٣) «أحكام القرآن» (٢/ ٢٥١).
(٤) «الفتاوى الكبرى» (٣/ ١٩٢).
وهذا في غيرِ المَظلومِ فأما المَظلومُ فقد جاءَ في «المغني» لابنِ قُدامةَ رحمة الله عليه: مَسأَلةٌ: قالَ: (وإذا حلَفَ فتَأوَّلَ في يَمينِه فله تَأويلُه إذا كانَ مَظلومًا، وإنْ كانَ ظالمًا لَم يَنفعْه تَأويلُه؛ لِما رُويَ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قالَ: «يَمينُك على ما يَصدُقُك به صاحِبُك».
مَعنى التَّأويلِ: أنْ يَقصدَ بكَلامِه مُحتَملًا يُخالِفُ ظاهِرَه نحوَ أنْ يَحلِفَ «إنَّه أَخي» يَقصدُ أُخوةَ الإِسلامِ أو المُشابَهةَ أو يَعنِي بالسِّقفِ والبِناءِ السَّماءَ وبالبِساطِ والفِراشِ الأرضَ وبالأَوتادِ الجِبالَ وباللِّباسِ اللَّيلَ أو يَقولُ: «ما رَأيتُ فُلانًا» يَعني: ما ضَربتُ رئتَه، و «لا ذَكرتُه» يُريدُ: ما قَطعْتُ ذكَرَه، أو يَقولُ: «جَواري أَحرارٌ» يَعني: سُفنُه، و «نِسائي طَوالقُ» يَعني: نِساءَ الأَقاربِ منه، أو يَقولُ: «ما كاتَبتُ فُلانًا ولا عرَّفتُه ولا أَعلَمتُه ولا سأَلتُه حاجةً ولا أَكلْتُ له دَجاجةً ولا فَروجةً ولا شَربتُ له ماءً ولا في بَيتِي فُرشٌ ولا حَصيرٌ ولا بارِيةٌ» ويَنوي بالمُكاتَبةِ مُكاتَبةَ الرَّقيقِ وبالتَّعريفِ جَعلَه عَريفًا وبالإِعلامِ جَعلَه أَعلمَ الشَّفةِ والحاجةُ شَجرةٌ صَغيرةٌ والدَّجاجةُ الكَثةُ مِنْ الغَزلِ والفَروجةُ الدّراعةُ والفُرشُ صِغارُ الإِبلِ والحَصيرُ والحبسُ والبارِيةُ السِّكينُ التي يُبْرَى بها أو يَقولُ: «ما لفُلانٍ عِندي وَديعةٌ ولا شيءٌ» يَعني: ب «ما» الذي أو يَقولُ ما فُلانٌ ها هنا ويَعني مَوضعًا بعينِه أو يَقولُ: «واللهِ ما أَكلتُ مِنْ هذا شَيئًا ولا أَخذتُ منه» يَعني: الباقِي بعدَ أَخذِه وأَكلِه، فهذا وأَشباهُه مما يَسبقُ إلى فَهمِ السامِعِ خِلافَه إذا عَناه بيَمينِه فهو تَأويلٌ لأنَّه خِلافُ الظاهرِ.
ولا يَخلو حالَ الحالِفِ المُتأَولِ مِنْ ثَلاثةِ أَحوالٍ:
أَحدُها: أنْ يَكونَ مَظلومًا مثلَ مَنْ يَستَحلفُه ظالمٌ على شيءٍ لو صدَّقَه لظُلمِه أو ظُلمِ غيرِه أو نالَ مُسلمًا منه ضَررٌ فهذا له تَأويلُه، قالَ مُهنا: سأَلتُ أَحمدَ عن رَجلٍ له امرَأتانِ اسمُ كلِّ واحِدةٍ منهما فاطمةُ فماتَت واحِدةٌ منهما فحلَفَ بطَلاقِ فاطمةَ ونَوى التي ماتَت قالَ: إنْ كانَ المُستَحلفُ له ظالِمًا فالنِّيةُ نيةُ صاحبِ الطَّلاقِ وإنْ كانَ المُطلِّقُ هو الظالِمُ فالنِّيةُ نِيةُ الذي استَحلَفَ وقد رَوى أَبو داودَ بإِسنادِه عن سُويدِ بنِ حَنظلَةَ قالَ: خرَجْنا نُريدُ رَسولَ اللهِ ﷺ ومعَنا وائلُ بنُ حُجرٍ فأخَذَه عَدوٌ له فتَحرَّجَ القَومُ أنْ يَحلِفوا فحلَفتُ أنَّه أَخي فخَلَّى سَبيلَه فأَتينَا رَسولَ اللهِ ﷺ فذكَرْتُ ذلك له فقالَ: أنتَ أَبرُّهم وأَصدَقُهم، المُسلمُ أَخو المُسلمِ. وقالَ النَّبيُّ ﷺ: «إنَّ في المَعاريضِ لَمندوحةٌ عن الكَذبِ» يَعني: سَعةَ المَعاريضِ التي يُوهِمُ بها السامِعَ غيرَ ما عَناه.
قالَ مُحمدُ بنُ سِيرينَ: الكَلامُ أَوسعُ مِنْ أنْ يَكذبَ ظَريفٌ، يَعني لا يَحتاجُ أنْ يَكذبَ لكَثرةِ المَعاريضِ، وخصَّ الظَّريفَ بذلك يعني به الكَيسَ الفَطنَ فإنَّه يَفطنُ للتَّأويلِ فلا حاجةَ به إلى الكَذبِ.
الحالُ الثانِي: أن يَكونَ الحالِفُ ظالِمًا كالذي يَستَحلفُه الحاكمُ على حقٍّ عندَه فهذا يَنصرِفُ يَمينُه إلى ظاهرِ اللَّفظِ الذي عَناه المُستَحلفُ ولا يَنفعُ الحالِفَ تَأويلُه وبهذا قالَ الشافِعيُّ ولا نَعلمُ فيه مُخالفًا، فإنَّ أَبا هُريرةَ قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ: «يَمينُك على ما يَصدقُكُ به صاحِبُك» رَواه مُسلمٌ وأَبو داودَ وعن أَبي هُريرةَ قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ: «النِّيةُ على نِيةِ المُستَحلفِ» رَواه مُسلمٌ، وقالَت عائشةُ: «اليَمينُ على ما وقَعَ
للمَحلوفِ له»، ولأنَّه لو ساغَ التَّأويلُ لبطَلَ المَعنى المُبتَغى باليَمينِ؛ إذ مَقصودُها تَخويفُ الحالِفِ ليَرتَدعَ عن الجُحودِ خوفًا مِنْ عاقِبةِ اليَمينِ الكاذِبةِ، فمتى ساغَ التَّأويلُ له انتَفى ذلك وصارَ التَّأويلُ وَسيلةً إلى جَحدِ الحُقوقِ ولا نَعلمُ في هذا خِلافًا.
قالَ إِبراهيمُ في رَجلٍ استَحلَفَه السُّلطانُ بالطَّلاقِ على شيءٍ فورَّى في يَمينِه إلى شيءٍ آخرَ أَجزَأَ عنه وإنْ كانَ ظالِمًا لَم تُجزئْ عنه التَّوريةُ.
الحالُ الثالِثُ: لَم يَكنْ ظالِمًا ولا مَظلومًا فظاهِرُ كَلامِ أَحمدَ أنَّ له تَأويلٌ فرُويَ أنَّ مُهنا كانَ عندَه هو والمَروذيُّ وجَماعةٌ فجاءَ رَجلٌ يَطلبُ المَروذيَّ ولَم يُردِ المَروذيُّ أنْ يُكلمَه فوضَعَ مُهنا أُصبَعَه في كفِّه وقالَ ليسَ المَروذيُّ ها هنا وما يَصنعُ المَروذيُّ ها هنا، يُريدُ ليسَ هو في كفِّه ولَم يُنكرْ ذلك أَبو عبدِ اللهِ ورُويَ أنَّ مُهنا قالَ له: إنِّي أُريدُ الخُروجَ يَعني السَّفرَ إلى بَلدِ وأُحبُّ أنْ تُسمِعَني الجُزءَ الفُلانِيَّ فأَسمَعَه إِياه ثم رآهُ بعدَ ذلك فقالَ: ألَم تَقلْ إنَّك تُريدُ الخُروجَ؟ فقالَ له مُهنا: قلتُ لك إنِّي أُريدُ الخُروجَ الآنَ فلَم يُنكرْ عليه وهذا مَذهبُ الشافِعيِّ ولا نَعلمُ في هذا خِلافًا.
رَوى سَعيدٌ عن جَريرٍ عن المُغيرةِ قالَ: كانَ إذا طلَبَ إِنسانٌ إِبراهيمَ ولَم يُردْ إِبراهيمُ أنْ يَلقاه خرَجَت إليه الخادِمةُ وقالَت: اطلُبوه في المَسجدِ، وقالَ له رَجلٌ: إنِّي ذَكرتُ رَجلًا بشيءٍ فكيفَ لي أنْ أَعتذِرَ إليه؟ فقالَ: قلْ له: واللهِ إنَّ اللهَ يَعلمُ ما قلتُ مِنْ ذلك من شيءٍ، وقد كانَ النَّبيُّ ﷺ يَمزحُ ولا يَقولُ إلا حقًّا ومِزاحُه أنْ يُوهِمَ السامِعُ بكَلامِه غيرَ ما عَناه وهو التَّأويلُ، وقالَ لعَجوزٍ: «لا تَدخلُ الجَنةَ عَجوزٌ» يَعني أنَّ اللهَ يُنشِئهنَّ أَبكارًا عُربًا أَترابًا.
وقالَ أَنسٌ: «إنَّ رَجلًا جاءَ إلى النَّبيِّ ﷺ فقالَ: يا رَسولَ اللهِ، احمِلني فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ: «إنَّا حامِلوكَ على ولدِ الناقةِ»، قالَ: وما أَصنعُ بوَلدِ الناقةِ؟ قالَ: «وهل تَلدُ الإِبلَ إلا النوقُ» رَواه أَبو داودَ.
وقالَ لامرَأةٍ وقد ذكَرَت له زَوجَها: «أهو الذي في عينِه بَياضٌ؟ فقالَت: يا رَسولَ اللهِ، إنه لصَحيحُ العينِ» وأَرادَ النَّبيُّ ﷺ البياضَ الذي حولَ الحدقِ.
وقالَ لرَجلٍ احتَضنَه مِنْ ورائِه: «مَنْ يَشتَري هذا العبدَ؟ فقالَ: يا رَسولَ اللهِ، تَجدُني إذا كاسدًا، قالَ: لكنَّك عندَ اللهِ لستَ بكاسدٍ» وهذا كلُّه مِنْ التَّأويلِ والمَعاريضِ، وقد سَماهُ النَّبيُّ ﷺ حقًّا فقالَ: «لا أَقولُ إلا حقًّا».
ورُويَ عن شُريحٍ أنَّه خرَجَ مِنْ عندَ زِيادٍ وقد حضَرَه المَوتُ فقيلَ له: كيفَ ترَكْتَ الأَميرَ؟ قالَ: ترَكتُه يَأمرُ ويَنهي فلمَّا ماتَ قيلَ له: كيفَ قلتَ ذلك؟ قالَ: ترَكتُه يَأمرُ بالصبْرِ ويَنهى عن البُكاءِ والجَزعِ.
ويُروَى عن شَقيقٍ أنَّ رَجلًا خطَبَ امرَأةً وتحتَه أُخرى فقالوا: لا نُزوجُك حتى تُطلِّقَ امرَأتَكَ فقالَ: اشهَدُوا أنِّي قد طلَّقتُ ثَلاثًا فزَّوجوه فأَقامَ على امرَأتِه فقالوا: قد طلَّقتَ ثَلاثًا قالَ: ألَم تَعلَموا أنَّه كانَ لي ثَلاثُ نِسوةٍ فطَلقْتُهنَّ؟ قالوا: بلى، قالَ: قد طلَّقتُ ثَلاثًا، فقالوا: ما هذا أَردنَا، فذكَرَ ذلك شَقيقٌ لعُثمانَ فجعَلَها نِيتَه.
ورُويَ عن الشَّعبيِّ أنَّه كانَ في مَجلسٍ فنظَرَ إليه رَجلٌ ظنَّ أنَّه طلَبَ منه التَّعريفَ به والثَّناءَ عليه فقالَ الشَّعبيُّ: إن له بيتًا وشَرفًا فقيلَ للشَّعبيِّ بعدما
ارجع إلى أنواع الأيمان للاطلاع على جميع المسائل.