الكفارة في يمين الغموس

الإسلام > الأيمان والمواريث > أنواع الأيمان > الكفارة في يمين الغموس

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 23 دقيقة قراءة

الكفارة في يمين الغموس - الأقوال والأدلة

ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٧)[آل عمران: ٧٧] (١).

وعن أَبي أُمامةَ رضي الله عنه أنَّ رَسول اللهِ قالَ: «مَنْ اقتَطعَ حقَّ امرِئٍ مُسلِمٍ بيمِينِه فقد أَوجَبَ اللهُ له النارَ وحرَّمَ عليه الجَنةَ. فقالَ له رَجلٌ: وإنْ كانَ شَيئًا يَسيرًا يا رَسولَ اللهِ؟ قالَ: وإنْ قضِيبًا مِنْ أَراكٍ» (٢).

وفي هذا الحَديثِ دَليلٌ على أنَّ اليَمينَ الغَموس وهي يَمينُ الصبْرِ التي يُقتَطعُ بها مالُ المُسلمِ مِنْ الكَبائرِ؛ لأنَّ كلَّ ما أَوعدَ اللهُ عليه بالنارِ أو رَسولُه فهو مِنْ الكَبائرِ، وفي مَعنى هذا الحَديِث نزَلَت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ

وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ

أَلِيمٌ (٧٧)[آل عمران: ٧٧] (٣).

الكَفارة في يَمينِ الغَموسِ:

اختَلفَ الفُقهاءُ هل تَجبُ الكَفارة في يَمينِ الغَموسِ أم لا تَجبُ؟

فذهَبَ الشافِعيةُ وأَحمد في رِوايةٍ إلى أنَّ اليَمينَ الغَموسَ تَجبُ فيها الكَفارةُ؛ لقولِ الله تَعالى: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] بعدَ صفةِ الكَفارةِ، فاقتَضى الظاهرُ لُزومَها في كلِّ يَمينٍ.

(١) أخرجه البخاري (٢٥٢٣).
(٢) أخرجه مسلم (١٣٧).
(٣) «التمهيد» (٢٠/ ٢٦٣، ٢٦٤).

وقالَ تَعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥]، ولَغوُ اليَمينِ ما سبَقَ به لِسانُ الحالفِ مِنْ غيرِ قَصدٍ ولا نِيةٍ، واليَمينُ الغَموسُ مَقصودةٌ، فكانَ بها مُؤاخذًا ومُؤاخَذتُه بها تُوجبُ تَكفيرَها.

ولأنَّها يَمينٌ باللهِ تَعالى قصَدَها مُختارًا؛ فوجَبَ إذا خالَفَها بفِعلِه أنْ تَلزمَه الكَفارة كالمُستقبلِ، ولأنَّه أَحدُ نوعَي اليَمينِ، فوجَبَ أنْ يَنقسمَ إلى برٍّ وحِنثٍ كالمُستقبلِ، ولأنَّ كلَّ ما كانَ في غيرِ اليَمينِ كَذبًا كانَ في اليَمينِ حِنثًا كالمُستقبلِ، ولأنَّها يَمينٌ تَتعَلقُ بالحِنثِ المُستقبلِ، فوجَبَ أن تَتعَلقَ بالحِنثِ الماضِي كاليَمينِ بالطَّلاقِ والعِتاقِ؛ لأنَّه لو حلَفَ بالطَّلاقِ والعِتاقِ لقد دخَلَ الدارَ، ولَم يَدخلْها لزِمَه الطَّلاقُ والعِتاقُ. وكما لو حلَفَ ليَدخلَها في المُستقبلِ، فلم يَدخلْها كذلك في اليَمينِ باللهِ، ولأنَّ وُجوبَ الكَفارة في الأَيمانِ أَعمُّ في المَأثمِ؛ لأنَّها قد تَجبُ فيما يَأثمُ به ولا يَأثمُ، فلمَّا لحِقَه المَأثمُ في الغَموسِ كانَ بوُجوبِ الكَفارة أَولى.

فإذا ثبَتَ وُجوبُ الكَفارة في اليَمينِ الغَموسِ على الماضِي في إِثباتِ ما لَم يَكنْ، أو نَفيِ ما قد كانَ، فهي يَمينٌ مَحلولةٌ غيرُ مُنعقِدةٍ؛ لأنَّ عَقدَها إنَّما يَكون فيما يُنتَظرُ بعدَها مِنْ برٍّ أو حِنثٍ، وهذه اليَمينُ قد اقتَرنَ بها الحِنثُ بعدَ استِيفاءِ لَفظِها، فلذلك لَم تَنعَقدْ، ووجَبَت الكَفارة باستِيفاءِ اليَمينِ (١).

(١) «الحاوي الكبير» (١٥/ ٢٦٧)، و «المهذب» (٢/ ١٢٨، ١٢٩)، و «البيان» (١٠/ ٤٨٨)، و «روضة الطالبين» (٧/ ١١٩)، و «المغني» (٩/ ٣٩٢)، و «الكافي» (٤/ ٣٧٤).

وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ الكَفارة لا تَجبُ على مِنْ حلَفَ يَمينًا غَموسًا، وأنَّ عليه أنْ يُؤديَ ما اقتَطعَه مِنْ مالِ أخِيه ثم يَتوبَ إلى اللهِ ويَستَغفرُه وهو فيه بالخِيارِ إنْ شاءَ غفَرَ له وإن شاءَ عذَّبَه وأما الكَفارة فلا مَدخلَ لها في اليَمينِ الكاذبةِ إذا حلَفَ بها صاحبُها عَمدًا مُتعمدًا للكَذبِ لقولِه تَعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ٧٧]، فقد بيَّنَ جَزاءَ اليَمينِ الغَموس بالوَعيدِ في الآخرةِ فلو كانَت الكَفارة فيها واجبةً لكانَ الأَولى بَيانُها، ولأنَّ الكَفارة لو وجَبَت إنَّما تَجبُ لرَفعِ هذا الوَعيدِ المَنصوصِ، وذلك لا يَقول به أحدٌ.

ولقولِه تَعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩]، فأخبَرَ أنَّ المُؤاخذةَ بالكَفارةِ لا تَكون إلا في يَمينٍ مُنعقِدةٍ، والغَموس وقَعَت مَحلولةً غيرَ مُنعقِدةٍ، بدَليل أنَّ المُنعقِدة ما أَمكنَ حلُّه؛ لأنَّه في مُقابلةِ المَحلولِ، والغَموسُ واقعةٌ على وَجهٍ واحدٍ فلا يُتصوَّرُ ذلك فيها، وقولُه: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]، يُريدُ مُراعاتَها ليُؤديَ الكَفارة بالحِنثِ فيها، وذلك يَقتضِى أن تَكون اليَمينُ ممّا يُمكنُ حِفظُها ومُراعاتُها بأن تُعلَّقَ بما يَتأتَّى به البِرُّ والحِنثُ، وهو لا يَتأتَّى في الغَموسِ.

ولحَديثِ أَبي هُريرةَ رضي الله عنه مَرفوعًا: «وخَمسٌ ليسَ لهنَّ كَفارة الشركُ

باللهِ ﷿ وقتلُ النَّفسِ بغيرِ حقٍّ أو نَهبُ مُؤمنٍ أوِ الفِرارُ يومَ الزَّحفِ أو يَمينٌ صابِرةٌ يَقتطِعُ بها مالًا بغيرِ حقٍّ» (١).

وعن عبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ رضي الله عنه قالَ: قالَ رَسول اللهِ : «مَنْ حلَفَ على يَمينٍ وهو فيها فاجِرٌ ليَقتطِعَ بها مالَ امرِئٍ مُسلِمٍ لقِيَ اللهَ وهو عليه غَضبانُ»، قالَ: فقالَ الأَشعثُ بنُ قَيسٍ: فيَّ واللهِ كانَ ذلك، كانَ بينِي وبينَ رَجلٍ مِنْ اليَهودِ أَرضٌ، فجحَدَنِي، فقَدَّمتُه إلى النَّبيِّ ، فقالَ لِي رَسول اللهِ : «ألكَ بَينةٌ»، قالَ: قلتُ: لا، قالَ: فقالَ لليَهوديِّ: «احلِفْ»، قالَ: قلتُ: يا رَسولَ اللهِ، إذًا يَحلفُ ويَذهبُ بمالِي، قالَ: فأَنزَلَ اللهُ تَعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ

ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ

يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٧)[آل عمران: ٧٧] (٢). فأخبَرَ بحُكمِها ولَم يُوجبِ الكَفارة فيها ولو كانَ فيها كَفارة لذكَرَها.

وقولُ النَّبيِّ : «مَنْ حلَفَ على يَمينٍ فرَأى غيرَها خَيرًا منها فلْيَأتِ الذي هو خَيرٌ، وليُكفِّرْ عن يَمينِه» (٣).

فهذا يَدلُّ على أنَّ الكَفارة إنَّما تَجبُ فيمن حلَفَ على فِعلٍ يَفعلُه مما يُستَقبلُ فلا يَفعلُه أو على فِعلٍ ألَّا يَفعلَه فيما يَستقبلُ فيَفعلُه.

(١) حَسَنٌ لغيره: رواه أحمد (٨٧٢٢).
(٢) أخرجه البخاري (٢٥٢٣).
(٣) أخرجه مسلم (١٦٥٠).

وعن عبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ رضي الله عنه قالَ: «كُنا نَعدُّ الذَّنبَ الذي لا كَفارة له اليَمينَ الغَموسَ. قيلَ: وما اليَمينُ الغَموسُ؟ قالَ: اقتِطاعُ الرَّجلِ مالَ أخِيه باليَمينِ الكاذِبةِ» (١).

ولأنَّها مِنْ الكَبائرِ، وكلُّ ما هو كَبيرةٌ مَحضةٌ لا تُناطُ بها العِبادةُ لما أنَّ أَسبابَ العِباداتِ لا بدَّ وأنْ تَكون أُمورًا مُباحةً كما عُرفَ في الأُصولِ والكَفارةِ عِبادةٌ حتى تَتأدَّى بالصَّومِ، ويُشتَرطُ فيها النِّيةُ فلا تُناطُ الغَموسُ بها، بخِلافِ المَعقودةِ؛ لأنَّها مُباحةٌ فجازَ أن تُناطَ بها العِبادةُ.

والقِياسُ أنَّها يَمينٌ على ماضٍ فلَم تَجبْ بها كَفارة كاللَّغوِ. ولأنَّها يَمينٌ مَحظورةٌ، فلِم تَجبُ بها كَفارة كاليَمينِ بالمَخلوقاتِ. قالوا: ولأنَّ اقتِرانَ اليَمينِ بالحِنثِ يَمنعُ مِنْ انعِقادِها؛ لأنَّ حُدوثَه فيها يَدفعُ عَقدهَا كالرَّضاعِ لما رفَعَ النِّكاحَ إذا طرَأَ مَنعُ انعِقادِه إذا تَقدَّمَ.

ولأنَّها يَمينٌ غيرُ مُنعقِدة فلا تُوجبُ الكَفارة كاللَّغوِ أو يَمينٍ على ماضٍ فأشبَهَت اللَّغو وبَيانُ كونِها غيرَ مُنعقِدة أنَّها لا تُوجبُ برًّا ولا يُمكنُ فيها، ولأنَّه قارَنَها ما يُنافِيها وهو الحِنثُ فلَم تَنعقِدْ كالنِّكاحِ الذي قارَنَه الرَّضاعُ ولأنَّ الكَفارة لا تَرفعُ إِثمَها فلا تُشرَعُ فيها، ودَليلُ ذلك أنَّها كَبيرةٌ فإنَّه يُروَى عن النَّبيِّ أنَّه قالَ: «مِنْ الكَبائرِ الإِشراكُ باللهِ وعُقوقُ الوالدَينِ وقتلُ النَّفسِ واليَمينُ الغَموسُ» (٢).

(١) رواه البيهقي (١٩٦٦٨).
(٢) أخرجه البخاري (٦٤٧٦).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الأيمان
١٧٨١ - مسألة؛ قال: (والكفارة إنما تلزم من حلف يريد عقد اليمين)

كَوْنِها غيرَ مُنْعَقِدَةٍ، أَنَّها لا تُوجِبُ بِرًّا، ولا يُمْكِنُ فيها، ولأنَّه قارَنَها ما يُنافِيها، وهو الحنثُ، فلم تَنْعَقِدْ، كالنِّكاحِ الذى قارَنَه الرَّضاعُ، ولأنَّ الكَفَّارَةَ لا تَرْفَعُ إثْمَها، فلا تُشرَعُ فيها، ودليلُ ذلك أنَّها كبيرَةٌ، فإنَّه يُرْوَى عن النَّبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه قال: "مِنَ الْكَبائِرِ الْإشْرَاكُ بِاللَّه، وعُقوقُ الْوَالِدَيْن، وقتْلُ النَّفْس، والْيَمِينُ الْغَمُوسُ" . روَاه البُخارِىُّ ، ورُوِىَ فيه: "خَمْسٌ مِنَ الْكَبائِرِ لا كَفَّارَةَ لَهُنَّ؛ الإشْرَاكُ بِاللَّهِ، والْفِرَارُ مِنَ الزَّحْفِ، وبَهْتُ المُؤْمِنِ، وقَتْلُ المُسْلِمِ بِغَيْرِ حَقٍّ، والحَلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَاجِرَةٍ يَقْتَطِعُ بِها مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ" . ولا يصِحُّ القِياسُ على المُسْتَقْبَلةِ، لأَنّها يَمِينٌ مُنْعَقِدَةٌ، يُمْكِنُ حلُّها والبِرُّ فيها، وهذه غيرُ مُنْعَقِدَةٍ، فلا حَلَّ لها. وقولُ النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "فَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينهِ، ولْيَأْتِ الَّذِى هُوَ خَيْرٌ" . يدلُّ على أَنَّ الكَفّارَةَ إنَّما تَجِبُ بالحَلِفِ على فِعْلٍ يفْعَله فيما يستَقْبلُه. قالَه ابنُ المُنْذِرِ.

١٧٨١ - مسألة؛ قال: (والْكَفَّارَةُ إِنَّمَا تَلْزَمُ مَنْ حَلَفَ يُرِيدُ عقْد الْيَمِينِ)

وجُمْلته أَنَّ الْيَمِينَ التى تَمُرُّ على لسانِه فى عُرْضِ حَدِيثِه، من غيرِ قَصْدٍ إليها، لا كَفَّارَةَ فيها، فى قولِ أكثرِ أهلِ العِلْمِ؛ لأَنَّها من لَغْوِ اليَمِينِ. نقلَ عبدُ اللَّه، عن أبيه، أنَّه قال: اللَّغْوُ عِنْدِى أَنْ يَحْلِفَ على الْيَمِينِ، يَرَى أنَّها كذلك، والرَّجُلُ يحْلِفُ فلا يَعْقِدُ قَلْبَه على شىءٍ. وممَّنْ قال: إنّ اللَّغْوَ اليَمِينُ التى لا يَعْقِدُ عليها قَلْبَه؛ عمرُ، وعائِشَةُ، رَضِىَ اللَّهُ

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب الأيمان
باب كفارة يمين العبد بعد أن يعتق

بَابُ كَفَّارَةِ يَمِينِ الْعَبْدِ بَعْدَ أَنْ يُعْتَقَ

(مسألة:)

قال الشافعي: " لَا يُجْزِئُ الْعَبْدَ فِي الْكَفَّارَةِ إِلَّا الصَّوْمُ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ مَالًا " .

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ إِذَا وَجَبَتْ عَلَى الْعَبْدِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ أَوْ ظِهَارٍ أَوْ قَتْلٍ لَمْ يُجْزِهِ إِذَا لم يملكه السَّيِّدُ مَالًا أَنْ يُكَفِّرَ إِلَّا بِالصِّيَامِ، لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْمَالِ وَهُوَ أَسْوَأُ حَالًا مِنَ الْحُرِّ الْمُعْسِرِ الَّذِي يَصِحُّ مِنْهُ تَمَلُّكُ الْمَالِ وَإِنْ مَلَّكَهُ السَّيِّدُ مَالًا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُكَفِّرَ بِهِ إِنْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ السَّيِّدُ فِي التَّكْفِيرِ بِهِ سَوَاءٌ حُكِمَ لَهُ بِمِلْكِ الْمَالِ أَوْ لَمْ يُحْكَمْ لِأَنَّهُ محجورٌ عَلَيْهِ فِي حَقِّ السَّيِّدِ وَإِنْ أَذِنَ لَهُ أَنْ يُكَفِّرَ بِالْمَالِ فَقَدِ اخْتَلَفَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي الْعَبْدِ هَلْ يَمْلِكُ إِذَا مَلَكَ أَمْ لَا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: يَمْلِكُ إِذَا مُلِّكَ وَبِهِ قَالَ فِي الْقَدِيمِ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالْحِجَازِيِّينَ.

وَالْقَوْلُ الثَّانِي: لَا يَمْلِكُ وَإِنْ ملك وَبِهِ قَالَ فِي الْجَدِيدِ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالْعِرَاقِيِّينَ وَقَدْ مَضَى تَوْجِيهُ الْقَوْلَيْنِ فِي غير موضع.

فإن قيل: بالجديد أن لَا يَمْلِكَ لَمْ يُكَفِّرْ إِلَّا بِالصِّيَامِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُكَفِّرَ بِإِطْعَامٍ وَلَا كِسْوَةٍ وَلَا عِتْقٍ، وَإِنْ قِيلَ بِالْقَدِيمِ إنَّهُ يَمْلِكُ إِذَا مُلِّكَ جَازَ أَنْ يُكَفِّرَ بِالْإِطْعَامِ وَالْكِسْوَةِ لِقُدْرَتِهِ عَلَيْهِ مَعَ مِلْكِهِ، وَفِي جَوَازِ تَكْفِيرِهِ بِالْعِتْقِ وَجْهَانِ:

أَحَدُهُمَا: يَجُوزُ كَالْإِطْعَامِ وَالْكِسْوَةِ.

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الأيمان
فصل في حكم اليمين بالله تعالى

أُمُورٌ تَشْتَبِهُ فَإِنْ لَمْ فِي مَعْنَى فَلَمْ يُحْمَلُ عَلَى مُعْظَمِ مَعَانِي كَلَامِ النَّاسِ وَلَوْ قَالَ إنْ أَتَيْتَنِي فَلَمْ آتِكِ أَوْ إنْ زُرْتنِي فَلَمْ أَزُرْكَ أَوْ إنْ أَكْرَمْتَنِي فَلَمْ أُكْرِمْكَ فَهَذَا عَلَى الْأَبَدِ وَهُوَ فِي هَذَا الْوَجْهِ مِثْلُ فَإِنْ لَمْ لِأَنَّ الزِّيَارَةَ لَا تَتَعَقَّبُ الزِّيَارَةَ عَادَةً فَكَانَ الْمَقْصُودُ هُوَ الْفِعْلَ فَإِنْ قِيلَ أَتَيْتَنِي فَلَمْ آتِكِ فَالْأَمْرُ فِي هَذَا مُشْتَبِهٌ قَدْ يَكُونُ بِمَعْنَى إنْ لَمْ آتِكَ قَبْلَ إتْيَانِكَ وَقَدْ يَكُونُ بِمَعْنَى إنْ لَمْ آتِكَ بَعْدَ إتْيَانِك فَكَانَ مُحْتَمِلًا لِلْأَمْرَيْنِ فَيُحْمَلُ عَلَى مَا كَانَ الْغَالِبُ مِنْ مَعَانِي كَلَامِ النَّاسِ عَلَيْهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَهُوَ عَلَى مَا نَوَى أَيَّ ذَلِكَ نَوَى مِنْ قَبْلُ أَوْ بَعْدُ حَمْلًا عَلَى مَا نَوَى وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ يُلْحَقُ بِالْمُشْتَبِهِ الَّذِي لَا يُعْرَفُ لَهُ مَعْنًى.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 443 - 447

ارجع إلى أنواع الأيمان للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.7 / 29.5
الإضاءة 43%
البدر بعد 8 يوم
لا إله إلا الله