الموضع الأول: هل الحلف بغير الله محرم أو مكروه؟

الإسلام > الأيمان والمواريث > أنواع الأيمان > الموضع الأول: هل الحلف بغير الله محرم أو مكروه؟

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 11 دقيقة قراءة

الموضع الأول: هل الحلف بغير الله محرم أو مكروه؟ - الأقوال والأدلة

الحِكمةُ في النَّهيِ عن الحَلفِ بغيرِ اللهِ تَعالى أنَّ الحَلفَ يَقتَضي تَعظيمَ المَحلوفِ به وحَقيقةُ العَظمةِ مُختَصةٌ باللهِ تَعالى فلا يُضاهِي به غيرَه وقد جاءَ عن ابنِ عَباسٍ: لَأنَّ أَحلفَ باللهِ مائةَ مَرةٍ فآثَمُ خيرٌ مِنْ أنْ أَحلِفَ بغيرِه فأبَرُّ (١).

إلا أنَّ الفُقهاءَ اختَلفوا هنا في مَوضِعينِ:

المَوضعُ الأولُ: هل الحَلفُ بغيرِ اللهِ مُحرمٌ أو مَكروهٌ؟

اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ الحَلفِ بغيرِ اللهِ تَعالى هل هو مُحرمٌ أو مَكروهٌ؟ بعدَ اتِّفاقِهم جَميعًا على أنَّه إذا حلَفَ بغيرِ اللهِ وقصَدَ به اليَمينَ ويَعتَقدُ في المَحلوفِ به مِنْ التَّعظيمِ ما يَعتقِدُه في اللهِ أنَّه كافِرٌ (٢).

فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والحَنابِلةُ في الصَّحيحِ وحُكيَ فيه الاتِّفاقُ على أنَّ الحَلفَ بغيرِ اللهِ تَعالى أو باسمٍ مِنْ أَسمائِه أو صِفةٍ مِنْ صِفاتِه مَنهيٌّ عنه ومُحرَّمٌ على الصَّحيحِ عندَهم لا يَجوزُ الحَلفُ به.

وفي قَولٍ عندَهم أنَّه مَكروهٌ تَنزِيهًا وقيلَ تَحريمًا.

قالَ الإمامُ ابنُ عبدِ البَرِّ رحمة الله عليه: لا يَنبَغي لأحدٍ أنْ يَحلِفَ بغيرِ اللهِ، لا بهذه الأَقسامِ أو غيرِها، لإِجماعِ العُلماءِ أنَّ مَنْ وجَبتْ له يَمينٌ على آخرَ في حقٍّ قبِلَه، أنْ لا يَحلِفَ له إلا باللهِ، ولو حلَفَ له بالنَّجمِ والسَّماءِ والطارقِ، وقالَ: «نَويتُ ربَّ ذلك»، لَم يَكنْ عندَهم يَمينًا (٣).

(١) «شرح صحيح مسلم» (١١/ ١٠٤)، و «عمدة القاري» (٢٣/ ١٧٥).
(٢) «البحر الرائق» (٤/ ٣١١)، و «بدائع الصنائع» (٣/ ٧، ٨).
(٣) «التمهيد» (٥/ ٢٠٣).

وقالَ في مَوضعٍ آخرَ: أجمَعَ العُلماءُ على أنَّ اليَمينَ بغيرِ اللهِ مَكروهةٌ مَنهِيٌّ عنها، لا يَجوزُ الحَلفُ بها (١).

وقالَ أيضًا: لا يَجوزُ الحَلفُ بغيرِ اللهِ ﷿ في شيءٍ مِنْ الأَشياءِ ولا على حالٍ مِنْ الأَحوالِ، وهذا أَمرٌ مُجتَمعٌ عليه (٢).

وقالَ شيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميةَ رحمة الله عليه: فأما الحَلفُ بالمَخلوقاتِ كالحَلفِ بالكَعبةِ أو قَبرِ الشَّيخِ أو بنِعمةِ السُّلطانِ أو بالسَّيفِ أو بِجاهِ أَحدٍ مِنْ المَخلوقِينَ، فما أَعلَمُ بينَ العُلماءِ خِلافًا أنَّ هذه اليَمينَ مَكروهةٌ مِنهيٌّ عنها وأنَّ الحَلفَ بها لا يُوجبُ حِنثًا ولا كَفارةً، وهل الحَلفُ بها مُحرمٌ أو مَكروهٌ كَراهةَ تَنزيهٍ؟ فيه قَولأنَّ في مَذهبِ أَحمدَ وغيرِه أَصحُّهما أنَّه مُحرمٌ (٣).

وقالَ أيضًا رحمة الله عليه: والحَلفُ بالمَخلوقاتِ حَرامٌ عندَ الجُمهورِ وهو مَذهبُ أَبي حَنيفةَ وأَحدُ القَولينِ في مَذهبِ الشافِعيِّ وأَحمدَ وقد حَكى إِجماعَ الصَّحابةِ على ذلك، وقيلَ: هي مَكروهةٌ كَراهةَ تَنزيهٍ، والأَولُ أَصحُّ حتى قالَ عبدُ اللهِ بنُ مَسعودٍ وعبدُ اللهِ بنُ عَباسٍ وعبدُ اللهِ بنُ عُمرَ: «لَأنْ أَحلِفَ باللهِ كاذِبًا أَحبُّ إلى مِنْ أنْ أَحلِفَ بغيرِ اللهِ صادِقًا» وذلك لأنَّ الحَلفَ بغيرِ اللهِ شِركٌ والشِّركُ أَعظمُ مِنْ الكَذبِ (٤).

(١) «التمهيد» (١٣/ ٣٦٧).
(٢) «التمهيد» (١٤/ ٣٦٦)، و «الفواكه الدواني» (١/ ٤٠٨، ٤٠٩)، و «حاشية الصاوي على الشرح الصغير» (٤/ ١٧٤، ١٧٥).
(٣) «مجموع الفتاوى» (٣٥/ ٢٤٣).
(٤) «مجموع الفتاوى» (١/ ٢٠٤).

وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: ولا يَجوزُ الحَلفُ بغيرِ اللهِ وصِفاتِه نحوَ أنْ يَحلِفَ بأبِيه أو الكَعبةِ أو صَحابيٍّ أو إمامٍ، قالَ الشافِعيُّ: أَخشَى أنْ يَكونَ مَعصيةً، قالَ ابنُ عبدِ البَرِّ: وهذا أَصلٌ مُجمَعٌ عليه، وقيلَ: يَجوزُ ذلك لأنَّ اللهَ تَعالى أَقسَمَ بمَخلوقاتِه (١).

وأما الشافِعيةُ فقالوا: إذا حلَفَ بغيرِ اللهِ؛ بأنْ حلَفَ بأبِيه، أو بالنَّبيِّ ، أو بالكَعبةِ، أو بأحدٍ مِنْ الصَّحابةِ .. فلا يَخلو مِنْ ثَلاثةِ أَقسامٍ:

أحدُها: أنْ يَقصِدَ بذلك قَصدَ اليَمينِ، ولا يَعتقِدُ في المَحلوفِ به مِنْ التَّعظيمِ ما يَعتقِدُه باللهِ تَعالى، فهذا يُكرهُ له ذلك، ولا يَكفُرُ؛ لما رَوى أَبو هُريرةَ: أنَّ النَّبيَّ قالَ: «لا تَحلِفوا بآبائِكم، ولا بأُمهاتِكم، ولا بالأَندادِ، ولا تَحلِفوا إلا باللهِ، ولا تَحلِفوا باللهِ إلا وأنتم صادِقونَ» (٢).

ورُويَ أنَّ النَّبيَّ أَدركَ عُمرَ رضي الله عنه وهو في رَكبٍ، وهو يَحلفُ بأبِيه، فقالَ له النَّبيُّ : «إنَّ اللهَ يَنهاكم أنْ تَحلِفوا بآبائِكم، فمَن كانَ حالِفًا .. فليَحلِفْ باللهِ، أو ليَسكُتْ». قالَ عُمرُ: فما حلَفتُ بها بعدَ ذلك ذاكِرًا ولا آثِرًا» (٣).

فمَعنى قولِه: (ذاكِرًا) أَذكُرُه عن غيرِي.

ومَعنى قولِه: (آثرا) أيْ: حاكِيًا عن غيرِي، يُقالُ: آثرَ الحَديثَ: إذا رَواه.

ولأنَّه يُوهِمُ في الظاهِرِ التَّسويةَ بينَ المَحلوفِ به وبينَ اللهِ ﷿، فكُرهَ.

(١) «المغني» (٩/ ٣٨٥، ٣٨٦)، و «منار السبيل» (٣/ ٤١٢).
(٢) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٣٢٤٨)، والنسائي في «السنن الكبرى» (٤٧١٠).
(٣) أخرجه البخاري (٦٢٧٠، ٦٢٧١)، ومسلم (١٦٤٦).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الأيمان
فصل في اليمين بغير الله ﷿

ثَلَاثًا» وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ وَهُوَ فِيهَا فَاجِرٌ لِيَقْتَطِعَ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَقِيَ اللَّهَ - تَعَالَى - وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ» وَأَمَّا إذَا كَانَ مَظْلُومًا فَهُوَ لَا يَقْتَطِعُ بِيَمِينِهِ حَقًّا فَلَا يَأْثَمُ وَإِنْ نَوَى غَيْرَ الظَّاهِرِ قَالَ وَأَمَّا الْيَمِينُ عَلَى الْمُسْتَقْبَلِ إذَا قَصَدَ بِهَا الْحَالِفُ مَعْنًى دُونَ مَعْنًى فَهُوَ عَلَى نِيَّتِهِ دُونَ نِيَّةِ الْمُسْتَحْلِفِ لِأَنَّهُ عَقْدٌ وَهُوَ الْعَاقِدُ فَيَنْعَقِدُ عَلَى مَا عَقَدَهُ.

فَصْلٌ فِي الْيَمِينِ بِغَيْرِ اللَّهِ ﷿

(فَصْلٌ) :

وَأَمَّا الْيَمِينُ بِغَيْرِ اللَّهِ ﷿ فَهِيَ فِي الْأَصْلِ نَوْعَانِ أَحَدُهُمَا مَا ذَكَرْنَا وَهُوَ.

الْيَمِينُ بِالْآبَاءِ وَالْأَبْنَاءِ وَالْأَنْبِيَاءِ وَالْمَلَائِكَةِ - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - وَالصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ وَسَائِرِ الشَّرَائِعِ وَالْكَعْبَةِ وَالْحَرَمِ وَزَمْزَمَ وَالْقَبْرِ وَالْمِنْبَرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَلَا يَجُوزُ الْحَلِفُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ لِمَا ذَكَرْنَا وَقَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «إذَا حَلَفْتُمْ فَاحْلِفُوا بِاَللَّهِ» وَلَوْ حَلَفَ بِذَلِكَ لَا يُعْتَدُّ بِهِ وَلَا حُكْمَ لَهُ أَصْلًا.

وَالثَّانِي.

بِالشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ وَهَذَا النَّوْعُ يَنْقَسِمُ إلَى قِسْمَيْنِ يَمِينٌ بِالْقُرَبِ وَيَمِينٌ بِغَيْرِ الْقُرَبِ أَمَّا.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 524 - 526

ارجع إلى أنواع الأيمان للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.1 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
الحمد لله