الإسلام > الأيمان والمواريث > أنواع الأيمان > الموضع الثاني: هل تنعقد اليمين بالحلف بغير الله تعالى؟
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 9 دقيقة قراءةالمَوضعُ الثانِي: هل تَنعقِدُ اليَمينُ بالحَلفِ بغيرِ اللهِ تَعالى؟
اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأَربعةِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ على أنَّ الإِنسانَ إذا حلَفَ بغيرِ اللهِ تَعالى-كما تَقدَّمَ- وحنِثَ لَم تَلزمْه الكَفارةُ؛ لأنَّها وجَبَت في الحَلفِ باللهِ تَعالى؛ صِيانةً لأَسمائِه وصِفاتِه تَعالى، وغيرُه لا يُساوِيه في ذلك.
ولأنَّ الحَلفَ بغيرِ اللهِ شِركٌ، وكَفارتُه: التَّوحيدُ؛ لحَديثِ: «مَنْ حلَفَ باللَّات والعُزَّى فليَقلْ: لا إلهَ إلا اللهُ» (١)، ولأنَّ الحَلفَ تَعظيمُ المَحلوفِ به ولا يَستَحقُّه إلا اللهُ تَعالى، وإذا لَم يَجزِ الحَلفُ بغيرِ اللهِ تَعالى لا يَلزمُه به كَفارةٌ لأنَّه ليسَ بيَمينٍ ولَم يَهتكْ حُرمةً مُنعَ مِنْ هَتكِها على التَّأبيدِ.
قالَ الإمامُ الماوَرديُّ رحمة الله عليه: فإذا ثبَتَ أنَّ اليَمينَ بغيرِ اللهِ مَكروهةٌ، فهي غيرُ مُنعقِدةٍ، ولا يَلزمُ الوَفاءُ بها، ولا كَفارةَ عليه إنْ حنِثَ فيها وهو كالمُتفَقِ عليه (٢).
وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: ولا تَنعقِدُ اليَمينُ بالحَلفِ بمَخلوقٍ: كالكَعبةِ، والأَنبياءِ، وسائِرِ المَخلوقاتِ، ولا تَجبُ الكَفارةُ بالحِنثِ فيها،
(١) أخرجه البخاري (٦١٠٧)، ومسلم (١٦٤٧).
(٢) «الحاوي الكبير» (١٥/ ٢٦٣)، وينظر: «الاختيار» (٤/ ٦١، ٦٢)، و «الجوهرة النيرة» (٦/ ١٦)، و «اللباب» (٢/ ٣٨٤)، و «التلقين» (١/ ٢٤٨)، و «التاج والإكليل» (٢/ ٢٧٣، ٢٧٦)، و «شرح مختصر خليل» (٣/ ٥٣)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٢/ ٤٠١)، و «تحبير المختصر» (٢/ ٣٦٠)، و «البيان» (١٠/ ٤٩٤، ٤٩٥)، و «منار السبيل» (٣/ ٤١٢، ٤١٣).
هذا ظاهِرُ كَلامِ الخِرقيِّ، وهو قولُ أَكثرِ الفُقهاءِ (١).
وقالَ شيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميةَ رحمة الله عليه: فأما الحَلفُ بالمَخلوقاتِ كالحَلفِ بالكَعبةِ أو قبْرِ الشَّيخِ أو بنِعمةِ السُّلطانِ أو بالسَّيفِ أو بِجاهِ أحدٍ مِنْ المَخلوقِينَ، فما أَعلمُ بينَ العُلماءِ خِلافًا أنَّ هذه اليَمينَ مَكروهةٌ مَنهيٌّ عنها وأنَّ الحَلفَ بها لا يُوجبُ حِنثًا ولا كَفارةَ (٢).
وقالَ شيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميةَ رحمة الله عليه: وأما الحَلفُ بغيرِ اللهِ مِنْ المَلائكةِ والأَنبياءِ والمَشائخِ والمُلوكِ وغيرِهم فإنَّه مَنهيٌّ عنه غيرُ مُنعقِدٍ باتِّفاقِ الأُئمةِ، ولَم يُنازِعوا إلا في الحَلفِ برَسولِ اللهِ خاصَّةً، والجُمهورُ على أنَّه لا تَنعقِدُ اليَمينُ لا به ولا بغيرِه، وقد قالَ النَّبيُّ: «مَنْ كانَ حالِفًا فليَحلِفْ باللهِ أو ليَصمُتْ» (٣) وقالَ: «مَنْ حلَفَ بغيرِ اللهِ فقد أَشرَكَ» (٤).
(١) «المغني» (٩/ ٤٠٥).
(٢) «مجموع الفتاوى» (٣٥/ ٢٤٣).
(٣) أخرجه البخاري (٦٢٧٠، ٦٢٧١)، ومسلم (١٦٤٦).
(٤) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٣٢٥١)، والترمذي (١٥٣٥)، و «قالَ: قالَ أَبو عِيسى هذا حَديثٌ حَسنٌ وفُسرَ هذا الحَديثَ عندَ بعضِ أهلِ العِلمِ أنَّ قولَه: «فقد كفَرَ أو أَشرَكَ» على التَّغليظِ، والحُجةُ في ذلك حَديثُ ابنِ عُمرَ أنَّ النَّبيَّ ﷺ سمِعَ عُمرَ يَقولُ: وأَبي وأَبي فقالَ: ألا إنَّ اللهَ يَنهاكُم أنْ تَحلِفوا بآبائِكم. وحَديثُ أَبي هُريرةَ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قالَ: مَنْ قالَ في حَلفِه: واللّات والعُزَّى فليَقلْ: لا إلهَ إلا اللهُ. قالَ أَبو عِيسى: هذا مِثلُ ما رُويَ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قالَ: إنَّ الرِّياءَ شِركٌ، وقد فسَّرَ بعضُ أهلِ العِلمِ هذه الآية ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا﴾ [الكهف: ١١٠] الآية قالَ: لا يُرائِي». «سنن الترمذي» (٤/ ١١٠).
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الأيمان
فصل في حكم اليمين بالله تعالى
أُمُورٌ تَشْتَبِهُ فَإِنْ لَمْ فِي مَعْنَى فَلَمْ يُحْمَلُ عَلَى مُعْظَمِ مَعَانِي كَلَامِ النَّاسِ وَلَوْ قَالَ إنْ أَتَيْتَنِي فَلَمْ آتِكِ أَوْ إنْ زُرْتنِي فَلَمْ أَزُرْكَ أَوْ إنْ أَكْرَمْتَنِي فَلَمْ أُكْرِمْكَ فَهَذَا عَلَى الْأَبَدِ وَهُوَ فِي هَذَا الْوَجْهِ مِثْلُ فَإِنْ لَمْ لِأَنَّ الزِّيَارَةَ لَا تَتَعَقَّبُ الزِّيَارَةَ عَادَةً فَكَانَ الْمَقْصُودُ هُوَ الْفِعْلَ فَإِنْ قِيلَ أَتَيْتَنِي فَلَمْ آتِكِ فَالْأَمْرُ فِي هَذَا مُشْتَبِهٌ قَدْ يَكُونُ بِمَعْنَى إنْ لَمْ آتِكَ قَبْلَ إتْيَانِكَ وَقَدْ يَكُونُ بِمَعْنَى إنْ لَمْ آتِكَ بَعْدَ إتْيَانِك فَكَانَ مُحْتَمِلًا لِلْأَمْرَيْنِ فَيُحْمَلُ عَلَى مَا كَانَ الْغَالِبُ مِنْ مَعَانِي كَلَامِ النَّاسِ عَلَيْهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَهُوَ عَلَى مَا نَوَى أَيَّ ذَلِكَ نَوَى مِنْ قَبْلُ أَوْ بَعْدُ حَمْلًا عَلَى مَا نَوَى وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ يُلْحَقُ بِالْمُشْتَبِهِ الَّذِي لَا يُعْرَفُ لَهُ مَعْنًى.
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الأيمان
١٧٩٧ - مسألة؛ قال: (وإذا حلف، فقال: إن شاء الله تعالى. فإن شاء فعل، وإن شاء ترك، ولا كفارة
١٧٩٧ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا حَلَفَ، فَقَالَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. فَإِنْ شَاءَ فَعَلَ، وإِنْ شَاءَ تَرَك، وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ، إِذَا لَم يَكُنْ بَيْنَ الِاسْتِثْناءِ والْيَمِينِ كَلامٌ)
ارجع إلى أنواع الأيمان للاطلاع على جميع المسائل.