الإسلام > الأيمان والمواريث > أنواع الأيمان > النوع الثالث: اليمين المنعقدة
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 15 دقيقة قراءةالنوعُ الثالثُ: اليَمينُ المُنعقِدةُ:
اليَمينُ المُنعقِدةُ: وهي الحَلفُ على الأَمرِ المُستَقبل أنْ يَفعلَه أو لا يَفعلَه، فإذا حنِثَ في ذلك لزِمَته الكَفارةُ (١).
وقد أجمَعَ أَهلُ العِلمِ على أنَّ اليَمينَ المُنعقِدةَ هي التي تَكون في المُستَقبل حتى يَتمكَّنَ الحالِفُ مِنْ البِرِّ بيَمينِه، أما إن كانَت على ماضٍ فذهَبَ العُلماءُ إلى عَدمِ الكَفارةِ؛ لأنَّ الحالِفَ إما أنْ يَكونَ يَحلفُ صادِقًا فلا كَفارةَ، أو كاذِبًا وهي اليَمينُ الغَموسُ كما تَقدَّمَ؛ لقولِه تَعالى: ﴿لَا
يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٨٩)﴾ [المائدة: ٨٩].
والمُرادُ منها اليَمينُ في المُستَقبلِ بدَليلِ قولِه تَعالى: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]، ولا يُتصوَّرُ الحِفظُ عن الحِنثِ والهَتكِ إلا في المُستَقبلِ، ولأنَّ اللهَ تَعالى قالَ: ﴿بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩] والعَقدُ يَقتضِي ارتِباطَ الكَلامِ بالكَلامِ على وَجهٍ يَتعَلقُ بهما حُكمٌ فيَصيرُ عَقدًا شَرعيًّا كسائرِ العُقودِ الشَّرعيةِ، ولأنَّه تَعالى قالَ: ﴿وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل: ٩١]، والنَّقضُ يَكونُ في مَوضعِ العَقدِ، وهذا إنَّما يُتصوَّرُ في المُستَقبلِ (٢).
وقد نُقلَ الإِجماعِ على ذلك.
(١) «تبيين الحقائق» (٣/ ١٠٩)، و «الجوهرة النيرة» (٦/ ٧)، و «درر الحكام» (٥/ ١٧٠).
(٢) «تبيين الحقائق» (٣/ ١٠٩)، و «البحر الرائق» (٤/ ٣٠٣)، و «درر الحكام» (٥/ ١٧١).
قالَ الإمامُ ابنُ عبدِ البَرِّ رحمة الله عليه: وأما الأَيمانُ فمنها ما يُكفَّرُ بإِجماعٍ ومنها ما لا كَفارةَ فيه بإِجماعٍ ومنها ما اختُلفَ في الكَفارةِ فيه، فأما التي فيها الكَفارةُ بإِجماعٍ مِنْ عُلماءِ المُسلِمينَ فهي اليَمينُ باللهِ على المُستَقبلِ مِنْ الأَفعالِ، وهي تَنقسِمُ قِسمَينِ: أَحدُهما: أنْ يَحلفَ باللهِ ليَفعَلنَّ ثم لا يَفعلُ، والآخرُ: أنْ يَحلفَ أنْ لا يَفعلَ في المُستَقبلِ أيضًا ثم يَفعلُ (١).
وقالَ في «الاستِذكار»: والوَجهُ الثالثُ هو اليَمينُ في المُستَقبلِ (واللهِ لا فعَلتُ) (واللهِ لأَفعَلنَّ) لَم يَختَلفِ العُلماءُ أنَّ على مَنْ حنِثَ فيما حلَفَ عليه مِنْ ذلك الكَفارةُ التي ذكَرَ اللهُ في كِتابِه في قوله ﷿: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] يَعني: فحنَثْتم (٢).
وقالَ الإمامُ ابنُ حزمٍ رحمة الله عليه: ومَن حلَفَ بما ذكَرْنا أنْ لا يَفعلَ أمرَ كذا، أو أنْ يَفعلَ أمرَ كذا، فإنْ وقَّتَ وقتًا، غدًا أو يومَ كذا، أو اليومَ، أو في يومٍ يُسمِّيه، فإن مَضى ذلك الوقتُ ولَم يَفعلْ ما حلَفَ أن يَفعلَه فيه عامِدًا ذاكِرًا ليَمينِه، أو فعَلَ ما حلَفَ أنْ لا يَفعلَه فيه عامِدًا ذاكِرًا ليَمينِه، فعليه كَفارةُ اليَمينِ، هذا ما لا خِلافَ فيه مِنْ أحدٍ، وبه جاءَ القُرآنُ والسُّنةُ (٣).
وقالَ الإمامُ ابنُ هُبيرةَ رحمة الله عليه: وأَجمَعوا على أنَّ اليَمينَ المُنعقِدَ هو أنْ يَحلفَ باللهِ على أمرٍ في المُستَقبلِ على أنَّ يَفعلَه أو لا يَفعلَه، وإذا حنِثَ وجَبَت عليه الكَفارةُ (٤).
(١) «التمهيد» (٢١/ ٢٤٧).
(٢) «الاستذكار» (٥/ ١٩٢).
(٣) «المحلى» (٨/ ٣٢).
(٤) «الإفصاح» (٢/ ٣٦٤).
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب الأيمان
باب لغو اليمين من هذا ومن اختلاف مالك والشافعي
باب لغو اليمين من هذا ومن اختلاف مالك والشافعي
(مسألة:)
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: " أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ هشامٍ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: " لَغْوُ الْيَمِينِ قَوْلُ الْإِنْسَانِ لَا والله وبلى والله " (قال الشافعي) رحمه الله: وَاللَّغْو فِي لِسَانِ الْعَرَبِ الْكَلَامُ غَيْرُ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ وَجِمَاعُ اللَّغْوِ هُوَ الْخَطَأُ وَاللَّغْوُ كَمَا قَالَتْ عَائِشَةُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَذَلِكَ إِذَا كَانَ عَلَى اللَّجَاجِ وَالْغَضَبِ وَالْعَجَلَةِ وَعَقْدُ الْيَمِينِ أَنْ يُثْبِتَهَا عَلَى الشَّيْءِ بِعَيْنِهِ " .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَأَصْلُ هَذَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {لاَ يُؤَاخِذُكُمْ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ) {البقرة: ٢٢٥) يُرِيدُ بِتَرْكِ الْمُؤَاخَذَةِ بِاللَّغْوِ فِي الْأَيْمَانِ ارْتِفَاعَ الْمَأْثَمِ وَسُقُوطَ الْكَفَّارَةِ.
وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي لَغْوِ الْيَمِينِ الَّذِي يَسْقُطُ بِهِ الْمَأْثَمُ وَالتَّكْفِيرُ عَلَى مَذَاهِبَ شَتَّى.
أَحَدُهَا: مَا قَالَهُ مَالِكٌ: إِنَّ لَغْوَ الْيَمِينِ هُوَ الْيَمِينُ الْغَمُوسُ أَنْ يَحْلِفَ عَلَى الْمَاضِي كَاذِبًا فَلَا يُؤَاخَذُ بِالْكَفَّارَةِ وَإِنْ كَانَ آثِمًا وَهِيَ الْيَمِينُ الْغَمُوسُ.
وَالْمَذْهَبُ الثَّانِي: مَا قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ: بِأَنَّ لَغْوَ الْيَمِينِ بِأَنْ يَحْلِفَ عَلَى ماضٍ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ صَادِقٌ، فَيَبِينُ كَاذِبًا فَلَا يُؤَاخَذُ بِمَأْثَمٍ وَلَا كَفَّارَةٍ.
وَالْمَذْهَبُ الثَّالِثُ: مَا قَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ: إِنَّ لَغْوَ الْيَمِينِ أَنْ يَحْلِفَ نَاسِيًا عَلَى ماضٍ أَوْ مُسْتَقْبَلٍ، فَلَا يُؤَاخَذُ بِمَأْثَمٍ وَلَا كَفَّارَةٍ.
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الأيمان
١٧٨٣ - مسألة؛ قال: (واليمين المكفرة، أن يحلف بالله عز وجل، أو باسم من أسمائه).
غيرِه، ليَفْعَلنَّ أو ليَتْرُكَنَّ، فذلك عَقْدُ الأَيْمانِ التى فَرَضَ اللَّهُ فيها الكَفَّارَةَ . وقال الثَّوْرِىُّ، فى "جامِعِه" : الأيْمانُ أربَعَةٌ؛ يَمِينَانِ يُكَفَّران، وهو أَنْ يقولَ الرَّجلُ: واللَّه لا أفْعَلُ. فيَفْعَلُ. أو يقولَ: واللَّه لأَفْعَلَنَّ. ثم لا يَفْعَلُ. ويَمينان لا يُكَفَّران، أَنْ يقولَ: واللَّه ما فَعَلْتُ. وقد فَعَلَ، أو يقولَ: واللَّهِ لقد فعلتُ. وما فَعَلَ.
١٧٨٣ - مسألة؛ قال: (والْيَمِينُ المُكَفَّرَةُ، أَنْ يَحْلِفَ بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، أَوْ بِاسْمٍ مِنْ أسْمَائِهِ) .
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الأيمان
فصل في بيان أن اليمين بالله ﷿ على نية الحالف أو المستحلف
ﷺ كَفَّرَ قَبْلَ الْحِنْثِ وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا رَأَى حَمْزَةَ رضي الله عنه سَيِّدَ الشُّهَدَاءِ - قَدْ مُثِّلَ وَجُرِحَ جِرَاحَاتٍ عَظِيمَةً اشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَقْسَمَ أَنْ يَفْعَلَ كَذَلِكَ بِكَذَا كَذَا مِنْ قُرَيْشٍ فَنَزَلَ النَّهْيُ عَنْ الْوَفَاءِ بِذَلِكَ وَكَفَّرَ عَنْ يَمِينِهِ وَذَلِكَ تَكْفِيرٌ قَبْلَ الْحِنْثِ لِأَنَّ الْحِنْثَ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْيَمِينِ لَا يَتَحَقَّقُ إلَّا فِي الْوَقْتِ الَّذِي لَا يُحْتَمَلُ الْبِرُّ فِيهِ حَقِيقَةً وَذَلِكَ عِنْدَ مَوْتِهِ فَدَلَّ عَلَى جَوَازِ التَّكْفِيرِ لِلْأُمَّةِ قَبْلَ الْحِنْثِ إذْ هُوَ ﷺ قُدْوَةٌ وَلَنَا أَنَّ السَّبَبَ مَا يَكُونُ مُفْضِيًا إلَى الْمُسَبَّبِ إذْ هُوَ فِي اللُّغَةِ اسْمٌ لِمَا يُتَوَصَّلُ بِهِ إلَى الشَّيْءِ، وَالْيَمِينُ مَانِعَةٌ مِنْ الْحِنْثِ لِكَوْنِ الْحِنْثِ خُلْفًا فِي الْوَعْدِ وَنَقْضًا لِلْعَهْدِ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ النحل: ٩١ ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا﴾ النحل: ٩٢ وَلِكَوْنِهِ اسْتِخْفَافًا بِاسْمِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ حَيْثُ الصُّورَةِ، وَكُلُّ ذَلِكَ مَانِعٌ مِنْ الْحِنْثِ فَكَانَتْ الْيَمِينُ مَانِعَةً مِنْ الْحِنْثِ فَكَانَتْ مَانِعَةً مِنْ الْوُجُوبِ إذْ الْوُجُوبُ شَرْطُ الْحِنْثِ بِلَا خِلَافٍ بَيْنَنَا فَكَيْفَ يَكُونُ سَبَبًا لِلْوُجُوبِ؟ ، وَلِهَذَا لَمْ يَجُزْ تَعْجِيلُ التَّكْفِيرِ بِالصَّوْمِ كَذَا بِالْمَالِ بِخِلَافِ التَّكْفِيرِ بَعْدَ الْجُرْحِ قَبْلَ الْمَوْتِ لِأَنَّ الْجُرْحَ سَبَبٌ لِلْمَوْتِ…
ارجع إلى أنواع الأيمان للاطلاع على جميع المسائل.