ما ينعقد به اليمين وما لا ينعقد

الإسلام > الأيمان والمواريث > أنواع الأيمان > ما ينعقد به اليمين وما لا ينعقد

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 17 دقيقة قراءة

ما ينعقد به اليمين وما لا ينعقد - الأقوال والأدلة

ولهذا يَصحُّ أنْ يُقالَ: «ما أَكلتُ لَحمًا بل سَمكًا» كما لا يَحنَثُ بالجُلوسِ على الأَرضِ إذا حلَفَ لا يَجلسُ على بِساطٍ كما مرَّ وإنْ سَماها اللهُ تَعالى بِساطًا.

هذا كلُّه عندَ الإِطلاقِ فإنْ نَوى شَيئًا حُملَ عليه.

ولا يَحنَثُ إنْ أكَلَ شَحمَ بَطنٍ وشَحمَ عَينٍ لمُخالفَتِهما اللَّحمَ في الاسمِ والصِّفةِ، وكذا كرِشٌ وكبِدٌ وطِحالٌ وقَلبٌ ورِئةٌ ومعِيٌّ في الأَصحُ؛ لأنَّه يَصحُّ أنْ يُقالَ إنَّها ليسَت لَحمًا (١).

ما يَنعَقدُ به اليَمينُ وما لا يَنعَقدُ:

يَنعَقدُ اليَمينُ عندَ عامَّةِ الفُقهاءِ بأَحدِ أَمرَينِ: أمرٌ مُجمَعٌ عليه، وأَمرٌ مُختلَفٌ فيه.

أولاً: اليَمينُ باللهِ تَعالى أو باسمٍ مِنْ أَسمائِه أو بصِفةٍ مِنْ صِفاتِه:

أجمَعَ أَهلُ العِلمِ على أنَّ الإِنسانَ إذا حلَفَ باللهِ تَعالى كَواللهِ والرَّحمنِ أَوْ الرَّحيمِ، أو تاللهِ أو بصِفةٍ مِنْ صِفاتِه كوعزَّةِ اللهِ وجَلالِه وكِبريائِه انعَقدَ يَمينُه، فإذا حنِثَ وجَبَ عليه الكَفارةُ.

لقولِه تَعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣)[الأنعام: ٢٣]، وقولِه تَعالى: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ (٥٧)

(١) «النجم الوهاج» (١٠/ ٥٢، ٥٧)، و «مغني المحتاج» (٦/ ٢٢٣، ٢٢٤)، و «الديباج» (٤/ ٣٩٦).

[الأنبياء: ٥٧]، وقولِه تَعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ قُلْ لَا تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (٥٣)[النور: ٥٣]، وقولِه تَعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا (٤٢)[فاطر: ٤٢].

وكلُّ هذه الآياتِ تَدلُّ بوُضوحٍ على جَوازِ القَسمِ باللهِ وتاللهِ.

ولقولِ رَسولِ اللهِ : «مَنْ كانَ حالِفًا فليَحلِفْ باللهِ أو ليَصمُتْ» (١)، وكذلك الحَلفُ باسمٍ مِنْ أَسمائِه في الجُملةِ، وقد أمَرَ اللهُ سُبحانَه النَّبيَّ أنْ يَحلِفَ برَبِّه كما تَقدَّمَ.

وعن ابنِ عُمرَ رضي الله عنهما قالَ: أَكثرُ ما كانَ النَّبيُّ يَحلِفُ «لا ومُقلِّبَ القُلوبِ» (٢).

وقالَ النَّبيُّ : «همُ الأَخسَرونَ ورَبِّ الكَعبةِ همُ الأَخسَرونَ ورَبِّ الكَعبةِ» (٣)، ولا يُناقِضُ هذا قولَ النَّبيِّ: «مَنْ كانَ حالِفًا فلا يَحلفْ إلا باللهِ»؛ إذِ الحالِفُ بجَميعِ أَسماءِ اللهِ أو صِفاتِه حالِفٌ باللهِ.

وقد نقَلَ عَددٌ مِنْ العُلماءِ الإِجماعَ على هذا.

قالَ الإمامُ ابنُ المُنذرِ رحمة الله عليه: وأَجمَعوا على أنَّ مَنْ قالَ: «واللهِ أو باللهِ أو تاللهِ» فحنِثَ أنَّ عليه الكَفارةَ.

وأَجمَعوا على أنَّ مَنْ حلَفَ باسمٍ مِنْ أَسماءِ اللهِ تَعالى ثم حنِثَ عليه الكَفارةُ (٤).

(١) أخرجه البخاري (٢٥٣٣)، ومسلم (١٦٤٦).
(٢) أخرجه البخاري (٦٩٥٦).
(٣) أخرجه البخاري (٦٢٦٢)، ومسلم (٩٩٠).
(٤) «الإجماع» (٦٠٤، ٦٠٥).

وقالَ الإمامُ القُرطبيُّ رحمة الله عليه: وأجمَعَ أَهلُ العِلمِ على أنَّ مَنْ حلَفَ فقالَ: «واللهِ أو باللهِ أو تاللهِ» فحنِثَ أنَّ عليه الكَفارةَ (١).

وقالَ الإمامُ ابنُ هُبيرةَ رحمة الله عليه: واتَّفَقوا على أنَّ اليَمينَ باللهِ تَعالى مُنعقِدةٌ وبجَميعِ أَسمائِه الحُسنَى كالرَّحمنِ الرَّحيمِ والحيِّ وبجَميعِ صِفاتِ ذاتِه كعِزةِ اللهِ وجَلالِه إلا أنَّ أَبا حَنيفةَ استَثنى عِلمَ اللهِ فلَم يَره يَمينًا (٢).

وقالَ الإمامُ الزَّركشيُّ رحمة الله عليه: لا نِزاعَ أنَّ الحَلفَ باللهِ ﷿ يَمينٌ مَكفرَّةٌ (٣).

وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: أجمَعَ أَهلُ العِلمِ على أنَّ مَنْ حلَفَ باللهِ ﷿ فقالَ: «واللهِ أو باللهِ أو تاللهِ» فحنِثَ أنَّ عليه الكَفارةَ.

قالَ ابنُ المُنذرِ: وكانَ مالكٌ والشافِعيُّ وأَبو عُبيدٍ وأَبو ثَورٍ وأَصحابُ الرَّأيِ يَقولونَ: مَنْ حلَفَ باسمٍ مِنْ أَسماءِ اللهِ تَعالى فحنِثَ أنَّ عليه الكَفارةَ، ولا نَعلمُ في هذا خِلافًا إذا كانَ مِنْ أَسماءِ اللهِ ﷿ التي لا يُسمَّى بها سِواه، وأَسماءُ اللهِ تَنقسِمُ ثَلاثةَ أَقسامٍ:

(١) «تفسير القرطبي» (٦/ ٢٦٩).
(٢) «الإفصاح» (٢/ ٣٦٣، ٣٦٤).
(٣) «شرح الزركشي» (٣/ ٣٠٢).

أَحدُها: ما لا يُسمَّى بها غَيرُه نحوَ قولِه واللهِ والرَّحمنِ والأَولِ الذي ليسَ قبلَه شَيءٌ والآخرِ الذي ليسَ بعدَه شيءٌ وربِّ العالَمينَ ومالكِ يومِ الدِّينِ وربِّ السَّمواتِ والأرضِ والحيِّ الذي لا يَموتُ ونحوِ هذا، فالحَلفُ بهذا يَمينٌ بكلِّ حالٍ.

والثانِي: ما يُسمَّى به غيرُ اللهِ تَعالى مَجازًا وإِطلاقُه يَنصرِفُ إلى الله تَعالى مِثلَ الخالِقِ والرَّازقِ والرَّبِّ والرَّحيمِ والقادِرِ والقاهِرِ والمَلكِ والجَبارِ ونحوِه، فهذا يُسمَّى به غيرُ اللهِ مَجازًا بدَليلِ قولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا﴾ [العنكبوت: ١٧] ﴿وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ (١٢٥)[الصافات: ١٢٥]، وقولِه:

﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ﴾ [يوسف: ٥٠] و ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [يوسف: ٤٢]

و ﴿فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ﴾ [يوسف: ٤٢] وقالَ: ﴿فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ [النساء: ٨] وقالَ: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)[التوبة: ١٢٨]، فهذا إنْ نَوى به اسمَ اللهِ تَعالى أو أطَلقَ كانَ يَمينًا؛ لأنَّه بإِطلاقِه يَتصَرفُ إليه، وإن نَوى به غيرَ اللهِ تَعالى لَم يَكنْ يَمينًا؛ لأنَّه يُستَعملُ في غيرِه فيَنصرِفُ بالنِّيةِ إلى ما نَواه، وهذا مَذهبُ الشافِعيِّ، وقالَ طَلحةُ العاقولِيُّ: إذا قالَ: «والربِّ والخالِقِ والرازِقِ» كانَ يَمينًا على كلِّ حالٍ كالأَولِ؛ لأنَّها لا تُستَعملُ معَ التَّعريفِ بلام التَّعريفِ إلا في اسمِه تَعالى فأَشبَهت القِسمَ الأَولَ.

الثالِثُ: ما يُسمَّى به اللهُ تَعالى وغيرُه ولا يَنصرِفُ إليه بإِطلاقِه كالحيِّ والعالِمِ والمَوجودِ والمُؤمنِ والكَريمِ والشاكِرِ فهذا إنْ قُصدَ به اليَمينُ باسمِ اللهِ تَعالى كانَ يَمينًا وإنْ أُطلِقَ أو قُصدَ غيرُ اللهِ تَعالى لَم يَكنْ يَمينًا، فيَختلِفُ هذا القَسمُ والذي قبلَه في حالةِ الإِطلاقِ؛ ففي الأَولِ يَكونُ يَمينًا، وفي الثانِي

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الأيمان
فصل في ركن اليمين بالله تعالى

لَا تَبَرُّوا وَيَجُوزُ إضْمَارُ حَرْفٍ لَا فِي مَوْضِعِ الْقَسَمِ وَغَيْرِهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى﴾ النور: ٢٢ أَيْ لَا يُؤْتَوْا وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الْآيَةُ عَامَّةً أَيْ لَا تَحْلِفُوا لِكَيْ تَبَرُّوا فَتَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً بِالْحِنْثِ بَعْدَ ذَلِكَ بِتَرْكِ التَّعْظِيمِ بِتَرْكِ الْوَفَاءِ بِالْيَمِينِ، يُقَالُ فُلَانٌ عُرْضَةٌ لِلنَّاسِ أَيْ لَا يُعَظِّمُونَهُ وَيَقَعُونَ فِيهِ فَيَكُونُ هَذَا نَهْيًا عَنْ الْحَلِفِ بِاَللَّهِ تَعَالَى إذَا لَمْ يَكُنِ الْحَالِفُ عَلَى يَقِينٍ مِنْ الْإِصْرَارِ عَلَى مُوجِبِ الْيَمِينِ وَهُوَ الْبِرُّ أَوْ غَالِبِ الرَّأْيِ وَاَللَّهُ ﷿ أَعْلَمُ -.

وَأَمَّا الْيَمِينُ الْمَعْقُودَةُ فَهِيَ الْيَمِينُ عَلَى أَمْرٍ فِي الْمُسْتَقْبَلِ نَفْيًا أَوْ إثْبَاتًا نَحْوَ قَوْلِهِ وَاَللَّهِ لَا أَفْعَلُ كَذَا وَكَذَا وَقَوْلِهِ وَاَللَّهِ لَأَفْعَلَن كَذَا.

فَصْلٌ فِي رُكْنُ الْيَمِينِ بِاَللَّهِ تَعَالَى

(فَصْلٌ) :

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب النذور
١٨٥٢ - مسألة؛ قال: (ومن نذر أن يطيع الله عز وجل، لزمه الوفاء به، ومن نذر أن يعصيه، لم يعصه

١٨٥٢ - مسألة؛ قال: (وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ، لَزِمَهُ الوَفَاءُ بِهِ، وَمَنْ نذَرَ أَنْ يَعْصِيَهُ، لَمْ يَعْصِهِ، وَكَفَّرَ كَفَّارَةَ يَمِينٍ)

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · (كتاب الأقضية واليمين مع الشاهد وما دخل فيه من اختلاف الحديث وغير ذلك)
(مسألة)

وَبِرِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ " .

فَخُصَّ الْمُدَّعِي بِالْبَيِّنَةِ، وَالْمُنْكِرُ بِالْيَمِينِ.

وَبِرِوَايَةِ سِمَاكٍ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَجُلًا مِنْ كِنْدَةَ، وَرَجُلًا مِنْ حَضْرَمَوْتَ أَتَيَا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَقَالَ الْحَضْرَمِيُّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ هَذَا غَصَبَنِي أَرْضِي، وَرِثْتُهَا مِنْ أَبِي، وَقَالَ الْكِنْدِيُّ: أرضي وفي يدي، أزرعها لا حق له فِيهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لِلْحَضْرَمِيِّ: " أَلَكَ بَيِّنَةٌ " ، قَالَ: لَا، قَالَ: " لَكَ يَمِينُهُ " ، فَقَالَ الْحَضْرَمِيُّ: إِنَّهُ فَاجِرٌ، لَا يُبَالِي على ما حلف، إنه لا يتورع من شَيْءٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " لَيْسَ لَكَ مِنْهُ إِلَّا ذَاكَ " فَدَلَّ عَلَى أَنَّ مَا عَدَا الْبَيِّنَةَ لَا يَسْتَوْجِبُ بِهِ حَقًّا، وَلِأَنَّ الْبَيِّنَةَ مَوْضُوعَةٌ لِإِثْبَاتِ الدَّعْوَى، وَالْيَمِينَ مَوْضُوعَةٌ لِإِنْكَارِهَا، فَلَمَّا لَمْ تُنْقَلِ الْبَيِّنَةُ إِلَى نفي المنكر، وجب أن لا تنقل اليمين إِلَى إِثْبَاتِ الْمُدَّعِي.

وَتَحْرِيرُهُ قِيَاسًا: أَنَّهَا حُجَّةٌ لِأَحَدِ الْمُتَنَازِعَيْنِ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ تُنْقَلَ إِلَى خَصْمِهِ كَالْبَيِّنَةِ.

وَلِأَنَّ نُقْصَانَ الْعَدَدِ الْمَشْرُوعِ فِي الْبَيِّنَةِ يَمْنَعُ مِنَ الْحُكْمِ بِهَا كَالْيَمِينِ مَعَ الْمَرْأَتَيْنِ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 518 - 521

ارجع إلى أنواع الأيمان للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.7 / 29.5
الإضاءة 43%
البدر بعد 8 يوم
لا إله إلا الله