الإسلام > الأيمان والمواريث > أنواع الأيمان > مقتضيات البر والحنث في اليمين
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 23 دقيقة قراءةوكذا إذا قالَ له: «تَغدَّ معي»، فقالَ: «واللَّهِ لا أَتغدَّى معك، وإنْ تغَدَّيتُ فعَبدِي حرٌّ» فلَم يَتغَدَّ معَه وذهَبَ إلى بيتِه وتَغدَّى فإنَّه لا يَحنَثُ في هذه الوُجوهِ كلِّها (١).
مُقتضَياتُ البرِّ والحِنثِ في اليَمينِ:
مُقتضَياتُ البِرِّ والحِنثِ في اليَمينِ أَربعةُ أُمورٍ:
الأولُ: النِّيةُ، والثانِي: البِساطُ، والثالِثُ: العُرفُ القَوليُّ، والرَّابعُ: المَقصدُ الشَّرعيُّ.
الأصلُ في الأَيمانِ أنْ تَكونَ على نِيةِ الحالِفِ إلا أنَّ الفُقهاءَ مُختلِفونَ فيما لو لَم تَكنْ له نِيةٌ هل يَرجعُ إلى البِساطِ وهو السَّببُ المُهيجُ لليَمينِ فإن لَم يَكنْ فيَرجعُ للعُرفِ أو للشَّرعِ أو للُّغةِ أم أنَّه إذا لَم تَكنْ هناك نِيةٌ يَرجعُ في ذلك إلى العُرفِ ولا عِبرةَ بالبِساطِ؟ على اختِلافٍ بينَهم في هذا، وبَيانُ ذلك فيما يَلي:
الأولُ: النِّيةُ:
الأصلُ أنَّ النِّيةُ تُخصِّصُ العامَ وتُقيِّدُ المُطلَقَ وتُبيِّنُ المُجمَلَ إذا صلَحَ اللَّفظُ لها، ومَعنى كَونِ اللَّفظِ صالِحًا لها ألَّا يَكونَ اللَّفظُ صَريحًا فيما نَواهُ الحالِفُ، فإذا قالَ: نَويتُ به كذا عمِلَ بنِيتِه؛ فإذا حلَفَ «لا أَلبَسُ الجَونَ»: يُطلَقُ على الأَبيضِ والأَسودِ، وقالَ: «أَردْتُ الأَبيضَ» كانَ له لُبسُ الأَسودِ.
وعلى هذا إذا حلَفَ لا يَأكلُ لَحمًا ولا فَاكهةً ويُريدُ باللَّحمِ لَحمًا بعَينِه وبالفَاكهةِ فَاكهةً بعَينِها فيَقبلُ منه في الفَتوى اتِّفاقًا.
(١) «الجوهرة النيرة» (٦/ ٩، ١٠).
وكذا لو حلَفَ على فِعلِ شيءٍ أو على تَركِه في وَقتٍ مُعيَّنٍ مثلَ أنْ يَحلفَ لا يَتغدَّى ويُريدُ اليومَ أو «لا أَكلتُ» ويُريدُ الساعةَ أو «تَغدَّ معي» فقالَ: «واللهِ لا أَتغدَّى معك» وقالَ: «نَويتُ اليومَ» فإنَّه يُقبلُ منه واختَصتْ يَمينُه بما نَواه.
وكذا لو قصَدَ مَعنًى عامًا وعبَّرَ عنه بلَفظٍ خاصٍّ كالحالفِ لا «أَشربُ لفُلانٍ ماءً» أو «لا أَلبسُ ثوبًا مِنْ غَزلِ امرَأتِه» بقَصدِ قَطعِ المنِّ بأنْ يَقطعَ كلَّ ما فيه مِنةٌ فإنَّه يَحنثُ بكلِّ ما يَنتفِعُ به منهما؛ لأنَّه نَوى بيَمينِه ما يَحتمِلُه ويَسوغُ به في اللُّغةِ التَّعبيرُ به فتَنصرِفُ يَمينُه إليه كالمَعاريضِ.
وكذا لو حلَفَ لا يَأوي معَ زَوجتِه في دارٍ سَماها يُريدُ جَفاءَها فيعم جَميعَ الدُّورِ (١).
قالَ المالِكيةُ: إنَّ النِّيةَ لا تَخلُو مِنْ ثَلاثةِ أَحوالٍ:
١ - إما أنْ تَكونَ النِّيةُ مُساوِيةً لظاهِرِ اللَّفظِ، أيْ تَحتمِلُ إِرادةَ ظاهِرِ اللَّفظِ، وتَحتمِلُ إِرادتَها على السَّواءِ بِلا تَرجيحٍ لأَحدِهما على الآخَرِ. فيَصدقُ مُطلقًا في اليَمينِ باللهِ وَغيرِهَا مِنْ التَّعاليقِ في الفَتوَى والقَضاءِ، كحَلفِهِ لزَوجتِه إنْ تَزوَّجَ في حَياتِها فالتي يَتزوَّجُها طالِقٌ فتَزوَّجَ بعدَ طَلاقِها وقالَ: «نَويْتُ حَياتَها في عِصمَتي وهي الآنَ ليسَتْ في عِصمَتي»، ومِن ذلك
(١) «الجوهرة النيرة» (٦/ ٩، ١٠)، و «بداية المجتهد» (١/ ٣٠٤، ٣٠٥)، و «التاج والإكليل» (٢/ ٣٠٢، ٣٠٣)، و «شرح مختصر خليل» (٣/ ٦٦)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٢/ ٤١٥، ٤١٧)، و «تحبير المختصر» (٢/ ٣٨١، ٣٨٣)، و «النجم الوهاج» (١٠/ ٤٨، ٥٢)، و «مغني المحتاج» (٦/ ٢٢١، ٢٢٣)، و «كشاف القناع» (٦/ ٣١١، ٣١٢)، و «شرح منتهى الإرادات» (٦/ ٣٩٢، ٣٩٣).
ما لو حلَفَ بما ذُكرَ أو باللهِ «لا آكُلُ لَحمًا» فأكَلَ لَحمَ طَيرٍ، وقالَ: «أَردْتُ غيرَ الطَّيرِ» فيُصدَّقُ مُطلقًا لمُساواةِ إِرادَةِ نيَّتِه لظاهِرِ لَفظِه.
٢ - وإما أنْ تَكونَ إِرادةُ ظاهِرِ اللَّفظِ أَقرَبَ في الاستِعمالِ مِنْ إِرادةِ النِّيةِ المُخالِفةِ لظاهِرِه؛ قُبلَتْ دَعواهُ النِّيةُ مُطلَقًا في اليَمينِ باللهِ وغيرِه، إلا في أَمرَينِ: الطَّلاقُ، والعِتقُ المُعيَّنُ في القَضاءِ: أيْ فيما إذا رُفعَ للقاضِي وأُقيمَتْ عليه البيِّنةُ أو أَقرَّ، فلا يُقبلُ ويَتعيَّنُ الحُكمُ عليه بوُقوعِ الطَّلاقِ والعِتقِ لذلك العَبدِ.
فإذا حلَفَ «لَا آكُلُ لَحمًا» أو «لا آكُلُ سَمنًا» فأكَلَ لَحمَ الضَّأنِ وسَمنَ البَقرِ، فإذا رُفعَ للقَاضِي فقالَ: «نَويتُ لا آكُلُ لَحمَ بَقرٍ وأَنا قد أكَلتُ لَحمَ ضَأنٍ»، أو «نَويْتُ لا آكُلُ سَمنَ ضَأنٍ وأَنا قد أكَلتُ سَمنَ بَقرٍ»، فلا يُقبَلُ. ويُقبَلُ في الفَتوى مُطلَقًا في الطَّلاقِ والعِتقِ وفي غيرِهما؛ لأنَّها قَريبَةٌ مِنْ المُساواةِ، وكذا «لا أُكلِّمُه» أو «لا أَدخلُ دارَه» ثم فعَلَ المَحلوفَ عليه وقالَ: «نوَيتُ لا أُكلِّمُه في شَهرٍ أو في المَسجدِ»، أو حلَفَ لَا يَبيعُه أو لا يَضرِبُه، فباعَه له الوَكيلُ أو ضرَبَه، وقالَ: «نَويْتُ ألا أَبيعَه بنَفسِي أو لا أَضرِبَه بنَفسيِ» فيُقبَلُ في الفَتوى لقُربِ هذه النِّيةِ وإنْ لَم تُساوِ، ولا يُقبَلُ في القَضاءِ في طَلاقٍ ولا عِتقِ مُعيَّنٍ فقَط، يَعني أنَّ النِّيةَ المُخالِفةَ لظاهِرِ لَفظِه القَريبَةَ مِنْ التَّساوِي تُقبَلُ ممَّن ادَّعاها في الفَتوى مُطلَقًا وفي القَضاءِ إذا كانَت يَمينُه بغيرِ الطَّلاقِ والعِتقِ المُعيَّنِ أو بهما وجاءَ مُستَفتيًا وأما إنْ كانَت يَمينُه بهما ورُفعَ للحاكِمِ معَ بَينَةٍ أو إِقرارٍ فلا تُقبَلُ نِيتُه المُخالِفةُ لظاهِرِ اللَّفظِ.
وأما غيرُ المُعيَّنِ فتُقبَلُ نيَّتُه في تَعيينِه وهذا إنَّما يَتأتَّى فيما إذا كانَت له عَبيدٌ.
٣ - وإما أنْ تَكونَ إِرادةُ النِّيةِ بَعيدةً عن ظَاهرِ اللَّفظِ شَأنُها عَدمُ القَصدِ فلا تُقبلُ مُطلَقًا لا في الفَتوى ولا القَضاءِ في طَلاقٍ أو عِتقٍ أو غيرِهما؛ كإِرادةِ زَوجةٍ مَيتةٍ في حَلفِه: «إنْ دخَلتُ دارَ زَيدٍ -مَثلًا- فزَوجَتُه طالِقٌ»، فلمَّا دخَلَ قالَ: «نوَيتُ زَوجَتِي المَيتةَ»، فلَا يُقبَلُ منه ذلك لبُعدِ نِيتِه عن المُساواةِ بُعدًا بَينًا لظُهورِ أنَّ الطَّلاقَ أو الحُريَّةَ لا يُقصدُ بهما المَيتُ.
أو إِرادةُ كَذبٍ في حَلفِهِ بأنْ قالَ لزَوجتِه: «أنتِ حَرامٌ»، فلمَّا وقَعَ المَحلوفُ عليه قالَ: «أَرَدتُ أنَّ كَذبَها حَرامٌ لا هي نَفسُها»، فلا يُصدَّقُ مُطلَقًا في شيءٍ مِنْ هذا (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: مَسأَلةٌ: قالَ أَبو القاسمِ رحمة الله عليه تَعالى: (ويُرجَعُ في الأَيمانِ إلى النِّيةِ).
وجُملةُ ذلك أنَّ مَبنى اليَمينِ على نِيةِ الحالفِ فإذا نَوى بيَمينِه ما يَحتَلمُه انصَرفَت يَمينُه إليه سَواءٌ كانَ ما نَواه مُوافقًا لظاهرِ اللَّفظِ أو مُخالفًا له فالمُوافقُ للظَّاهرِ أنْ يَنويَ باللَّفظِ مَوضوعَه الأَصليَّ مثلَ أنْ يَنويَ باللَّفظِ العامِّ العُمومَ وبالمُطلَقِ الإِطلاقَ وبسائرِ الأَلفاظِ ما يَتبادرُ إلى الأَفهامِ منها والمُخالفَ يَتنوعُ أَنواعًا:
(١) «التاج والإكليل» (٢/ ٣٠٢، ٣٠٣)، و «شرح مختصر خليل» (٣/ ٦٦)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٢/ ٤١٥، ٤١٧)، و «تحبير المختصر» (٢/ ٣٨١، ٣٨٣)، و «حاشية الصاوي» (٤/ ٢١١، ٢١٢).
أَحدُها: أنْ يَنويَ بالعامِّ الخاصَّ: مثلَ أنْ يَحلفَ لا يَأكلُ لَحمًا ولا فَاكهةً ويُريدُ لَحمًا بعَينِه وفَاكهةً بعَينِها.
ومنها: أنْ يَحلفَ على فِعلِ شيءٍ أو تَركِه مُطلقًا ويَنويَ فِعلَه أو تَركَه في وقتٍ بعينِه مثلَ أنْ يَحلفَ «لا أَتغدَّى يَعني اليومَ أو آكُلنَّ يَعني الساعةَ».
ومنها: أنْ يَنويَ بيَمينِه غيرَ ما يَفهمُه السامِعُ منه كما ذكَرْنا في المَعاريضِ في مَسأَلةِ إذا تَأوَّلَ في يَمينِه فله تَأويلُه.
ومنها: أنْ يُريدَ بالخاصِّ العامَّ مثلَ أنْ يَحلفَ «لا شرِبتُ لفُلانٍ الماءَ مِنْ العَطشِ» يَنوي قطعَ كلِّ ما له فيه مِنةٌ أو لا يَأوي معَ امرَأتِه في دارٍ يُريدُ جَفاءَها بتَركِ اجتِماعِها معَه في جَميعِ الدُّورِ أو حلَفَ لا يَلبسُ ثوبًا من غَزلِها يُريدُ قَطعَ مِنتِها به فيَتعلَّقُ يَمينُه بالانتِفاعِ به أو بثَمنِه مما له فيه مِنةٌ عليه وبهذا قالَ مالكٌ.
وقالَ أَبو حَنيفةَ والشافِعيُّ: لا عِبرةَ بالنِّيةِ والسَّببِ فيما يُخالِفُ لَفظَه؛ لأنَّ الحِنثَ مُخالَفةُ ما عُقدَ عليه اليَمينُ واليَمينُ لفظه، فلو أَحنَثْناه على ما سِواه لأَحنَثْناه على ما نَوى لا على ما حلَفَ ولأنَّ النِّيةَ بمُجردِها لا تَنعقِدُ بها اليَمينُ فكذلك لا يَحنَثُ بمُخالَفتِها.
ولنا: إنَّه نَوى بكَلامِه ما يَحتَملُه ويَسوغُ في اللُّغةِ التَّعبيرُ به عنه فيَنصرفُ يَمينُه إليه كالمَعاريضِ، وبَيانُ احتِمالِ اللَّفظِ أنَّه يَسوغُ في كَلامِ العَربِ التَّعبيرُ بالخاصِّ عن العامِّ قالَ اللهُ تَعالى: ﴿مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣)﴾ [فاطر: ١٣]، ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٤٩)﴾ [النساء: ٤٩]، ﴿فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا (٥٣)﴾ [النساء: ٥٣].
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الأيمان
فصل في حكم اليمين بالله تعالى
أُمُورٌ تَشْتَبِهُ فَإِنْ لَمْ فِي مَعْنَى فَلَمْ يُحْمَلُ عَلَى مُعْظَمِ مَعَانِي كَلَامِ النَّاسِ وَلَوْ قَالَ إنْ أَتَيْتَنِي فَلَمْ آتِكِ أَوْ إنْ زُرْتنِي فَلَمْ أَزُرْكَ أَوْ إنْ أَكْرَمْتَنِي فَلَمْ أُكْرِمْكَ فَهَذَا عَلَى الْأَبَدِ وَهُوَ فِي هَذَا الْوَجْهِ مِثْلُ فَإِنْ لَمْ لِأَنَّ الزِّيَارَةَ لَا تَتَعَقَّبُ الزِّيَارَةَ عَادَةً فَكَانَ الْمَقْصُودُ هُوَ الْفِعْلَ فَإِنْ قِيلَ أَتَيْتَنِي فَلَمْ آتِكِ فَالْأَمْرُ فِي هَذَا مُشْتَبِهٌ قَدْ يَكُونُ بِمَعْنَى إنْ لَمْ آتِكَ قَبْلَ إتْيَانِكَ وَقَدْ يَكُونُ بِمَعْنَى إنْ لَمْ آتِكَ بَعْدَ إتْيَانِك فَكَانَ مُحْتَمِلًا لِلْأَمْرَيْنِ فَيُحْمَلُ عَلَى مَا كَانَ الْغَالِبُ مِنْ مَعَانِي كَلَامِ النَّاسِ عَلَيْهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَهُوَ عَلَى مَا نَوَى أَيَّ ذَلِكَ نَوَى مِنْ قَبْلُ أَوْ بَعْدُ حَمْلًا عَلَى مَا نَوَى وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ يُلْحَقُ بِالْمُشْتَبِهِ الَّذِي لَا يُعْرَفُ لَهُ مَعْنًى.
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الأيمان
١٧٨١ - مسألة؛ قال: (والكفارة إنما تلزم من حلف يريد عقد اليمين)
كَوْنِها غيرَ مُنْعَقِدَةٍ، أَنَّها لا تُوجِبُ بِرًّا، ولا يُمْكِنُ فيها، ولأنَّه قارَنَها ما يُنافِيها، وهو الحنثُ، فلم تَنْعَقِدْ، كالنِّكاحِ الذى قارَنَه الرَّضاعُ، ولأنَّ الكَفَّارَةَ لا تَرْفَعُ إثْمَها، فلا تُشرَعُ فيها، ودليلُ ذلك أنَّها كبيرَةٌ، فإنَّه يُرْوَى عن النَّبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه قال: "مِنَ الْكَبائِرِ الْإشْرَاكُ بِاللَّه، وعُقوقُ الْوَالِدَيْن، وقتْلُ النَّفْس، والْيَمِينُ الْغَمُوسُ" . روَاه البُخارِىُّ ، ورُوِىَ فيه: "خَمْسٌ مِنَ الْكَبائِرِ لا كَفَّارَةَ لَهُنَّ؛ الإشْرَاكُ بِاللَّهِ، والْفِرَارُ مِنَ الزَّحْفِ، وبَهْتُ المُؤْمِنِ، وقَتْلُ المُسْلِمِ بِغَيْرِ حَقٍّ، والحَلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَاجِرَةٍ يَقْتَطِعُ بِها مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ" . ولا يصِحُّ القِياسُ على المُسْتَقْبَلةِ، لأَنّها يَمِينٌ مُنْعَقِدَةٌ، يُمْكِنُ حلُّها والبِرُّ فيها، وهذه غيرُ مُنْعَقِدَةٍ، فلا حَلَّ لها. وقولُ النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "فَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينهِ، ولْيَأْتِ الَّذِى هُوَ خَيْرٌ" . يدلُّ على أَنَّ الكَفّارَةَ إنَّما تَجِبُ بالحَلِفِ على فِعْلٍ يفْعَله فيما يستَقْبلُه. قالَه ابنُ المُنْذِرِ.
١٧٨١ - مسألة؛ قال: (والْكَفَّارَةُ إِنَّمَا تَلْزَمُ مَنْ حَلَفَ يُرِيدُ عقْد الْيَمِينِ)
وجُمْلته أَنَّ الْيَمِينَ التى تَمُرُّ على لسانِه فى عُرْضِ حَدِيثِه، من غيرِ قَصْدٍ إليها، لا كَفَّارَةَ فيها، فى قولِ أكثرِ أهلِ العِلْمِ؛ لأَنَّها من لَغْوِ اليَمِينِ. نقلَ عبدُ اللَّه، عن أبيه، أنَّه قال: اللَّغْوُ عِنْدِى أَنْ يَحْلِفَ على الْيَمِينِ، يَرَى أنَّها كذلك، والرَّجُلُ يحْلِفُ فلا يَعْقِدُ قَلْبَه على شىءٍ. وممَّنْ قال: إنّ اللَّغْوَ اليَمِينُ التى لا يَعْقِدُ عليها قَلْبَه؛ عمرُ، وعائِشَةُ، رَضِىَ اللَّهُ
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب الأيمان
باب لغو اليمين من هذا ومن اختلاف مالك والشافعي
باب لغو اليمين من هذا ومن اختلاف مالك والشافعي
(مسألة:)
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: " أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ هشامٍ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: " لَغْوُ الْيَمِينِ قَوْلُ الْإِنْسَانِ لَا والله وبلى والله " (قال الشافعي) رحمه الله: وَاللَّغْو فِي لِسَانِ الْعَرَبِ الْكَلَامُ غَيْرُ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ وَجِمَاعُ اللَّغْوِ هُوَ الْخَطَأُ وَاللَّغْوُ كَمَا قَالَتْ عَائِشَةُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَذَلِكَ إِذَا كَانَ عَلَى اللَّجَاجِ وَالْغَضَبِ وَالْعَجَلَةِ وَعَقْدُ الْيَمِينِ أَنْ يُثْبِتَهَا عَلَى الشَّيْءِ بِعَيْنِهِ " .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَأَصْلُ هَذَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {لاَ يُؤَاخِذُكُمْ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ) {البقرة: ٢٢٥) يُرِيدُ بِتَرْكِ الْمُؤَاخَذَةِ بِاللَّغْوِ فِي الْأَيْمَانِ ارْتِفَاعَ الْمَأْثَمِ وَسُقُوطَ الْكَفَّارَةِ.
وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي لَغْوِ الْيَمِينِ الَّذِي يَسْقُطُ بِهِ الْمَأْثَمُ وَالتَّكْفِيرُ عَلَى مَذَاهِبَ شَتَّى.
أَحَدُهَا: مَا قَالَهُ مَالِكٌ: إِنَّ لَغْوَ الْيَمِينِ هُوَ الْيَمِينُ الْغَمُوسُ أَنْ يَحْلِفَ عَلَى الْمَاضِي كَاذِبًا فَلَا يُؤَاخَذُ بِالْكَفَّارَةِ وَإِنْ كَانَ آثِمًا وَهِيَ الْيَمِينُ الْغَمُوسُ.
وَالْمَذْهَبُ الثَّانِي: مَا قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ: بِأَنَّ لَغْوَ الْيَمِينِ بِأَنْ يَحْلِفَ عَلَى ماضٍ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ صَادِقٌ، فَيَبِينُ كَاذِبًا فَلَا يُؤَاخَذُ بِمَأْثَمٍ وَلَا كَفَّارَةٍ.
وَالْمَذْهَبُ الثَّالِثُ: مَا قَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ: إِنَّ لَغْوَ الْيَمِينِ أَنْ يَحْلِفَ نَاسِيًا عَلَى ماضٍ أَوْ مُسْتَقْبَلٍ، فَلَا يُؤَاخَذُ بِمَأْثَمٍ وَلَا كَفَّارَةٍ.
ارجع إلى أنواع الأيمان للاطلاع على جميع المسائل.