الإسلام > الأيمان والمواريث > أنواع الأيمان > من حلف على شيئين ففعل أحدهما أو على أكل رغيف فأكل بعضه
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 12 دقيقة قراءةيُعتبَرُ حُكمُ عُرفِه أو يُعتبَرُ ما تَستَنكرهُ النُّفوسُ مِنْ فِعلِه، على وَجهينِ: أَحدُهما: يُعتبَرُ حُكمُ عُرفِه؛ لأنَّه أَخصُّ به، فعلى هذا في حِنثِه قَولانِ: والوَجهُ الثانِي: يُعتبَرُ ما لا تَستَنكرُه النُّفوسُ مِنْ فِعلِه لأنَّه أَعمُّ، فعلى هذا لا يَحنثُ قَولًا واحدًا، واللهُ أَعلمُ (١).
مَنْ حلَفَ على شَيئَينِ ففعَلَ أَحدَهما أو على أَكلِ رَغيفٍ فأكَلَ بعضَه:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيمن حلَفَ على فِعلينِ إِثباتًا أو نَفيًا ففعَلَ أَحدَهما أو ترَكَ أَحدَهما أو حلَفَ أنْ لا يَأكلَ هذا الرَّغيفَ مثلًا فأكَلَ بعضَه هل يَحنثُ أم لا؟
فذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه إذا حلَفَ على فِعلينِ .. تعَلقَت اليَمينُ بهما إِثباتًا كانا أو نَفيًا ولا يَحنثُ إلا بفِعلِ الجَميعِ أو بتَركِ الجَميعِ، مثلَ أنْ يَقولَ: «واللهِ لأُكلِّمنَّ هذينِ الرَّجلَينِ»، أو «لآكُلنَّ هذينِ الرَّغيفَينِ»، فلا يبَرُّ إلا بكَلامِ الرَّجلَينِ جَميعًا، وبأَكلِ الرَّغيفَينِ جَميعًا.
وكذلك: إذا قالَ: «واللهِ لا كلَّمتُ هذينِ الرَّجلَينِ»، أو «لا أكَلتُ هذينِ الرَّغيفَينِ»، لَم يَحنثْ إلا بكَلامِ الرَّجلَينِ جَميعًا، أو بأَكلِ الرَّغيفَينِ جَميعًا.
وكذلك إذا قالَ: واللهِ لا أكَلتُ هذا الرَّغيفَ، فأكَلَ بعضَه .. لَم يَحنثْ؛ لأنَّ اليَمينَ تَعلَّقت بالجَميعِ، فلَم يَحنثْ بالبَعضِ، كاليَمينِ على الإِثباتِ.
ولأنَّه عليه الصلاة والسلام كانَ يُخرجُ رأسَه وهو مُعتكِفٌ إلى عائشةَ فتُرجِّلُه
(١) «الحاوي الكبير» (١٥/ ٣٧٦، ٣٧٩)، وينظر: «الأم» (٧/ ٧٧، ٧٨).
وهي حائضٌ والمُعتكِفُ مَمنوعٌ مِنْ الخُروجِ مِنْ المَسجدِ والحائضُ مَمنوعةٌ مِنْ اللُّبثِ فيه.
ويُروَى أنَّه قالَ لأُبِّي بنِ كَعبٍ: (لا أَخرجُ مِنْ المَسجدِ حتى أُعلِّمَك سورةً مِنْ القُرآنِ) فلما أَخرَجَ رِجلَه مِنْ المَسجدِ علَّمَه إِياها، ولأنَّ اليَمينَ تَناولَت الجَميعَ فلَم يَحنثْ بالبعضِ كالإِثباتِ، وبهذا استَدلَّ أَحمدُ فقالَ: الكلُّ لا يَكونُ بعضًا، والبعضُ لا يَكونُ كُلًّا (١).
وذهَبَ المالِكيةُ والحَنابِلةُ في رِوايةٍ إلى أنَّه إذا فعَلَ بعضَ المَحلوفِ على تَركِه في صِيغةِ البِرِّ حنِثَ، فمَن حلَفَ «لَا آكُلُ الرَّغيفَ أو هذا الطَّعامَ» فأكَلَ بعضَه ولو لُقمةً حنِثَ بفِعلِ البعضِ؛ لأنَّه منَعَ نفسَه مِنْ فِعلِ المَحلوفِ عليه، فوجَبَ أن يَمتنِعَ مِنْ كلِّ جُزءٍ منه كالنَّهيِ، والجامعُ المَنعُ فيهما.
أما إذا كانَت الصِّيغةُ صِيغةَ حِنثٍ وحلَفَ على فِعلِ شيءٍ ذِي أَجزاءٍ فلا يبَرُّ بفِعلِ البعضِ نحوَ: «واللهِ لآكُلنَّ هذا الطَّعامَ أو الرَّغيفَ»، أو «إنْ لَم آكُلْه فهي طَالِقٌ»، فلا يبَرُّ بفِعلِ البَعضِ.
قالً ابنُ بَشيرٍ: الحِنثُ يَدخلُ بأَقلِّ الوُجوهِ، والبِرُّ لا يَكونُ إلا بأَكملِ الوُجوهِ، والأصلُ في ذلك أنَّ اللهَ سُبحانَه أَباحَ المُطلَّقةَ ثَلاثًا بعدَ زوجٍ فلَم تَحلَّ له بعدَ العَقدِ عليها دونَ الدُّخولِ وحرَّمَ ما نكَحَ الآباءُ والأَبناءُ مِنْ
(١) «مختصر اختلاف العلماء» (٣/ ٢٢٦)، و «المهذب» (٢/ ١٣٩)، و «البيان» (١٠/ ٥٦٩، ٥٧٠)، و «الكافي» (٤/ ٤١٤)، و «شرح الزركشي» (٣/ ٣٣٧، ٣٣٨)، و «مطالب أولي النهى» (٥/ ٤٥١، ٤٥٢)، و «الروض المربع» (٢/ ٦١٢، ٦١٣)، و «جواهر العقود» (٢/ ٢٦٥).
النِّساءِ فحرُمَت على الأبِ زَوجةُ الابنِ بأقلِّ ما يَقعُ عليه اسمُ نِكاحٍ وهو العَقدُ دونَ الدُّخولِ وعلى الابنِ زَوجةُ الأبِ بمثلِ ذلك بإِجماعٍ.
فتَبيَّنَ أنَّ ما يُباحُ به الشيءُ أَقوَى مما يَخطرُ به فمَن حلَفَ أنْ لا يَأكلَ هذا الرَّغيفَ يَحنثُ بأَكلِ بعضِه إلا أنْ يَكونَ له نِيةٌ أو بِساطٌ يَدلُّ على أنَّه إنَّما أَرادَ استِيعابَ جَميعِه ومَن حلَفَ ليَأكُلنَّ هذا الرَّغيفَ لَم يبَرَّ إلا بأَكلِ جَميعِه إلا أن تَكونَ له نِيةٌ أو بِساطٌ يَدلُّ على أنَّه إنَّما أَرادَ أَكلَ بعضِه، وعلى هذا فقس (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ رشدٍ رحمة الله عليه: واختلَفُوا مِنْ ذلك … هل يَتعَلقُ مُوجبُ اليَمينِ بأقلِّ ما يَنطلَقُ عليه الاسمُ أو بجَميعِه … مثلَ أن يَحلفَ أنْ لا يَفعلَ شَيئًا ففعَلَ بعضَه أو أنَّه يَفعلُ شَيئًا فلَم يَفعلْ بعضَه فعندَ مالكٍ إذا حلَفَ ليَأكُلنَّ هذا الرَّغيفَ فأكَلَ بعضَه لا يبْرأُ إلا بأَكلِه كلِّه وإذا قالَ: «لا آكلُ هذا الرَّغيفَ» أنَّه يَحنثُ إنْ أكَلَ بعضَه وعندَ الشافِعيِّ وأَبي حَنيفةَ أنَّه لا يَحنثُ في الوَجهينِ جَميعًا حَملًا على الأَخذِ بأَكثرِ ما يَدلُّ عليه الاسمُ.
وأما تَفريقُ مالكٍ بينَ الفِعلِ والتَّركِ فلَم يَجرْ في ذلك على أَصلٍ واحدٍ؛ لأنَّه أخَذَ في التَّركِ بأَقلِّ ما يَدلُّ عليه الاسمُ وأخَذَ في الفِعلِ بجَميعِ ما يَدلُّ عليه الاسمُ وكأنَّه ذهَبَ إلى الاحتِياطِ (٢).
(١) «التاج والإكليل» (٢/ ٣١٢، ٣١٣)، و «المدونة الكبرى» (٣/ ١٢٧)، و «القوانين الفقهية» ص (١٠٨)، و «تفسير القرطبي» (٦/ ٢٦٩)، و «شرح مختصر خليل» (٣/ ٧١)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٢/ ٤٢٤)، و «تحبير المختصر» (٢/ ٣٨٥)، و «حاشية الصاوي على الشرح الصغير» (٤/ ٢٢٩)، و «الكافي» (٤/ ٤١٤)، و «شرح الزركشي» (٣/ ٣٣٧، ٣٣٨).
(٢) «بداية المجتهد» (١/ ٣٠٣، ٣٠٤).
وقالَ ابنُ القيمِ رحمة الله عليه: ومِن الحِيلِ الباطِلةِ لو حلَفَ لا يَأكلُ هذا الرَّغيفَ، أو لا يَسكنُ في الدارِ هذه السَّنةَ، أو لا يَأكلُ هذا الطَّعامَ، قالوا: يَأكلُ الرَّغيفَ ويَدعُ منه لُقمةً واحدِةً، ويَسكنُ السَّنةَ كلَّها إلا يومًا واحدًا، ويَأكلُ الطَّعامَ كلَّه إلا القَدرَ اليَسيرَ منه ولو أنَّه لُقمةٌ.
وهذه حِيلةٌ باطِلةٌ بارِدةٌ، ومتى فعَلَ ذلك فقد أَتى بحَقيقةِ الحِنثِ، وفِعلُ نَفسِ ما حلَفَ عليه، وهذه الحِيلةُ لا تَتأتَّى على قولِ مَنْ يَقولُ: يَحنثُ بفِعلِ بعضِ المَحلوفِ عليه ولا على قولِ مَنْ يَقول لا يَحنثُ؛ لأنَّه لَم يَردْ مثلُ هذه الصُّورةِ قطعًا، وإنَّما أَرادَ به إذا أكَلَ لُقمةً مثلًا مِنْ الطَّعامِ الذي حلَفَ أنَّه لا يَأكلُه أو حبَّةً مِنْ القطفِ الذي حلَفَ على تَركِه، ولَم يَردْ أنَّه يَأكلُ القطفَ إلا حبةً واحِدةً منه، وعالمٌ لا يَقولُ هذا.
ثم يَلزمُ هذا المُتحيِّلُ أنْ يُجوِّزَ للمُكلَّفِ فِعلَ كلِّ ما نَهى الشارعُ عن جُملتِه فيَفعلُه إلا القَدرَ اليَسيرَ منه، فإنَّ البِرَّ والحِنثَ في الأَيمانِ نَظيرُ الطاعةِ والمَعصيةِ في الأَمرِ والنَّهيِ، ولذلك لا يبَرُّ إلا بفِعلِ المَحلوفِ عليه جَميعِه، لا بفِعلِ بعضِه، كما لا يَكونُ مُطيعًا إلا بفِعلِه جَميعَه، ويَحنثُ بفِعلِ بعضِه كما يَعصِي بفِعلِ بعضِه، فيَلزمُ هذا القائلَ أن يُجوزَ للمُحرِمِ في الإِحرامِ حَلقَ تِسعةِ أَعشارِ رأسِه، بل وتَسعةَ أَعشارِ العُشرِ الباقِي؛ لأنَّ اللهَ تَعالى إنَّما نَهاه عن حَلقِ رأسِه كلِّه، لا عن بعضِه، كما يُفتِي لمَن حلَفَ لا يَحلقُ رأسَه أنْ يَحلقَه إلا القَدرَ اليَسيرَ منه.
وتَأمَّلْ لو فعَلَ المَريضُ هذا فيما نَهاه الطَّبيبُ عن تَناولِه، هل يُعدُّ قابِلًا منه؟ أو لو فعَلَ مَملوكُ الرَّجلِ أو زَوجتِه أو وَلدِه ذلك فيما نَهاهم عنه، هل
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الأيمان
فصل في الحلف على الأكل والشرب ونحوهما
حَنِثَ إذَا لَمْ يَكُنْ لِأَحَدِهِمَا نِيَّةٌ لِأَنَّ الْعَرَبِيَّ إنَّمَا أَرَادَ بِيَمِينِهِ أَنْ يَقْرَأَ بِمَوْضُوعِ الْعَرَبِ وَذَلِكَ الْمُعَرَّبُ دُونَ الْمَلْحُونِ،.
فَأَمَّا الْعَجَمِيُّ فَإِنَّمَا يُرِيدُ اللُّغَةَ الْعَرَبِيَّةَ دُونَ الْعَجَمِيَّةِ وَالْمَلْحُونُ يُعَدُّ مِنْ الْعَرَبِيَّةِ وَاَللَّهُ ﷿ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ فِي الْحَلِفِ عَلَى الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَنَحْوِهِمَا
(فَصْلٌ) :
ارجع إلى أنواع الأيمان للاطلاع على جميع المسائل.