المسألة الثالثة: هل ترد الوصية إذا أوصى لغير الوارثين الأقربين أو لا؟

الإسلام > الأيمان والمواريث > الوصية للأقربين غير الوارثين > المسألة الثالثة: هل ترد الوصية إذا أوصى لغير الوارثين الأقربين أو لا؟

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 21 دقيقة قراءة

المسألة الثالثة: هل ترد الوصية إذا أوصى لغير الوارثين الأقربين أو لا؟ - الأقوال والأدلة

وقالَ شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميةَ رحمة الله عليه: لو كانَ للمَيتِ أَقاربُ لا يَرِثونَ كانَت الوَصيةُ لهم أَولى من الوَصيةِ بالعِتقِ، وما أعلَمُ في هذا خِلافًا، وإنَّما أعلَمُ الاختِلافَ في وُجوبِ الوَصيةِ لهم؛ فإنَّ فيه عن أَحمدَ رِوايَتَينِ:

إحداهما: تَجبُ، كقَولِ طائِفةٍ من السَّلفِ والخَلفِ.

والثانيةُ: لا تَجبُ، كقَولِ الفُقهاءِ الثَّلاثةِ وغيرِهم، ولو وَصَّى لغيرِهم دونَهم فهل تُردُّ تلك الوَصيةُ على أَقاربِه دونَ المُوصَى له أو يُعطَى ثُلثُها للمُوصَى له وثُلثاها لأَقاربِه كما تُقسَّمُ التَّركةُ بينَ الوَرثةِ والمُوصَى له؟ على رِوايتَينِ عن أَحمدَ، وإنْ كانَ المَشهورُ عندَ أكثَرِ أَصحابِه هو القَولَ بنُفوذِ الوَصيةِ (١).

المَسألةُ الثالِثةُ: هل تُردُّ الوَصيةُ إذا أوصى لغيرِ الوارِثينَ الأَقرَبينَ أو لا؟

ذهَبَ جُمهورُ فُقهاءِ المَذاهبِ الأربَعةِ الحَنفيةِ والمالِكيةِ والشافِعيةِ والحَنابِلةِ في المَذهبِ إلى أنَّ الإِنسانَ إذا أوصَى لغيرِ الوارِثينَ من قَرابتِه فوَصيَّتُه نافِذةٌ ولا تُردُّ، واحتَجُّوا على جَوازِ الوَصيةِ لغيرِ الأَقاربِ دونَ الأَقاربِ بحَديثِ عِمرانَ بنِ حُصَينٍ «في الذي أعتَقَ سِتةَ أعبُدٍ له عندَ مَوتِه في مَرضِه لا مالَ له غيرَهم، فأقرَعَ رَسولُ اللهِ بينَهم فأعتَقَ اثنَينِ وأرَقَّ أربَعةً» فهذه وَصيةٌ لهم في ثُلثِه؛ لأنَّ أَفعالَ المَريضِ كلَّها وَصيةٌ في

(١) «مجموع الفتاوى» (٢٩/ ١٧٧).

ثُلثِه، وهُم لا مَحالةَ من غيرِ قَرابتِه، ولا يُقالُ: لعلَّهم كانوا أَقاربَ المُعتِقِ؛ لأنَّا نَقولُ: لم تَكُنْ عادةُ العَربِ أنْ تَملِكَ مَنْ بينَها وبينَه قَرابةٌ، وإنَّما تَملِكُ مَنْ لا قَرابةَ له أو كانَ من العَجمِ، فلو كانَت الوَصيةُ تَبطلُ لغيرِ القَرابةِ لبطَلَت في هؤلاء (١).

قال ابنُ عبدِ البَرِّ رحمة الله عليه: واختلَفوا فيمَن أوصَى لغيرِ قَرابتِه وترَكَ قَرابتَه الذين لا يَرِثونَ، فرُويَ عن عُمرَ أنَّه أوصَى لأُمَّهاتِ أَولادِه لكلِّ واحِدةٍ بأربَعةِ آلافٍ، ورُويَ عن عائِشةَ أنَّها أوصَت لمَولاةٍ لها بأَثاثِ البَيتِ، ورُويَ عن سالِمٍ مِثلُ ذلك، قالَ الضَّحاكُ: «إنْ أوصَى لغيرِ قَرابتِه فقد ختَمَ عمَلَه بمَعصيةٍ»، وقالَ طاوُسٌ: «مَنْ أوصَى فسَمَّى غيرَ قَرابتِه وترَكَ قَرابتَه مُحتاجينَ رُدَّت وَصيَّتُه على قَرابتِه»، ذكَرَه عبدُ الرَّزاقِ عن مَعمَرٍ عن ابنِ طاوُسٍ عن أَبيه، وهو مَشهورٌ عن طاوُسٍ، ورُويَ عن الحَسنِ البَصريِّ مِثلُه، وقالَ الحَسنُ أيضًا وجابِرُ بنُ زَيدٍ وسَعيدُ بنُ المُسيِّبِ: «إذا أوصَى لغيرِ قَرابتِه وترَكَ قَرابتَه فإنَّه يَردُّ إلى قَرابتِه ثُلثَي الثُّلثِ ويُمضي ثُلثَه لمَن أوصَى له»، وبه قالَ إِسحاقُ بنُ راهَوَيهِ، ذكَرَه إِسحاقُ الكَوسَجُ عنه، حَدَّثناه أَحمدُ بنُ مُحمدِ بنِ أَحمدَ وعُبَيدُ بنُ مُحمدٍ قالا: حدَّثَنا الحَسنُ بنُ سَلمَة قالَ: حَدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ الجارودِ قالَ: حدَّثَنا إِسحاقُ بنُ مَنصورٍ عن إِسحاقَ فذَكَره.

(١) «الأم» (٤/ ٩٩)، و «التمهيد» (١٤/ ٣٠٢)، و «المغني» (٦/ ٧٦)، و «الشرح الكبير» (٦/ ٤٢٨)، و «فتح الباري» (٥/ ٣٥٩).

وقالَ مالِكٌ وسُفيانُ الثَّوريُّ والأَوزاعيُّ وأَبو حَنيفةَ والشافِعيُّ وأَصحابُهم: إذا أوصَى لغيرِ قَرابتِه وترَكَ قَرابتَه مُحتاجينَ أو غيرَ مُحتاجينَ جازَ ما صنَعَ، وبئسَما فعَلَ إذا ترَكَ قَرابتَه مُحتاجينَ وأوصَى لغيرِهم. وبه قالَ أَحمدُ بنُ حَنبلٍ، وهو قَولُ عُمرَ وعائِشةَ وابنِ عَباسٍ وعَطاءٍ ومُجاهدٍ وقَتادةَ وسَعيدِ بنِ جُبَيرٍ وجُمهورِ أهلِ العِلمِ.

واحتَجَّ الشافِعيُّ وغيرُه في جَوازِ الوَصيةِ لغيرِ الأَقاربِ بحَديثِ عِمرانَ بنِ حُصَينٍ في الذي أعتَقَ سِتةَ أعبُدٍ له عندَ مَوتِه في مَرضِه لا مالَ له غيرَهم، فأقرَعَ رَسولُ اللهِ بينَهم فأعتَقَ اثنَينِ وأرَقَّ أربَعةً، فهذه وَصيةٌ لهم في ثُلثِه؛ لأنَّ أَفعالَ المَريضِ كلَّها وَصيةٌ في ثُلثِه، وهُم لا مَحالةَ من غيرِ قَرابتِه، وحَسبُك بجَماعةِ أهلِ الفِقهِ والحَديثِ يُجيزونَ الوَصيةَ لغيرِ القَرابةِ، وفي ذلك ما يُبيِّنُ لك المُرادَ من مَعاني الكِتابِ وباللهِ العِصمةُ والتَّوفيقُ (١).

وقالَ الإِمامُ الشافِعيُّ رضي الله عنه: اختلَفوا في الأَقرَبينَ غيرِ الوارِثينَ، فأكثَرُ من لَقيتُ من أهلِ العِلمِ ممَّن حفِظتُ عنه قالَ: الوَصايا مَنسوخةٌ؛ لأنَّه إنَّما أمَرَ بها إذا كانَت إنَّما يُورثُ بها، فلمَّا قسَّمَ اللهُ تَعالى ذِكرُه المَواريثَ كانَت تَطوُّعًا، قالَ الشافِعيُّ: وهذا إنْ شاءَ اللهُ تَعالى كلُّه كما قالوا.

فإنْ قالَ قائِلٌ: ما دَلَّ على ما وَصَفتَ؟ قيلَ له: قالَ اللهُ تبارك وتعالى: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ

(١) «التمهيد» (١٤/ ٣٠٠، ٣٠٢)، ويُنظَر: «الاستذكار» (٧/ ٢٦٥)، و «الذخيرة» (٧/ ٧، ٨).

وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ [النساء: ١١] أخبَرَنا ابنُ عُيَينةَ عن سُليمانَ الأَحولِ عن مُجاهدٍ أنَّ رَسولَ اللهِ قالَ: «لا وَصيةَ لوارِثٍ»، وما وَصفتُ من أنَّ الوَصيةَ للوارِثِ مَنسوخةٌ بآيِ المَواريثِ وأنَّه لا وَصيةَ لوارِثٍ ممَّا لا أعرِفُ فيه عن أحدٍ ممَّن لَقيتُ خِلافًا.

قالَ الشافِعيُّ: وإذا كانَت الوَصايا لمَن أمَرَ اللهُ تَعالى ذِكرُه بالوَصيةِ منسوخةً بآيِ المَواريثِ، وكانَت السُّنةُ تَدلُّ على أنَّها لا تَجوزُ لوارِثٍ، وتَدلُّ على أنَّها تَجوزُ لغيرِ قَرابةٍ، دَلَّ ذلك على نَسخِ الوَصايا للوَرثةِ، وأشبَهَ أنْ يَدلَّ على نَسخِ الوَصايا لغيرِهم، قالَ: ودَلَّ على أنَّ الوَصايا للوالِدَينِ وغيرِهما ممَّن يَرثُ بكلِّ حالٍ إذا كانَ في مَعنى غيرِ وارِثٍ فالوَصيةُ له جائِزةٌ، ومِن قِبَلِ أنَّها إنَّما بطَلَت وَصيتُه إذا كانَ وارِثًا، فإذا لم يَكنْ وارِثًا فليس بمُبطلٍ للوَصيةِ، وإذا كانَ المُوصي يَتناولُ مَنْ شاءَ بوَصيتِه كانَ والِدُه دونَ قَرابتِه إذا كانوا غيرَ وَرثةٍ في مَعنى مَنْ لا يَرثُ، ولهم حَقُّ القَرابةِ وصِلةِ الرَّحمِ.

فإنْ قالَ قائِلٌ: فأينَ الدِّلالةَ على أنَّ الوَصيةَ لغيرِ ذي الرَّحمِ جائِزةٌ؟ قيلَ له -إنْ شاءَ اللهُ تَعالى-: حَديثُ عِمرانَ بنِ حُصَينٍ «أنَّ رَجلًا أعتَقَ سِتةَ مَملوكينَ له ليسَ له مالٌ غيرُهم، فجَزَّأهم النَّبيُّ ثَلاثةَ أَجزاءٍ، فأعتَقَ اثنَينِ وأرَقَّ أربَعةً» (١) والمُعتِقُ عَربيٌّ، وإنَّما كانَت العَربُ تَملِكُ مَنْ

(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: تَقدَّمَ.

لا قَرابةَ بينَها وبينَه فلو لم تَجُزِ الوَصيةُ إلا لذي قَرابةٍ لم تَجُزْ للمَملوكينَ، وقد أَجازَها لهم رَسولُ اللهِ (١).

وقالَ ابنُ قُدامةَ: فإنْ أوْصى لغيرِهم وترَكَهم صحَّت وَصيتُه في قَولِ أكثَرِ أهلِ العِلمِ، منهم سالِمٌ وسُليمانُ بنُ يَسارٍ وعَطاءٌ ومالِكٌ والثَّوريُّ والأَوزاعيُّ والشافِعيُّ وإِسحاقُ وأَصحابُ الرأيِ.

وحُكيَ عن طاوُسٍ والضَّحاكِ وعبدِ المَلكِ بنِ يَعلَى أنَّهم قالوا: يُنزعُ عنهم ويُردُّ إلى قَرابتِه، وعن سَعيدِ بنِ المُسيِّبِ والحَسنِ وجابِرِ بنِ زَيدٍ: للذي أوصَى له ثُلثُ الثُّلثِ، والباقي يُردُّ إلى قَرابةِ المُوصي؛ لأنَّه لو أوصَى بمالِه كلِّه لجازَ منه الثُّلثُ، والباقي رَدٌّ على الوَرثةِ وأَقاربِه الذين لا يَرِثونَه في استِحقاقِ الوَصيةِ، كالوَرثةِ في استِحقاقِ المالِ كلِّه.

ولنا: ما رَوى عِمرانُ بنُ حُصَينٍ: «أنَّ رَجلًا أعتَقَ في مَرضِه سِتةَ أعبُدٍ لم يَكنْ له مالٌ غيرُهم، فبلَغَ ذلك النَّبيَّ فدَعاهم، فجَزَّأهم ثَلاثةَ أَجزاءٍ ثم أقرَعَ بينَهم فأعتَقَ اثنَينِ وأرَقَّ أربَعةً» (٢). فأَجازَ العِتقَ في ثُلثِه لغيرِ قَرابتِه، ولأنَّها عَطيةٌ جازَت لغيرِ قَرابتِه كالعَطيةِ في الحَياةِ (٣).

وقالَ شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميةَ رحمة الله عليه: لو كانَ للمَيتِ أَقاربُ لا يَرِثونَ كانَت الوَصيةُ لهم أَولى من الوَصيةِ بالعِتقِ، وما أعلَمُ في هذا خِلافًا،

(١) «الأم» (٤/ ٩٨، ٩٩).
(٢) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: تَقدَّمَ.
(٣) «المغني» (٦/ ٧٥، ٧٦)، و «الشرح الكبير» (٦/ ٤٢٨).

وإنَّما أعلَمُ الاختِلافَ في وُجوبِ الوَصيةِ لهم؛ فإنَّ فيه عن أَحمدَ رِوايتَينِ:

إحداهما: تَجبُ، كقَولِ طائِفةٍ من السَّلفِ والخَلفِ.

والأُخرى: لا تَجبُ كقَولِ الفُقهاءِ الثَّلاثةِ وغيرِهم، ولو وَصَّى لغيرِهم دونَهم، فهل تُردُّ تلك الوَصيةُ على أَقاربِه دونَ المُوصَى له أو يُعطَى ثُلثُها للمُوصَى له وثُلثاها لأَقاربِه كما تُقسَّمُ التَّركةُ بينَ الوَرثةِ والمُوصَى له؟ على رِوايتَينِ عن أَحمدَ، وإنْ كانَ المَشهورُ عندَ أكثَرِ أَصحابِه هو القَولَ بنُفوذِ الوَصيةِ (١).

وقالَ الإِمامُ زَينُ الدِّينِ العِراقيُّ رحمة الله عليه: وقالَت طائِفةٌ: نُسخَ الوالِدانِ بالفَرضِ لهما في سُورةِ النِّساءِ، وبَقيَ الأَقرَبونَ ممَّن لا يَرثُ الوَصيةُ لهم جائِزةٌ، حرَّضَ اللهُ ﷿ على ذلك، هكذا قالَ إِسحاقُ: وبه قالَ طاوُسٌ وقَتادةُ والحَسنُ، وقالَ ابنُ حَزمٍ: فَرضٌ على كلِّ مُسلمٍ أنْ يُوصيَ لقَرابتِه الذين لا يَرِثونَ إمَّا مُطلقًا وإمَّا لحاجِبٍ أو لمانِعٍ بما طابَت به نَفسُه، لا حَدَّ في ذلك، فإنْ لم يَفعَلْ أُعطُوا ما رآه الوَرثةُ أو الوَصيُّ، قالَ: وبوُجوبِ الوَصيةِ للقَرابةِ الذين لا يَرِثونَ، يَقولُ إِسحاقُ وأَبو سُليمانَ، وحَكى ابنُ المُنذرِ الإِجماعَ على أنَّ الوَصيةَ للقَرابةِ غيرِ الوارِثينَ جائِزةٌ، ثم حَكى خِلافًا فيما إذا ترَكَ الوَصيةَ لهم وأَوصَى لأَجنبيٍّ.

فحَكى عن الأئِمةِ الأربَعةِ وعَوامِّ أهلِ العِلمِ أنَّ وَصيتَه حيثُ جعَلَها.

(١) «مجموع الفتاوى» (٢٩/ ١٧٧).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · (كتاب الأقضية واليمين مع الشاهد وما دخل فيه من اختلاف الحديث وغير ذلك)
( [باب الشهادة في الوصية] )

( باب الشهادة في الوصية )

(مسألة)

: قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: " وَلَوْ شَهِدَ أَجْنَبِيَّانِ لِعَبْدٍ أَنَّ فُلَانًا الْمُتَوَفَّى أَعْتَقَهُ وَهُوَ الثُّلُثُ فِي وَصِيَّتِهِ وَشَهِدَ وَارِثَانِ لِعَبْدٍ غَيْرِهِ أَنَّهُ أَعْتَقَهُ وَهُوَ الثُّلُثُ فِي الِاثْنَيْنِ فَسَوَاءٌ وَيُعْتَقُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفَهُ (قَالَ الْمُزَنِيُّ) قِيَاسُ قَوْلِهِ أَنْ يُقْرَعَ بَيْنَهُمَا وَقَدْ قَالَهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْبَابِ " .

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي صُورَةِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ هَلْ هِيَ فِي الْعِتْقِ النَّاجِزِ فِي الْمَرَضِ، أَوِ الْوَصِيَّةِ بِالْعِتْقِ بَعْدَ الْمَوْتِ؟

وَكَلَامُ الشَّافِعِيِّ يَحْتَمِلُ كِلَا الْأَمْرَيْنِ، لِأَنَّه قَالَ: وَلَوْ شَهِدَ أَجْنَبِيَّانِ أَنَّهُ أَعْتَقَهُ وَهُوَ الثُّلُثُ فِي وَصِيَّتِهِ، وَيَشْهَدُ وَارِثَانِ لعبد غيره أنه أعتقه وهو الثلث في وَصِيَّتِهِ، فَلَهُمْ فِي مُرَادِ الشَّافِعِيِّ تَأْوِيلَانِ تَخْتَلِفُ أَحْكَامُهُمَا بِاخْتِلَافِ الْمُرَادِ بِهَا:

أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ سُرَيْجٍ، وَأَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ، وَأَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ، إِنَّهَا مَقْصُورَةٌ فِي الْوَصِيَّةِ بِالْعِتْقِ بَعْدَ الْمَوْتِ.

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الوصايا
فصل في ركن الوصية

عَنْ النَّبِيِّ عليه الصلاة والسلام أَنَّهُ قَالَ: «لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ»

وَالْكِتَابُ الْعَزِيزُ قَدْ يُنْسَخُ بِالسُّنَّةِ فَإِنْ قِيلَ إنَّمَا يُنْسَخُ الْكِتَابَ عِنْدَكُمْ بِالسُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرَةِ، وَهَذَا مِنْ الْآحَادِ، فَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مُتَوَاتِرٌ غَيْرَ أَنَّ التَّوَاتُرَ ضَرْبَانِ: تَوَاتُرٌ مِنْ حَيْثُ الرِّوَايَةِ، وَهُوَ أَنْ يَرْوِيَهُ جَمَاعَةٌ لَا يُتَصَوَّرُ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ، وَتَوَاتُرٌ مِنْ حَيْثُ ظُهُورِ الْعَمَلِ بِهِ قَرْنًا فَقَرْنًا مِنْ غَيْرِ ظُهُورِ الْمَنْعِ وَالنَّكِيرُ عَلَيْهِمْ فِي الْعَمَلِ بِهِ إلَّا أَنَّهُمْ مَا رَوَوْهُ عَلَى التَّوَاتُرِ؛ لِأَنَّ ظُهُورَ الْعَمَلِ بِهِ أَغْنَاهُمْ عَنْ رِوَايَتِهِ، وَقَدْ ظَهَرَ الْعَمَلُ بِهَذَا مَعَ ظُهُورِ الْقَوْلِ أَيْضًا مِنْ الْأَئِمَّةِ بِالْفَتْوَى بِهِ بِلَا تَنَازُعٍ مِنْهُمْ، وَمِثْلُهُ يُوجِبُ الْعَمَلَ قَطْعًا، فَيَجُوزُ نَسْخُ الْكِتَابِ الْعَزِيزِ بِهِ كَمَا يَجُوزُ بِالْمُتَوَاتِرِ فِي الرِّوَايَةِ إلَّا أَنَّهُمَا يَفْتَرِقَانِ مِنْ وَجْهٍ، وَهُوَ أَنَّ جَاحِدَ الْمُتَوَاتِرِ فِي الرِّوَايَةِ يُكَفَّرُ وَجَاحِدَ الْمُتَوَاتِرِ فِي ظُهُورِ الْعَمَلِ لَا يُكَفَّرُ لِمَعْنَى عُرِفَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ.

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الوصايا
٩٥٩ - مسألة؛ قال: (وإن رد الموصى له الوصية، بعد موت الموصى، بطلت الوصية)

لكل واحدٍ من فُلانٍ وفُلانٍ بِنِصْفِ الثُّلُثِ، أو بِنِصْفِ المائةِ، أو بخَمْسِينَ. لم يَسْتَحِقَّ أحَدُهُما أكثَرَ من نِصْفِ الوَصِيَّةِ، سواءٌ كان شَرِيكُه حَيًّا أو مَيِّتًا؛ لأنَّه عَيَّنَ وَصِيَّتَه في النِّصْفِ، فلم يكُنْ له حَقٌّ فيما سِوَاهُ.

٩٥٩ - مسألة؛ قال: (وَإنْ رَدَّ الْمُوصَى لَهُ الْوَصِيّةَ، بَعْدَ مَوْتِ المُوصِى، بَطَلَتِ الْوَصِيّةُ)

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 42 - 47

ارجع إلى الوصية للأقربين غير الوارثين للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.7 / 29.5
الإضاءة 43%
البدر بعد 8 يوم
الله أكبر