الإباحة

الإسلام > الأيمان والمواريث > حكم الوصية > الإباحة

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 14 دقيقة قراءة

الإباحة - الأقوال والأدلة

الحالةُ الثالِثةُ: الوَصيةُ لأهلِ الفُسوقِ:

قالَ الحَنفيةُ: تُكرهُ الوَصيةُ لأهلِ الفُسوقِ والمَعاصي إذا غلَبَ على ظَنِّه أنَّه يَصرِفُها للفُسوقِ والفُجورِ (١).

٤ - الإِباحةُ:

تُباحُ الوَصيةُ لفَقيرٍ وَرثتُه أَغنياءُ على قَولٍ للحَنابِلةِ (٢).

وكذا تُباحُ الوَصيةُ للأَغنياءِ من الأَجانبِ والأَقاربِ عندَ الحَنفيةِ، قالَ ابنُ عابدِين: قَولُه: (ومُباحةٌ لغَنيٍّ) لعلَّ المُرادَ إذا لم يَقصِدِ القُربةَ، أمَّا لو أَوصى له لكَونِه من أهلِ العِلمِ أو الصَّلاحِ إِعانةً له أو لكَونِه رَحِمًا كاشِحًا أو ذا عِيالٍ فيَنبَغي نَدبُها (٣).

٥ - الحُرمةُ:

تَحرمُ الوَصيةُ في عِدةِ حالاتٍ:

الحالةُ الأُولى: الإِضرارُ في الوَصيةِ:

ذهَبَ عامَّةُ العُلماءِ إلى أنَّه يَحرمُ على الإِنسانِ أنْ يَضرَّ في الوَصيةِ، قالَ اللهُ تَعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ [النساء: ١٢]، أي: غيرَ مُدخِلٍ الضَّررَ على الوَرثةِ، وهو أنْ يُوصيَ بدَينٍ ليسَ عليه

(١) «حاشية ابن عابدين» (٦/ ٦٤٨).
(٢) «الإنصاف» (٧/ ١٩١)، و «منار السبيل» (٢/ ٣٧٥).
(٣) «حاشية ابن عابدين» (٦/ ٦٤٨).

يُريدُ بذلك ضَررَ الوَرثةِ، فمنَعَ اللهُ منه، وقالَ : ﴿وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ (١٢)[النساء: ١٢] (١).

وعن الأشعَثِ بنِ جابِرٍ قالَ: حدَّثَني شَهرُ بنُ حَوشَبٍ أنَّ أَبا هُريرةَ حدَّثَه أنَّ رَسولَ اللهِ قالَ: «إنَّ الرَّجلَ ليَعملُ والمَرأةُ بطاعةِ اللهِ سِتِّينَ سَنةً ثم يَحضُرُهما المَوتُ فيُضارانِ في الوَصيةِ فتَجبُ لهما النارُ». قالَ: وقرَأَ علَيَّ أَبو هُريرةَ من ههنا: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ [النساء: ١٢] حتى بلَغَ: ﴿وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٣)[النساء: ١٣] (٢).

وفي لَفظِ أَحمدَ وابنِ ماجَه: «إنَّ الرَّجلَ ليَعمَلُ بعَملِ أهلِ الخَيرِ سَبعينَ سَنةً، فإذا أوصى حافَ في وَصيَّتِه فيُختَمُ له بشَرِّ عَملِه فيَدخلُ النارَ، وإنَّ الرَّجلَ ليَعمَلُ بعَملِ أهلِ الشَّرِّ سَبعينَ سَنةً، فيَعدلُ في وَصيَّتِه فيُختمُ له بخَيرِ عَملِه فيَدخلُ الجَنةَ»، قالَ: ثم يَقولُ أَبو هُريرةَ: واقرَؤُوا إنْ شِئتُم: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ [النساء: ١٣] إلى قوله: ﴿عَذَابٌ مُهِينٌ (١٤)[النساء: ١٤] (٣).

وقد عدَّها بعضُ العُلماءِ -كالذَّهبيِّ وابنِ حَجرٍ الهَيتَميِّ- من الكَبائرِ، لمَا رُويَ عن ابنِ عَباسٍ رضي الله عنهما قالَ: «الإِضرارُ في الوَصيةِ من الكَبائرِ» (٤).

(١) «الكبائر» (٢٣٤)، و «شرح الزرقاني» (٤/ ٧٥).
(٢) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: رواه أَبو داود (٢٨٦٧)، والترمذي (٢١١٧).
(٣) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: رواه أَحمد في «مسنده» (٧٧٤٢)، وابن ماجه (٢٧٠٤).
(٤) صَحِيح موقوفًا ضَعِيف مرفوعًا: رواه البيهقي في «الكبرى» (١٢٩٦٢)، والدارقطني (٤٣٣٦) مرفوعًا، ورواه عبد الرزاق (١٦٤٦٥)، وسعيد بن منصور في «سننه» (٣٤٣)، وابن أَبي حاتم في «تفسيره» (٥٢١٠) من طُرقٍ عن ابنِ عباسٍ مَوقوفًا وصححَ جمعٌ من العُلماءِ وقفَه كابنِ أَبي حاتمٍ والبَيهقيِّ والزَّيلعيِّ في «نصب الراية» (٤/ ٤٠١)، والحافظ ابن حجر «فتح الباري» (٥/ ٣٥٩).

قالَ ابنُ عبدِ البَرِّ رحمة الله عليه: وذلك -واللهُ أعلَمُ- لأنَّ الوَعيدَ أتى مَنوطًا بذِكرِ ذلك في القُرآنِ، قالَ اللهُ ﷿: ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ (١٢) تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ [النساء: ١٢، ١٣]، ثم ذكَرَ الوَعيدَ بإثرِ ذلك فيمَن تَعدَّى حُدودَ اللهِ (١).

وقالَ الإِمامُ ابنُ حَجرٍ الهَيثَميُّ: صرَّحَ جَمعٌ من أئِمَّتِنا ومن غيرِهم بأنَّ ذلك -أي: الإِضرارَ في الوَصيةِ- من الكَبائرِ.

قالَ ابنُ عادِلٍ في تَفسيرِه: اعلَمْ أنَّ الإِضرارَ في الوَصيةِ يَقعُ على وُجوهٍ:

منها: أنْ يُوصيَ بأكثَرَ من الثُّلثِ، أو يُقرَّ بكلِّ مالِه أو بعضِه لأَجنبيٍّ، أو يُقرَّ على نَفسِه بدَينٍ لا حَقيقةَ له دَفعًا للمِيراثِ عن الوَرثةِ، أو يُقرَّ بأنَّ الدَّينَ الذي كانَ له على فُلانٍ استَوفاه منه، أو يَبيعَ شَيئًا بثَمنٍ رَخيصٍ ويَشتريَ شَيئًا بثَمنٍ غالٍ، كلُّ ذلك لغَرضِ ألَّا يَصلَ المالُ إلى الوَرثةِ، أو يُوصيَ بالثُّلثِ لا لوَجهِ اللهِ ، لكنْ لغَرضِ تَنقيصِ الوَرثةِ، فهذا هو الإِضرارُ في الوَصيةِ.

ويَدلُّ على ذلك قَولُه تَعالى بعدَ هذه الآيةِ: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ [النساء: ١٣]، قالَ ابنُ عَباسٍ: في الوَصيةِ، ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [النساء: ١٤]، قالَ: في الوَصيةِ.

(١) «الاستذكار» (٨/ ٥٦٨).

وأيضًا: فمُخالَفةُ أمرِ اللهِ عندَ القُربِ من المَوتِ تَدلُّ على الخَسارةِ الشَّديدةِ، وذلك من أكبَرِ الكَبائرِ. انتَهى.

وجَرَى على ذلك كلِّه الزَّركَشيُّ؛ فإنَّ بعضَ المُتأخِّرينَ قالَ: رأيتُ بخَطِّ الزَّركَشيِّ ما لَفظُه … وساقَ ما ذكَرتُه عن ابنِ عادِلٍ جَميعَه إلا قَليلًا منه، وهو عَجيبٌ من الزَّركَشيِّ؛ فإنَّ ما أطلَقَه في الوَصيةِ بأكثَرَ من الثُّلثِ لا يأتِي على قَواعِدِنا؛ لأنَّ ذلك عندَنا مَكروهٌ، لا حَرامٌ، فَضلًا على كَونِه كَبيرةً.

نَعَم، الظاهِرُ أنَّه يَحرمُ عليه ذلك إنْ قصَدَ حِرمانَ وَرثتِه وعلِمَ أنَّ من أوصى له يَستولي على أكثَرَ من الثُّلثِ ظُلمًا وعُدوانًا، وحينَئذٍ لا يَبعُدُ أنْ تُعدَّ وَصيَّتُه حينَئذٍ كَبيرةً؛ لأنَّ فيه أبلَغَ الإِضرارِ بالوَرثةِ، سيَّما في هذه الحالةِ التي يَصدُقُ فيها الكاذِبُ ويَتوبُ فيها الفاجِرُ، فإِقدامُه على ذلك دَليلٌ ظاهِرٌ على قَسوةِ قَلبِه وفَسادِ لُبِّه وغايةِ جَرأتِه، فلذلك يُختمُ له بشَرِّ عَملِه فيَدخلُ النارَ.

ومن الإِضرارِ في الوَصيةِ أنْ يُوصيَ على نَحوِ أَطفالِه من يَعلمُ من حالِه أنَّه يأكُلُ مالَهم أو يَكونُ سَببًا لضَياعِه لكَونِه لا يُحسنُ التَّصرُّفَ فيه أو لنَحوِ ذلك (١).

وقالَ الرَّمليُّ: قالَ الأذرَعيُّ: ويَظهرُ الجَزمُ بالتَّحريمِ إذا قُصدَ به حِرمانُ الوارِثِ؛ لمَا فيه من المُضادةِ وتَضييعِ المالِ؛ إذْ لا ثَوابَ مع هذا القَصدِ

(١) «الزواجر» (١/ ٥١٠، ٥١١).

المَذمومِ، قَولُه: «هذا ما جزَمَ به النَّوويُّ في شَرحِ مُسلمٍ» أشارَ شَيخُنا إلى تَضعيفِه (١).

وقالَ الإِمامُ أَبو بَكرٍ الجَصاصُ رحمة الله عليه: الإِضرارُ في الوَصيةِ على وُجوهٍ:

منها: أنْ يُقرَّ في وَصيَّتِه بمالِه أو ببعضِه لأَجنبيٍّ، أو يُقرَّ على نَفسِه بدَينٍ لا حَقيقةَ له إِبعادًا للمِيراثِ عن وارِثِه ومُستحِقِّه.

ومنها: أنْ يُقرَّ باستِيفاءِ دَينٍ له على غيرِه في مَرضِه لئلَّا يَصلَ إلى وارِثِه.

ومنها: أنْ يَبيعَ مالَه من غيرِه في مَرضِه ويُقرَّ باستِيفاءِ ثَمنِه.

ومنها: أنْ يَهبَ مالَه في مَرضِه أو يَتصدَّقَ بأكثَرَ من ثُلثِه في مَرضِه إِضرارًا منه بوَرثتِه.

ومنها: أنْ يَتعدَّى فيُوصيَ بأكثَرَ مما تَجوزُ له الوَصيةُ به، وهو الزِّيادةُ على الثُّلثِ.

فهذه الوُجوهُ كلُّها من المُضارَّةِ في الوَصيةِ، وقد بيَّنَ النَّبيُّ ذلك في فَحوَى قَولِه لسَعدٍ: «الثُّلثُ والثُّلثُ كَثيرٌ، إنَّكَ أنْ تَدَعَ وَرثتَك أَغنياءَ خَيرٌ من أنْ تَدعَهم عالةً يَتكفَّفونَ الناسَ» (٢)، وحدَّثَنا عبدُ الباقي بنُ قانِعٍ قالَ: حدَّثنا أَحمدُ بنُ الحَسنِ المِصريُّ قالَ: حدَّثَنا عبدُ الصَّمدِ بنُ حَسانَ

(١) «حاشية الرملي» (٣/ ٣٦).
(٢) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: تَقدَّمَ.

قالَ: حدَّثَنا سُفيانُ الثَّوريُّ عن داودَ -يَعني ابنَ أَبي هِندٍ- عن عِكرمةَ عن ابنِ عَباسٍ قالَ: «الإِضرارُ في الوَصيةِ من الكَبائرِ» ثم قرَأَ: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [النساء: ١٣]، قالَ «في الوَصيةِ»: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [النساء: ١٤] قال: «في الوَصية» (١).

وقالَ الحَنابِلةُ: تَحرمُ الوَصيةُ لمَّن يَرثُه غيرَ زَوجٍ أو غيرَ زَوجةٍ بزائِدٍ على الثُّلثِ لأَجنبيٍّ على الصَّحيحِ، وقيلَ: تُكرهُ، ولوارِثٍ بشَيءٍ نَصًّا، سَواءٌ كانَت في صِحتِه أو مَرضِه.

أمَّا تَحريمُ الوَصيةِ لغيرِ وارِثٍ بزائِدٍ على الثُّلثِ فلقَولِه لسَعدٍ حينَ قالَ: «أُوصي بمالي كلِّه؟ قالَ: لا. قُلتُ: فالشَّطرُ؟ قالَ: لا. قُلتُ: فالثُّلثُ؟ قالَ: الثُّلثُ والثُّلثُ كَثيرٌ، أنْ تَدعَ وَرثتَك أَغنياءَ خَيرٌ من أنْ تَدعَهم عالةً يَتكفَّفونَ الناسَ في أيديهم» (٢).

ورَوى مُسلمٌ عن عِمرانَ بنِ الحُصَينِ رضي الله عنه «أنَّ رَجلًا من الأَنصارِ أوصَى عندَ مَوتِه بعِتقِ سِتةِ أعبُدٍ لا مالَ له غيرَهم، فدَعاهم رَسولُ اللهِ فأقرَعَ بينَهم، فأعتَقَ اثنَينِ وأرَقَّ أربَعةً وقالَ له قَولًا شَديدًا» (٣).

وأمَّا تَحريمُها للوارِثِ بشَيءٍ فلقَولِ النَّبيِّ : «إنَّ اللهَ قد

(١) «أحكام القرآن» (٣/ ٣٥، ٣٦).
(٢) أخرجه البخاري (٥٠٣٩)، ومسلم (١٦٢٨).
(٣) أخرجه مسلم (١٦٦٨).

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 29 - 34

ارجع إلى حكم الوصية للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الاثنين 1 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 2.9 / 29.5
الإضاءة 9%
البدر بعد 12 يوم
الله أكبر