الإسلام > الأيمان والمواريث > مقدار الوصية > الأفضل في مقدار الوصية
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 16 دقيقة قراءةالأفضَلُ في مِقدارِ الوَصيةِ:
اختَلفَ العُلماءُ في القَدرِ الذي تُستحبُّ الوَصيةُ به، هل الأفضَلُ أنْ يُوصيَ بالثُّلثِ أو بالرُّبِع أو بالخُمسِ أو ألَّا يُوصيَ أَصلًا أو الحُكمُ يَختلِفُ بينَ الغَنيِّ الذي يُخلِّفُ مالًا كَثيرًا وبينَ الذي لا يُخلِّفُ مالًا؟
أولاً: إذا كانَ عندَه مالٌ كَثيرٌ:
إذا كانَ عندَه مالٌ كَثيرٌ فهذا لا يَخلو من حالتَينِ:
الحالةُ الأُولى: أنْ يَكونَ وَرثتُه أَغنياءَ:
نَصَّ الشافِعيةُ والقاضي وأبو الخَطابِ من الحَنابِلةِ والكاسانِيُّ من الحَنفيةِ على أنَّ المُوصيَ إذا كانَ غَنيًّا ووَرثتُه أَغنياءَ فالأفضَلُ له أنْ يُوصيَ بجَميعِ الثُّلثِ؛ لأنَّه لمَّا كُرهَ له استِيفاءُ الثُّلثِ إذا كانوا فُقراءَ دَلَّ على أنَّه يُستحبُّ له أنْ يَستوفِيَ الثُّلثَ إذا كانوا أَغنياءَ (١).
قالَ الإِمامُ النَّوويُّ رحمة الله عليه: قالَ أَصحابُنا وغيرُهم من العُلماءِ: إنْ كانَت الوَرثةُ أَغنياءَ استُحبَّ أنْ يُوصيَ بالثُّلثِ تبَرُّعًا (٢).
وذهَبَ الحَنفيةُ في المَشهورِ عندَهم والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه يُستحبُّ أنْ يَنقُصَ عن الثُّلثِ وإنْ كانَ وَرثتُه أَغنياءَ.
(١) «بدائع الصنائع» (٧/ ٣٣١)، و «البيان» (٨/ ١٥٣)، و «شرح صحيح مسلم» للنووي (١١/ ٧٧)، و «شرح صحيح البخاري» لابن بطال (٨/ ١٤٧، ١٤٨)، و «جواهر العقود» (١/ ٣٥٢)، و «المغني» (٦/ ٥٧)، و «الشرح الكبير» (٦/ ٤٢٦، ٤٢٧).
(٢) «شرح صحيح مسلم» (١١/ ٧٧).
قالَ الحَنفيةُ في المُعتمَدِ عندَهم: يُستحبُّ أنْ يُوصيَ الإِنسانُ بدونِ الثُّلثِ سَواءٌ كانَ الوَرثةُ أَغنياءَ أو فُقراءَ؛ لأنَّ في التَّنقيصِ صِلةَ القَرابةِ بتَوفيرِ المالِ عليهم بخِلافِ استِكمالِ الثُّلثِ؛ لأنَّه استِيفاءُ تَمامِ الثُّلثِ فلا صِلةَ ولا مِنةَ.
قالَ في «الهِدايةِ»: ثم هل الوَصيةُ بأقَلَّ من الثُّلثِ أَولى أو تَركُها؟
قالوا: إنْ كانَت الوَرثةُ فُقراءَ ولا يَستَغنونَ بما يَرِثونَ فالتَّركُ أوْلى؛ لمَا فيه من الصَّدقةِ على القَريبِ، وقد قالَ النَّبيُّ ﷺ: «إنَّ أفضَلَ الصَّدقةِ الصَّدقةُ على ذي الرَّحمِ الكاشِحِ (١)» (٢)، ولأنَّ فيه رِعايةَ حَقِّ الفَقرِ والقَرابةِ جَميعًا.
وإنْ كانوا أَغنياءَ أو يَستَغنونَ بنَصيبِهم فالوَصيةُ أوْلى؛ لأنَّه يَكونُ صَدقةً على الأَجنبيِّ، والتَّركُ هِبةٌ من القَريبِ.
والأولُ أوْلى؛ لأنَّه يَبتَغي بها وَجهَ اللهِ تَعالى، وقد قيلَ في هذا الوَجهِ: يُخيَّرُ لاشتِمالِ كلٍّ على فَضيلةٍ وهي الصَّدقةُ أو الصِّلةُ (٣).
(١) قالَ الحافظُ المُنذريُّ: الكاشحُ بالشينِ المُعجَمةِ هو الذي يُضمِرُ عَداوتَه في كشحِه وهو خَصرُه يعني: أنَّ أَفضلَ الصَّدقةِ على ذِي الرَّحمِ القاطعِ المُضمرِ العَداوةَ في باطنِه. «الترغيب والترهيب» (٢/ ١٧، ١٨).
(٢) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه الإمام أَحمد في «مسنده» (١٥٣٥٥، ٢٣٥٧٧)، والدارمي في «سننه» (١٦٧٩)، وابن خزيمة في «صحيحه» (٢٣٨٦)، والبيهقي في «الكبرى» (١٣٠٠٢).
(٣) «الهداية» (٤/ ٢٣٣).
قالَ ابنُ عابدِين: وحاصِلُه أنَّه لا تَنبَغي الوَصيةُ بتَمامِ الثُّلثِ، بل المُستحبُّ التَّنقيصُ عنه مُطلقًا؛ لأنَّه ﷺ قد استَكثَرَ الثُّلثَ بقَولِه «والثُّلثُ كَثيرٌ»، لكنَّ التَّنقيصَ عندَ فَقرِ الوَرثةِ -وإنْ كانَ مُستحبًّا- هناك ما هو أَولى منه، وهو التَّركُ أَصلًا؛ فإنَّ المُستحبَّ تَتفاوتُ دَرجاتُه، وكذا المَسنونُ والمَكروهُ وغيرُهما.
هذا وفي «القُهُستاني»: إذا كانَ المالُ قَليلًا لا يَنبَغي أنْ يُوصيَ على ما قالَ أَبو حَنيفةَ، وهذا إذا كانَ الأَولادُ كِبارًا، فلو كانوا صغارًا فالتَّركُ أفضَلُ مُطلقًا على ما رُويَ عن الشَّيخَينِ كما في «قاضيخان» اه.
فالتَّفصيلُ إنَّما هو في الكِبارِ، أمَّا الصِّغارُ فتَركُ المالِ لهم أفضَلُ ولو كانوا أَغنياءَ.
تَنبيهٌ: قالَ في «الحاوي القُدسي»: مَنْ لا وارِثَ له ولا دَينَ عليه فالأوْلى أنْ يُوصيَ بجَميعِ مالِه بعدَ التَّصدُّقِ بيَدِه (١).
وقالَ الحَنابِلةُ في المَذهبِ: المُستحبُّ أنْ يُوصيَ بالخُمسِ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ لسَعدٍ: «والثُّلثُ كَثيرٌ» مع إِخبارِه إياه بكَثرةِ مالِه وقِلةِ عِيالِه؛ فإنَّه قالَ في الحَديثِ: «إنَّ لي مالًا كَثيرًا ولا يَرِثُني إلا ابنَتي».
وعن سَعدِ بنِ مالِكٍ قالَ: مَرِضت مَرضًا فعادَني رَسولُ اللهِ ﷺ، فقالَ لي: «أَوصَيتَ؟» فقُلتُ: نَعَمْ، أَوصيتُ بمالي كلِّه
(١) «حاشية ابن عابدين» (٦/ ٦٥١، ٦٥٢)، ويُنظَر: «الاختيار» (٥/ ٧٩)، و «الجوهرة النيرة» (٦/ ٣٨٠)، و «مختصر الوقاية» (٢/ ٤٢٠)، و «العناية» (١٦/ ٧٤، ٧٥).
للفُقراءِ وفي سَبيلِ اللهِ. فقالَ لي رَسولُ اللهِ ﷺ: «أَوصِ بالعُشرِ». فقُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، إنَّ مالي كَثيرٌ ووَرثَتي أَغنياءُ. فلم يَزلْ رَسولُ اللهِ ﷺ يُناقِصُني وأُناقِصُه حتى قالَ: «أَوصِ بالثُّلثِ والثُّلثُ كَثيرٌ» (١).
وقالَ أَبو عبدِ الرَّحمنِ: لم يَكنْ أحدٌ منا يَبلُغُ في وَصيتِه الثُّلثَ حتى يَنقُصَ منه شَيئًا؛ لقَولِ النَّبيِّ ﷺ: «الثُّلثُ والثُّلثُ كَثيرٌ».
وعلى هذا فالأفضَلُ للغَنيِّ الوَصيةُ بالخُمسِ، ونَحوُ هذا يُروَى عن أَبي بَكرٍ الصِّدِّيقِ وعلِيِّ بنِ أَبي طالِبٍ رضي الله عنهما وهو ظاهِرُ قَولِ السَّلفِ وعُلماءِ أهلِ البَصرةِ.
ولأنَّ أَبا بَكرٍ الصِّدِّيقَ رضي الله عنه أوصَى بالخُمسِ وقالَ: رَضيتُ بما رضِيَ اللهُ به لنَفسِه. يَعني قَولَه تَعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١]، ورُويَ أنَّ أَبا بَكرٍ وعلِيًّا رضي الله عنهما أَوصَيا بالخُمسِ، وعن علِيٍّ رضي الله عنه أنَّه قالَ: «لَأنْ أُوصيَ بالخُمسِ أحَبُّ إلَيَّ من الرُّبعِ».
وعن إِبراهيمَ قالَ: كانوا يَقولونَ: صاحِبُ الرُّبعِ أفضَلُ من صاحِبِ الثُّلثِ، وصاحِبُ الخُمسِ أفضَلُ من صاحِبِ الرُّبعِ.
وعن الشَّعبيِّ قالَ: كانَ الخُمسُ أحَبَّ إليهم من الثُّلثِ، فهو مُنتَهى الجامِحِ.
(١) رواه أَبو داود الطيالسي في «مسنده» (١٩٤)، وسعيد بن منصور في «سننه» (٣٣٢).
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الوصايا
فصل في ركن الوصية
عَنْ النَّبِيِّ عليه الصلاة والسلام أَنَّهُ قَالَ: «لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ»
وَالْكِتَابُ الْعَزِيزُ قَدْ يُنْسَخُ بِالسُّنَّةِ فَإِنْ قِيلَ إنَّمَا يُنْسَخُ الْكِتَابَ عِنْدَكُمْ بِالسُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرَةِ، وَهَذَا مِنْ الْآحَادِ، فَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مُتَوَاتِرٌ غَيْرَ أَنَّ التَّوَاتُرَ ضَرْبَانِ: تَوَاتُرٌ مِنْ حَيْثُ الرِّوَايَةِ، وَهُوَ أَنْ يَرْوِيَهُ جَمَاعَةٌ لَا يُتَصَوَّرُ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ، وَتَوَاتُرٌ مِنْ حَيْثُ ظُهُورِ الْعَمَلِ بِهِ قَرْنًا فَقَرْنًا مِنْ غَيْرِ ظُهُورِ الْمَنْعِ وَالنَّكِيرُ عَلَيْهِمْ فِي الْعَمَلِ بِهِ إلَّا أَنَّهُمْ مَا رَوَوْهُ عَلَى التَّوَاتُرِ؛ لِأَنَّ ظُهُورَ الْعَمَلِ بِهِ أَغْنَاهُمْ عَنْ رِوَايَتِهِ، وَقَدْ ظَهَرَ الْعَمَلُ بِهَذَا مَعَ ظُهُورِ الْقَوْلِ أَيْضًا مِنْ الْأَئِمَّةِ بِالْفَتْوَى بِهِ بِلَا تَنَازُعٍ مِنْهُمْ، وَمِثْلُهُ يُوجِبُ الْعَمَلَ قَطْعًا، فَيَجُوزُ نَسْخُ الْكِتَابِ الْعَزِيزِ بِهِ كَمَا يَجُوزُ بِالْمُتَوَاتِرِ فِي الرِّوَايَةِ إلَّا أَنَّهُمَا يَفْتَرِقَانِ مِنْ وَجْهٍ، وَهُوَ أَنَّ جَاحِدَ الْمُتَوَاتِرِ فِي الرِّوَايَةِ يُكَفَّرُ وَجَاحِدَ الْمُتَوَاتِرِ فِي ظُهُورِ الْعَمَلِ لَا يُكَفَّرُ لِمَعْنَى عُرِفَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ.
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب الوصايا
باب ما يكون رجوعا في الوصية
باب ما يكون رجوعا في الوصية
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله تعالى: " وَإِذَا أَوْصَى لِرَجُلٍ بِعَبْدٍ بِعَيْنِهِ ثُمَّ أَوْصَى بِهِ لِآخَرَ فَهُوَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ " .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ لِلْمُوصِي الرُّجُوعَ فِي وَصِيَّتِهِ لِأَنَّهَا عَطِيَّةٌ لَمْ يَزُلْ عَنْهَا مِلْكُ مُعْطِيهَا فَأَشْبَهَتِ الْهِبَاتِ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَإِنَّمَا لَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ فِي عَطَايَا مَرَضِهِ لِزَوَالِ مِلْكِهِ.
ثُمَّ الرُّجُوعُ فِي الْوَصِيَّةِ يَكُونُ بِقَوْلٍ أَوْ دَلَالَةٍ عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ.
وَإِذَا كَانَ حُكْمُ الْوَصِيَّةِ جَارِيًا عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فَصُورَةُ مَسْأَلَتِنَا هَذِهِ فِي رَجُلٍ أَوْصَى بِعَبْدِهِ لِزَيْدٍ ثُمَّ أَوْصَى بِهِ لعمرو فقد اختلف الناس في حكم ذَلِكَ عَلَى أَرْبَعَةِ مَذَاهِبَ:
أَحَدُهَا: وَهُوَ مَذْهَبُ دَاوُدَ أنه يكون وَصِيَّةً لِلْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي كَالْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ.
وَالثَّانِي: وهو مذهب الحسن وعطاء وطاوس أَنَّهُ يَكُونُ وَصِيَّةً لِلثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ لِأَنَّهُ بِالرُّجُوعِ أَشْبَهُ.
وَالثَّالِثُ: وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَن الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْوَصِيَّةَ بِهَا بَاطِلَةٌ لَا تصح لواحد منها لِإِشْكَالِ حَالِهِمَا.
وَالرَّابِعُ: وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ وأبى حنيفة.
أَنَّهَا تَكُونُ وَصِيَّةً لَهُمَا فَتُجْعَلُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ.
وَهَكَذَا لَوْ أَوْصَى بِهِ لِثَالِثٍ، جَعَلْنَاهُ بَيْنَهُمْ أَثْلَاثًا. وَلَوْ أَوْصَى بِهِ لِرَابِعٍ جَعَلْنَاهُ بَيْنَهُمْ أَرْبَاعًا.
وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ: ثَلَاثَةُ معاني:
ارجع إلى مقدار الوصية للاطلاع على جميع المسائل.