الإسلام > الأيمان والمواريث > مقدار الوصية > الوصية بزيادة على الثلث
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 16 دقيقة قراءةوقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ: «إنَّ اللهَ تَصدَّقَ عليكم عندَ وَفاتِكم بثُلثِ أَموالِكم زيادةً لكم في أَعمالِكم وحَسناتِكم» (١).
الوَصيةُ بزِيادةٍ على الثُّلثِ:
الإِنسانُ له ثَلاثةُ أَحوالٍ، إمَّا أنْ يَكونَ له وَرثةٌ، وإمَّا ألَّا يَكونَ له وَرثةٌ وإمَّا أنْ يَكونَ له وَرثةٌ لا يَستغرِقونَ جَميعَ التَّركةِ.
الحالةُ الأُولى: أنْ يَكونَ للمُوصي وَرثةٌ:
إذا كانَ للمَيتِ وَرثةٌ؛ فإنَّ العُلماءَ أَجمَعوا على أنَّه لا يَجوزُ له أنْ يُوصيَ بأكثَرَ من ثُلثِ مالِه، فإنْ أَوصَى بأكثَرَ من الثُّلثِ تَوقَّفَ على إِجازةِ الوَرثةِ، فإنْ أَجازُوه نفَذَ وإلا فلا.
قالَ الإِمامُ ابنُ عبدِ البَرِّ رحمة الله عليه: وأجمَعَ عُلماءُ المُسلِمينَ على أنَّه لا يَجوزُ لأحدٍ أنْ يُوصيَ بأكثَرَ من ثُلثِه إذا ترَكَ وَرثةً من بَنينَ أو عَصبةٍ (٢).
وقالَ ابنُ المُنذرِ رحمة الله عليه: وأَجمَعوا على أنَّ الوَصايا مَقصورةٌ على ثُلثِ مالِ العَبدِ (٣).
وقالَ الإِمامُ ابنُ حَزمٍ رحمة الله عليه: اتَّفقَوا على أنَّه لا يَجوزُ لمَن ترَكَ وَرثةً أو وارِثًا أنْ يُوصيَ بأكثَرَ من ثُلثِ مالِه لا في صِحتِه ولا في مَرضِه (٤).
(١) حَدِيثٌ حَسَنٌ: رواه ابن ماجه (٢٧٠٩)، وأَحمد (٢٧٥٥٢).
(٢) «التمهيد» (٨/ ٣٧٩).
(٣) «الإجماع» (٣٣٧).
(٤) «مراتب الإجماع» (١١١).
وقالَ الإِمامُ ابنُ بَطَّالٍ: وأجمَعَ الفُقهاءُ على أنَّه لا يَجوزُ لأحدٍ أنْ يُوصىَ بأكثَرَ من الثُّلثِ (١).
وقالَ الإِمامُ ابنُ هُبيرةَ رحمة الله عليه: وأَجمَعوا على أنَّ ما زادَ على الثُّلثِ إذا أَوصَى به مَنْ ترَكَ بَنينَ وعَصبةً لا يُنفَّذُ إلا الثُّلثُ، والباقي مَوقوفٌ على إِجازةِ الوَرثةِ، فإنْ أَجازوه نُفِّذَ، وإنْ أَبطَلوه لم يُنفَّذْ (٢).
وقالَ الإِمامُ النَّوويُّ رحمة الله عليه: وأجمَعَ العُلماءُ في هذه الأَعصارِ على أنَّ مَنْ له وارِثٌ لا تُنفَّذُ وَصيتُه بزِيادةٍ على الثُّلثِ إلا بإِجازتِه، وأَجمَعوا على نُفوذِها بإِجازتِه في جَميعِ المالِ (٣).
وقالَ الحافِظُ ابنُ حَجرٍ رحمة الله عليه: واستقَرَّ الإِجماعُ على مَنعِ الوَصيةِ بأزيَدَ من الثُّلثِ (٤).
وقالَ ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه: العُلماءُ اتَّفَقوا على أنَّه لا تَجوزُ الوَصيةُ في أكثَرَ من الثُّلثِ لمَن ترَكَ وَرثةً (٥).
وقالَ الإِمامُ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: الوَصيةُ لغيرِ الوارِثِ تَلزمُ في الثُّلثِ من غيرِ إِجازةٍ، وما زادَ على الثُّلثِ يَقفُ على إِجازتِهم، فإنْ أَجازوه جازَ وإنْ رَدُّوه بطَلَ في قَولِ جَميعِ العُلماءِ (٦).
(١) «شرح صحيح البخاري» (٨/ ١٤٨).
(٢) «الإفصاح» (٢/ ٧٠).
(٣) «شرح صحيح مسلم» (١١/ ٧٧).
(٤) «فتح الباري» (٥/ ٣٦٩).
(٥) «بداية المجتهد» (٢/ ٢٥١).
(٦) «المغني» (٦/ ٦٢).
وقالَ ابنُ عبدِ البَرِّ رحمة الله عليه: وأجمَعَ جُمهورُ أهلِ العِلمِ على أنَّ الوَصيةَ لا تَجوزُ بأكثَرَ من الثُّلثِ إلا أنْ يُجيزَها الوَرثةُ، وعلى هذا جَماعةُ جُمهورِ الفُقهاءِ بالعِراقِ والحِجازِ والمَغربِ والشامِ.
وشذَّت طائِفةٌ منهم عبدُ الرَّحمنِ بنُ كَيسانَ فلم يُجيزوا الوَصيةَ بأكثَرَ من الثُّلثِ وإنْ أَجازَها الوَرثةُ، وقالوا: ليسَ لهم أنْ يُجيزوا للمُوصي ذلك، ولهم أنْ يُعطوا المُوصَى له من فَرائِضِهم وسائِرِ أَموالِهم ما شاؤُوا (١).
واستدَلُّوا على ذلك بما صَحَّ من طُرقٍ عن سَعدِ بنِ أَبي وَقاصٍ رضي الله عنه أنَّه قالَ: كانَ النَّبيُّ ﷺ يَعودُني وأنا مَريضٌ بمَكةَ، فقُلتُ: لي مالٌ، أُوصي بمالي كلِّه؟ قالَ: لا. قُلتُ: فالشَّطرُ؟ قالَ: لا. قُلتُ فالثُّلثُ؟ قالَ: «الثُّلثُ والثُّلثُ كَثيرٌ، أنْ تَدعَ وَرثتَك أَغنياءَ خَيرٌ من أنْ تَدعَهم عالةً يَتكفَّفونَ الناسَ في أَيديهم» (٢).
وقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ: «إنَّ اللهَ تَصدَّقَ عليكم عندَ وَفاتِكم بثُلثِ أَموالِكم زِيادةً لكم في أَعمالِكم وحَسناتِكم» (٣). وهذا يَدلُّ على أنَّه لا شَيءَ له في الزائِدِ عليه.
وحَديثُ عِمرانَ بنِ الحُصَينِ رضي الله عنه «أنَّ رَجلًا من الأَنصارِ أوْصَى عندَ مَوتِه بعِتقِ سِتةِ أعبُدٍ لا مالَ له غيرَهم، فدَعاهم رَسولُ اللهِ ﷺ
(١) «الاستذكار» (٧/ ٢٧٣).
(٢) أخرجه البخاري (٥٠٣٩)، ومسلم (١٦٢٨).
(٣) حَدِيثٌ حَسَنٌ: رواه ابن ماجه (٢٧٠٩)، وأَحمد (٢٧٥٥٢).
فأقرَعَ بينَهم، فأعتَقَ اثنَينِ وأرَقَّ أربَعةً وقالَ له قَولًا شَديدًا» (١). قالَ ابنُ قُدامةَ: يَدلُّ أيضًا على أنَّه لا يَصحُّ تَصرُّفُه فيما عَدا الثُّلثَ إذا لم يُجِزِ الوَرثةُ، ويَجوزُ بإِجازتِهم؛ لأنَّ الحَقَّ لهم، والقَولُ في بُطلانِ الوَصيةِ بالزائِدِ على الثُّلثِ إذا لم يُجِزِ الوَرثةُ كالقَولِ في الوَصيةِ للوارِثِ على ما ذكَرنا (٢).
إلا أنَّ المالِكيةَ اختلَفوا فيما إذا أَجازَها الوَرثةُ، هل تَكونُ عَطيةً مُبتدأةً كما هو مُعتمدُ المَذهبِ أو تَكونُ تَنفيذًا لمَا فعَلَه المَيتُ كما هو قَولُ ابنِ القَصارِ وابنِ العَطارِ.
وتَظهَرُ فائِدةُ الخِلافِ أيضًا في أنَّه إذا كانَ الوارِثُ مُفلِسًا، وقُلنا: إنَّ الإِجازةَ عَطيةٌ من الوارِثِ كما هو المُعتمَدُ فلغُرمائِه مَنعُه من ذلك الزائِدِ، وهُم أحَقُّ به، وهذا مَعنى قَولِهم «العَطيةُ تَفتقِرُ إلى ما تَفتقِرُ إليه الهِباتُ»، وإنْ قُلنا: إنَّه تَنفيذٌ منه لمَا فعَلَه المَيتُ؛ لم يَتعلَّقْ حَقُّ الوارِثِ بمالِ المُوصي، وليسَ للغُرماءِ حَقُّ الاعتِراضِ عليه (٣).
وسيَأتي باقي كَلامِ أهلِ العِلمِ في حُكمِ إِجازةِ الوَرثةِ للوَصيةِ فيما زادَ على الثُّلثِ، والوَصيةُ للوارِثِ -إذا أَجازوها- هل هي هِبةٌ مُبتدأَةٌ أو تَنفيذٌ للوَصيةِ في مَسألةِ: «هل تَبطلُ الوَصيةُ للوارِثِ وإنْ أجازَها الوَرثةُ أو لا؟» بالتَّفصيلِ؟
(١) أخرجه مسلم (١٦٦٨).
(٢) «المغني» (٦/ ٦٢).
(٣) «التاج والإكليل» (٥/ ٤٤٠)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٦/ ٤٩٢، ٤٩٣)، و «تحبير المختصر» (٥/ ٥٣٣)، و «هامش التفريع» لابن الجلاب (٢/ ٣٢٤).
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الوصايا
فصل في حكم الوصية
الْأَرْضِ، فَنَبَتَتْ وَصَارَتْ بَقْلًا أَوْ بِالْبَيْضَةِ، فَصَارَتْ فَرْخًا أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ ثُمَّ مَاتَ الْمُوصِي بَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ فِيمَا أَوْصَى بِهِ، فَيَثْبُتُ الرُّجُوعُ ضَرُورَةً هَذَا إذَا تَغَيَّرَ الْمُوصَى بِهِ قَبْلَ مَوْتِ الْمُوصِي؛ لِأَنَّهُ صَارَ شَيْئًا آخَرَ لِزَوَالِ مَعْنَاهُ، وَاسْمِهِ، فَتَعَذَّرَ تَنْفِيذُ الْوَصِيَّةِ فِيمَا أَوْصَى بِهِ.
وَأَمَّا إذَا تَغَيَّرَ بَعْدَ مَوْتِهِ، فَحُكْمُهُ يُذْكَرُ فِي بَيَانِ مَا تَبْطُلُ بِهِ - إنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى، وَلَوْ أَوْصَى بِرُطَبِ هَذَا النَّخْلِ، فَصَارَ بُسْرًا فَالْقِيَاسُ أَنْ تَبْطُلَ الْوَصِيَّةُ لِتَغَيُّرِ الْمُوصَى بِهِ، وَهُوَ الرُّطَبُ مِنْ الرُّطُوبَةِ إلَى الْيُبُوسَةِ.
وَزَوَالِ اسْمِهِ، وَفِي الِاسْتِحْسَانِ لَا تَبْطُلُ؛ لِأَنَّ مَعْنَى الذَّاتِ لَمْ يَتَغَيَّرْ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ بَلْ بَقِيَ مِنْ وَجْهٍ.
أَلَا يَرَى أَنَّ غَاصِبًا لَوْ غَصَبَ رُطَبَ إنْسَانٍ، فَصَارَ تَمْرًا فِي يَدِهِ لَا يَنْقَطِعُ حَقُّ الْمَالِكِ بَلْ يَكُونُ لَهُ الْخِيَارُ إنْ شَاءَ أَخَذَهُ تَمْرًا، وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَهُ رُطَبًا مِثْلَ رُطَبِهِ.
فَصْلٌ فِي حُكْمِ الْوَصِيَّةِ
(فَصْلٌ) :
وَأَمَّا بَيَانُ حُكْمِ الْوَصِيَّةِ فَالْوَصِيَّةُ فِي الْأَصْلِ نَوْعَانِ: وَصِيَّةٌ بِالْمَالِ، وَوَصِيَّةٌ بِفِعْلٍ مُتَعَلِّقٍ بِالْمَالِ لَا يَتَحَقَّقُ بِدُونِ الْمَالِ، أَمَّا الْوَصِيَّةُ بِالْمَالِ فَحُكْمُهَا ثُبُوتُ الْمِلْكِ فِي الْمَالِ الْمُوصَى بِهِ لِلْمُوصَى لَهُ.
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب الوصايا
باب ما يكون رجوعا في الوصية
باب ما يكون رجوعا في الوصية
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله تعالى: " وَإِذَا أَوْصَى لِرَجُلٍ بِعَبْدٍ بِعَيْنِهِ ثُمَّ أَوْصَى بِهِ لِآخَرَ فَهُوَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ " .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ لِلْمُوصِي الرُّجُوعَ فِي وَصِيَّتِهِ لِأَنَّهَا عَطِيَّةٌ لَمْ يَزُلْ عَنْهَا مِلْكُ مُعْطِيهَا فَأَشْبَهَتِ الْهِبَاتِ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَإِنَّمَا لَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ فِي عَطَايَا مَرَضِهِ لِزَوَالِ مِلْكِهِ.
ثُمَّ الرُّجُوعُ فِي الْوَصِيَّةِ يَكُونُ بِقَوْلٍ أَوْ دَلَالَةٍ عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ.
وَإِذَا كَانَ حُكْمُ الْوَصِيَّةِ جَارِيًا عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فَصُورَةُ مَسْأَلَتِنَا هَذِهِ فِي رَجُلٍ أَوْصَى بِعَبْدِهِ لِزَيْدٍ ثُمَّ أَوْصَى بِهِ لعمرو فقد اختلف الناس في حكم ذَلِكَ عَلَى أَرْبَعَةِ مَذَاهِبَ:
أَحَدُهَا: وَهُوَ مَذْهَبُ دَاوُدَ أنه يكون وَصِيَّةً لِلْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي كَالْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ.
وَالثَّانِي: وهو مذهب الحسن وعطاء وطاوس أَنَّهُ يَكُونُ وَصِيَّةً لِلثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ لِأَنَّهُ بِالرُّجُوعِ أَشْبَهُ.
وَالثَّالِثُ: وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَن الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْوَصِيَّةَ بِهَا بَاطِلَةٌ لَا تصح لواحد منها لِإِشْكَالِ حَالِهِمَا.
وَالرَّابِعُ: وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ وأبى حنيفة.
أَنَّهَا تَكُونُ وَصِيَّةً لَهُمَا فَتُجْعَلُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ.
وَهَكَذَا لَوْ أَوْصَى بِهِ لِثَالِثٍ، جَعَلْنَاهُ بَيْنَهُمْ أَثْلَاثًا. وَلَوْ أَوْصَى بِهِ لِرَابِعٍ جَعَلْنَاهُ بَيْنَهُمْ أَرْبَاعًا.
وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ: ثَلَاثَةُ معاني:
ارجع إلى مقدار الوصية للاطلاع على جميع المسائل.