الإسلام > الجنائز > حمل الجنازة > رفع الصوت عند اتباع الجنائز
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 12 دقيقة قراءةكانَت تَمشِي فلَم أَكنْ لأَركَبَ وهُم يَمشونَ، فلمَّا ذَهَبوا رَكِبتُ» (١).
أمَّا إنْ رَكِب فذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ الراكِبَ يَسيرُ خَلفَها؛ لقَولِ النَّبيِّ ﷺ: «الراكِبُ يَسيرُ خَلفَ الجنازةِ» (٢).
وذهَبَ الشافِعيةُ إلى أنَّ السَّيرَ أمامَها أفضَلُ، سَواءٌ كانَ راكِبًا أو ماشِيًا (٣).
رَفعُ الصَّوتِ عندَ اتِّباعِ الجَنائزِ:
ذهَبَ الفُقهاءُ إلى أنَّه يُستحَبُّ خَفضُ الصَّوتِ في السَّيرِ بالجنازةِ ومعها، ويُستحَبُّ لهم ألَّا يَشتَغِلوا بشَيءٍ غيرِ الفِكرِ فيما هي لَاقيةٌ وصائِرةٌ إليه، وفي حاصِلِ الحَياةِ، وأنَّ هذا آخِرُها ولا بدَّ منه، وأنَّ هذا عاقِبةُ أهلِ الدُّنيا، ولْيَحذَرْ عما لا فائِدةَ فيه مِنْ الكَلامِ، فإنَّ هذا وَقتُ ذِكرٍ ومَوعِظةٍ، فتَقبُحُ فيه الغَفلةُ، فإنْ لَم يَذكُرِ اللهَ ﷾ في نَفْسِه يَلزَمِ الصَّمتَ، ويُكرَهُ له رَفعُ الصَّوتِ بالذِّكرِ وقِراءةِ القُرآنِ وغيرِها عندَ اتِّباعِها؛ لقَولِ قَيسِ بنِ
(١) حَديثٌ صَحيحٌ: رواه أبو داود (٣١٧٧)، والحاكم (١/ ٥٠٧)، والبيهقي (٤/ ٢٣).
(٢) حَديثٌ صَحيحٌ: رواه أبو داود (٣١٨٠)، والترمذي (١٠٣١)، والنسائي (١٩٤٢)، وأحمد (٤/ ٤٢٩).
(٣) «المبسوط» (٢/ ٥٦)، و «البدائع» (٢/ ٣٣٥)، و «تبيين الحقائق» (١/ ٢٤٤)، و «المدونة» (١/ ١٧٧)، و «الاستذكار» (٣/ ٢٠، ٢٢)، و «بداية المجتهد» (١/ ٣٢٢)، و «الذخيرة» (٢/ ٤٦٥)، و «التاج والإكليل» (٢/ ٢٢٧)، و «الأم» (١/ ٢٧١، ٢٧٢)، و «الأوسط» (٥/ ٣٨٠)، و «الحاوي الكبير» (٣/ ٤١)، و «المجموع» (٦/ ٢٨٠)، و «مختصر اختلاف العلماء» (١/ ٤٠٤)، و «المغني» (٣/ ٢٣٣، ٢٣٤)، و «كشاف القناع» (٢/ ١٢٩)، و «الإنصاف» (٢/ ٥٤١)، و «شرح منتهى الإرادات» (٢/ ١٢٩)، و «الإفصاح» (١/ ٢٨٩).
عبَّادٍ: «كان أَصحابُ النَّبيِّ ﷺ يَكرَهونَ رَفعَ الصَّوتِ عندَ ثَلاثةٍ: عندَ القِتالِ، وعندَ الجَنائِزِ، وعندَ الذِّكرِ» (١)، قيلَ: إنَّ هذه الكَراهةَ تَحريميَّةٌ، وقيلَ: تَركُ الأَوْلى ولا يُغتَرَّ أحَدٌ بكَثرةِ مَنْ يَفعَلُ ذلك.
قال الإمامُ النَّوويُّ رحمة الله عليه: «واعلَمْ أنَّ الصَّوابَ والمُختارَ وما كانَ عليه السَّلفُ السُّكوتُ في حالِ السَّيرِ مع الجنازةِ، فلا يُرفَعُ صَوتٌ بقِراءةٍ ولا بذِكرٍ ولا غيرِ ذلك، والحِكمةُ فيه ظاهِرةٌ، وهي أنَّه أسكَنُ لِخاطِرِه وأجمَعُ لِفِكرِه فيما يَتعلَّقُ بالجنازةِ، وهو المَطلوبُ في هذه الحالِ، فهذا هو الحَقُّ، ولا تَغتَرَّ بكَثرةِ مَنْ يُخالِفُه، فقد قالَ أبو عليٍّ الفُضيلُ بنُ عياضٍ ما مَعناه: «الزَمْ طَريقَ الهُدى ولا يَضُرَّكَ قِلَّةُ السالِكينَ، وإياكَ وطُرقَ الضَّلالةِ ولا تَغتَرَّ بكَثرةِ الهالِكينَ»، وقد رَوَينا في «سُنَن البَيهَقيِّ» ما يَقتَضي ما قُلتُه (يُشيرُ إلى قَولِ قَيسِ بنِ عبَّادٍ).
وأمَّا ما يَفعَلُه الجَهلةُ مِنْ القِراءةِ على الجنازةِ بدِمَشقَ وغيرِها مِنْ القِراءةِ بالتَّمطيطِ وإخراجِ الكَلامِ عن مَواضعِه فحَرامٌ بإِجماعِ العُلماءِ، وقد أوضَحتُ قُبحَه وغِلظَ تَحريمِه وفِسقَ مَنْ يُمكَّنُ مِنْ إنكارِه فلَم يُنكِرْه في كِتابِ «آداب القِراءةِ» واللهُ ﷾ المُستَعانُ (٢).
(١) رواه البيهقي (٤/ ٧٤)، وابن المنذر (٠/ ٣٨٩)، وابن المبارك في «الزهد» (٨٣)، وأبو نعيم (٩/ ٥٨) قال الألباني في «أحكام الجنائز» (٩٢): رجالُه ثقاتٌ.
(٢) «الأذكار» (٢٠٣)، و «المجموع» (٦/ ٤٤٦)، و «بدائع الصنائع» (٢/ ٣٣٦)، وانظر: «غاية المنتهى» (١/ ٢٤٧)، و «الهندية» (١/ ١٦٢)، و «البحر الرائق» (٢/ ١٩٢)، و «المغني» (٣/ ٢٣٤).
وقالَ ابنُ عابدِين رحمة الله عليه: إذا كانَ هذا في الدُّعاءِ والذِّكرِ فما ظَنُّكَ بالغِناءِ الحادِثِ في زَمانِنا الذي يُسمُّونَه وَجْدًا ومَحبَّةً؛ فإنَّه مَكروهٌ لا أصلَ له في الدِّين» (١).
وقالَ المالِكيةُ: كُرهَ صِياحٌ خَلفَها مِثلَ: استَغفِروا لها، ونَحوِه؛ لأنَّه ليسَ مِنْ فِعلِ السَّلَفِ (٢).
وسُئلَ شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميَّةَ رحمة الله عليه: عن رَفعِ الصَّوتِ في الجنازةِ؟
فأجابَ: الحَمدُ للهِ، لا يُستحَبُّ رَفعُ الصَّوتِ مع الجنازةِ لا بقِراءةٍ ولا ذِكرٍ ولا غيرِ ذلك، هذا مَذهبُ الأئِمةِ الأربَعةِ، وهو المَأثورُ عن السَّلفِ مِنْ الصَّحابةِ والتابِعينَ، ولا أعلَمُ فيه مُخالِفًا، بل قد رُوِي عن النَّبيِّ ﷺ: «أنَّه نَهى أنْ يُتبَعَ بصَوتٍ أو نارٍ»، رَواه أبو داودَ (٣).
وسمِعَ عبدُ اللهِ بنُ عمرَ رَجلًا يَقولُ في جنازةٍ: استَغفِروا لِأخيكم، فقالَ ابنُ عمرَ: «لا غفَرَ اللهُ لكَ بَعْدُ»، وقالَ قَيسُ بنُ عبَّادٍ: وهو مِنْ أكابِرِ التابِعينَ مِنْ أَصحابِ علِيِّ بنِ أَبي طالِبٍ رضي الله عنه: «كانوا يَستحِبُّونَ خَفضَ الصَّوتِ عندَ الجَنائِزِ».
(١) «رد المحتار» (١/ ٦٠٨).
(٢) «الشرح الصغير مع بلغة السالك» (١/ ٣٧١)، و «الشرح الكبير» (١/ ٤٢٣).
(٣) رواه أبو داود (٣١٧١)، وأحمد (١٠٨٩٣) مِنْ حَديثِ أبي هُريرةَ قالَ الألبانِيُّ في «أحكامِ الجَنائِزِ» (٩١): وفي سَندِه مَنْ لَم يُسمَّ، لكنه يَتقوَّى بشَواهِدِه المَرفوعةِ، وبَعضِ الآثارِ المَوقوفةِ، ثم ذكَرها.
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الجنائز
٣٥٣ - مسألة؛ قال: (والمشي أمامها أفضل)
سعدُ بن مُعاذٍ: ما تَبِعْتُ جنَازَةً فَحَدَّثْتُ نَفْسِى بغيرِ ما هو مَفْعُولٌ بها. ورَأى بَعْضُ السَّلَفِ رَجُلًا يَضْحَكُ في جِنَازَةٍ، فقال: أتَضْحَكُ وأنْتَ تَتْبَعُ الجِنازَةَ؟ لا كَلَّمْتُكَ أبَدًا.
٣٥٣ - مسألة؛ قال: (والمَشْيُ أَمَامَها أَفْضَلُ)
أكْثَرُ أهْلِ العِلْمِ يَرَوْنَ الفَضِيلَةَ لِلْمَاشِى أن يكونَ أمامَ الجِنَازَةِ، رُوِىَ ذلك عن أبِى بكرٍ، وعمرَ، وعثمانَ، وابنِ عمرَ، وأبي هُرَيْرَةَ والحسنِ بن عليٍّ، وابنِ الزُّبَيْرِ، وأبي قَتَادَةَ، وأبي أَسِيدٍ، وعُبَيْد بن عُمَيْرٍ، وشُرَيْحٍ، والقَاسِمِ بن محمدٍ، وسَالمٍ، والزُّهْرِيِّ، ومالِكٍ، والشَّافِعِيِّ. وقال الأوْزَاعِيُّ، وأصْحَابُ الرَّأْىِ: المَشْىُ خَلْفَها أفْضَلُ؛ لما رَوَى ابنُ مسعودٍ، عن النَّبِيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه قال: "الْجِنَازَةُ مَتْبُوعَةٌ، ولا تَتْبَعُ، لَيْسَ مِنْهَا مَنْ تَقَدَّمَها" . وقال عليٌّ، رَضِىَ اللَّه عنه: فَضْلُ المَاشِى خَلْفَ الجِنازَةِ على المَاشِى قُدَّامَها، كَفَضْلِ المَكْتُوبَةِ على التَّطَوُّعِ، سَمِعْتُه مِن رسولِ اللهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- . ولأنَّها مَتْبُوعَةٌ فيَجِبُ أن تُقَدَّمَ كالإِمامِ في الصلاةِ، ولهذا قال في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: "مَنْ تَبِعَ جِنَازَةً" . ولَنا، ما رَوَى ابنُ عمرَ، قال: رأيتُ النَّبِيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- وأبا بكرٍ، وعمرَ يَمْشُونَ أمامَ الجِنَازَةِ. رَوَاه
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب الجنائز
باب التكبير على الجنائز ومن أولى بأن يدخله القبر
بَابُ التَّكْبِيرِ عَلَى الْجَنَائِزِ وَمَنْ أَوْلَى بِأَنْ يدخله القبر
قال الشافعي رضي الله عنه: " أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - كَبَّرَ أَرْبَعًا وَقَرَأَ بِأُمِّ الْقُرْآنِ بَعْدَ التَّكْبِيرَةِ الأولى وروي عن ابن عباس أنه قرأ بفاتحة الكتاب وجهر بها وقال إنما فعلت لتعلموا أنها سنة وعن ابن عمر أنه كان يرفع يديه كلما كبر على الجنازة وعن ابن المسيب وعروة مثله " .
ارجع إلى حمل الجنازة للاطلاع على جميع المسائل.