أ- الشهيد

الإسلام > الجنائز > صلاة الجنازة > أ- الشهيد

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 14 دقيقة قراءة

أ- الشهيد - الأقوال والأدلة

وقد ذكَرَ ابنُ عبدِ الحَكَمِ عن مالِكٍ أنَّ الصَّلاةَ على الجنازةِ جائِزةٌ في ساعاتِ اللَّيلِ والنَّهارِ عندَ طُلوعِ الشَّمسِ وعندَ غُروبِها في كلِّ وَقتٍ، كما قالَ الشافِعيُّ (١).

مَنْ يُصلَّى عليه ومَن لا يُصلَّى عليه:

أ- الشَّهيدُ:

اختَلفَ العُلماءُ في حُكمِ الصَّلاةِ على الشَّهيدِ:

فذهَبَ الإمامُ مالِكٌ والشافِعيُّ وأحمدُ في المَشهورِ عنه إلى أنَّه لا يُصلَّى على الشَّهيدِ المَقتولِ في المَعركةِ؛ لِما رَوى جابِرُ بنُ عبدِ اللهِ «أنَّ رَسولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَجمَعُ بينَ الرَّجلَينِ مِنْ قَتلَى أُحدٍ في ثَوبٍ واحِدٍ، ثُم يَقولُ: أَيُّهم أَكثَرُ أَخذًا لِلقُرآنِ؟ فإذا أُشِيرَ له إلى أَحدٍ قدَّمَه في اللَّحدِ، وقالَ: أنا شَهِيدٌ على هَؤلاءِ يَومَ القِيامَةِ، وأمَرَ بِدَفنِهم بدِمَائهِم، ولَم يُصلِّ عليهم، ولَم يُغسَّلُوا» (٢).

ولأنَّ الصَّلاةَ على الميِّتِ شَفاعةٌ له، ودُعاءٌ لتَمحيصِ ذُنوبِه، والشَّهيدُ قد تَطهَّرَ بصِفةِ الشَّهادةِ مِنْ دَنسِ الذُّنوبِ فاستَغنى عن ذلك، كما استَغنى عن الغُسْلِ، ولأنَّ اللهَ ﷾ وصَفَ الشُّهداءَ بأنَّهم أَحياءٌ في كِتابِه، والصَّلاةُ على الميِّتِ لا على الحَيِّ (٣).

(١) «الاستذكار» (٣/ ٤٣، ٤٤)، و «بداية المجتهد» (١/ ٣٣٥).
(٢) حَديثٌ صَحيحٌ: تقدم.
(٣) «الذخيرة» (٢/ ٢٩٧)، و «المجموع» (٦/ ٣٥٨)، و «المغني» (٣/ ٢٩٦)، و «شرح ابن بطال» (٣/ ٣٣٠)، و «فتح الباري» (٣/ ٢٠٩، ٢١٠)، و «بداية المجتهد» و «الإفصاح» (١/ ٢٨٢).

وذهَبَ الإمامُ أبو حَنيفةَ وأحمدُ في رِوايةٍ إلى أنَّه يُصلَّى عليه؛ لِما رَوى عُقبةُ بنُ عامِرٍ الجُهنيُّ: «أنَّ رَسولَ اللَّهِ ﷺ خرَجَ يَوْمًا فصلَّى على أَهْلِ أُحدٍ صَلاتَه على الميِّتِ بعدَ ثمانِي سِنينَ كالمُودِّعِ لِلأَحْياءِ والأَمواتِ» (١).

ولِما رَواه شَدَّادُ بنُ الهادِ: «أنَّ رَجلًا مِنْ الأَعْرابِ جاءَ إلى النَّبيِّ ﷺ فآمَنَ به واتَّبعَه، ثُم قالَ: أُهاجِرُ معَك، فأَوْصى به النَّبيُّ ﷺ بعضَ أَصحابِه، فلمَّا كانَت غَزوةٌ غنِمَ النَّبيُّ ﷺ سَبيًا، فقسَمَ وقسَمَ له فَأَعْطَى أَصحابَهُ ما قَسَمَ له، وكان يَرْعَى ظَهرَهُم، فلمَّا جاءَ دفَعُوه إليه، فقالَ: ما هذا؟ قالوا: قَسْمٌ قسَمَه لكَ النَّبيُّ ﷺ، فأخَذَه فجاءَ به إلى النَّبيِّ ﷺ فقالَ: ما هذا؟ قالَ: قسَمْتُه لكَ. قالَ: ما على هذا اتَّبَعتُك، ولكنِّي اتَّبَعتُك على أنْ أُرمَى إلى ههنا، وأَشارَ إلى حَلقِه، بسَهمٍ، فأَموتَ فأَدخُلَ الجَنةَ، فقالَ: إنْ تَصدُقِ اللَّهَ يَصدُقْكَ، فلَبِثوا قَلِيلًا ثُم نهَضُوا في قِتالِ العَدوِّ، فأتَى به النَّبيَّ ﷺ يُحمَلُ قد أَصابَه سَهمٌ حيثُ أَشارَ، فقالَ النَّبيُّ ﷺ أَهو هو؟ قالوا: نَعم. قالَ: صدَقَ اللَّهَ فصدَقَه، ثُم كفَّنَه النَّبيُّ ﷺ في جُبَّةِ النَّبيِّ ﷺ، ثُم قدَّمَه

(١) رواه البخاري (١٢٧٩)، ومسلم (٢٢٩٦)، وأحمد (٤/ ١٥٤)، وأبو داود (٣٢٢٤)، والزيادة له.

فصَلَّى عليه، فكانَ فِيما ظهَرَ مِنْ صَلاتِه: اللَّهمَّ هذا عَبدُك، خرَجَ مُهاجِرًا في سَبيلِك، فقُتِلَ شَهِيدًا، أنا شَهِيدٌ على ذلك» (١).

ولِما رَوى عبدُ اللهِ بنُ الزُّبيرِ: «أنَّ رَسولَ اللَّهِ ﷺ أمَرَ يَومَ أُحدٍ بحَمْزةَ فسُجِّيَ ببُردِه ثُم صلَّى عليه فكبَّرَ تِسعَ تَكْبيراتٍ، ثُم أَتى بِالقَتلَى يُصفُّونَ ويُصلَّى عليهم وعلَيه معَهم» (٢).

قالوا: ولأنَّ الصَّلاةَ على الميِّتِ لِإظهارِ كَرامَتِه، ولِهذا اختُصَّ بها المُسلِمونَ دونَ الكَفَرةِ، والشَّهيدُ أَوْلى بالكَرامةِ.

قال الكاسانِيُّ رحمة الله عليه: وما ذُكرَ مِنْ حُصولِ الطَّهارةِ بالشَّهادةِ، فالعَبدُ وإنْ جَلَّ قَدْرُه لا يَستَغني عن الدُّعاءِ.

ألَا تَرى أنَّهم صَلَّوا على رَسولِ اللهِ ﷺ، ولا شَكَّ أنَّ دَرَجتَه فوقَ دَرجةِ الشُّهداءِ، وإنَّما وصَفَهم بالحَياةِ في حَقِّ أَحكامِ الآخِرةِ، ألَا تَرى إلى قَولِه ﷾: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩)﴾ [آل عمران: ١٦٩]، فأمَّا في حَقِّ أَحكامِ الدُّنيا فالشَّهيدُ ميِّتٌ يُقسَّمُ مالُه، وتُنكَحُ امرأتُه بعدَ انقِضاءِ العدَّةِ، ووُجوبُ الصَّلاةِ عليه مِنْ أَحكامِ الدُّنيا، فكانَ ميِّتًا فيه، فيُصلَّى عليه، واللهُ ﷾ أعلَمُ بالصَّوابِ، وإليه المَرجعُ والمآبُ (٣).

(١) حَديثٌ صَحيحٌ: رواه النسائي (١٩٥٣).
(٢) حَديثٌ حَسنٌ: أخرجه الطحاوي في «شرح معاني الآثار» (١/ ٥٠٣).
(٣) «بدائع الصنائع» (٢/ ٣٧٦)، وينظر: «مختصر اختلاف العلماء» للطحاوي (١/ ٣٩٦، ٣٩٧)، و «عمدة القاري» (٨/ ١٥٥)، و «المغني» (٣/ ٢٩٦).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب الجنائز
باب الشهيد ومن يصلي عليه ويغسل

باب الشهيد ومن يصلي عليه ويغسل

قال الشافعي رحمه الله تعالى: " وَالشُّهَدَاءُ الَّذِينَ عَاشُوا وَأَكَلُوا الطَّعَامَ أَوْ بَقَوْا مُدَّةً يَنْقَطِعُ فِيهَا الْحَرْبُ وَإِنْ لَمْ يَطْعَمُوا كَغَيْرِهِمْ مِنَ الْمَوْتَى وَالَّذِينَ قَتَلَهُمُ الْمُشْرِكُونَ فِي المعترك يكفنون بثيابهم التي قتلوا بها إن شاء أولياؤهم وتنزع عنهم الخفاف والفراء والجلود وما لم يكن من عام لباس الناس ولا يغسلون ولا يصلى عليهم وروي عن جابر بن عبد الله وأنس ابن مَالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أنه لم يصل عليهم ولم يغسلهم (قال) وعمر شهيدٌ غير أنه لما لم يقتل في المعترك غسل وصلي عليه والغسل والصلاة سنة لا يخرج منها إلا من أخرجه رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - "

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ الشُّهَدَاءُ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي مُعْتَرَكِ الْمُشْرِكِينَ لَيْسَ مِنَ السُّنَّةِ أَنْ يُغَسَّلُوا، وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِمْ، هَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ وَأَكْثَرِ أَهْلِ الْحَرَمَيْنِ.

وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ يُغَسَّلُونَ وَيُصَلَّى عَلَيْهِمْ كَغَيْرِهِمْ مِنَ الْمَوْتَى، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ.

وَقَالَ أبو حنيفة بِقَوْلِنَا فِي تَرْكِ غُسْلِهِمْ، ويقول سَعِيدٍ فِي إِيجَابِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِمْ، اسْتِدْلَالًا بِرِوَايَةِ مِقْسَمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - صَلَّى عَلَى قَتْلَى أُحُدٍ، وَكَانَ يُصَلِّي عَلَى عَشَرَةٍ عَشَرَةٍ وَحَمْزَةُ مَعَهُمْ، حَتَّى كَبَّرَ عَلَى حَمْزَةَ سَبْعِينَ تَكْبِيرَةً، وَرَوَى عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " صَلَّى عَلَى قَتْلَى أحدٍ بَعْدَ ثَمَانِي سِنِينَ " .

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الجنائز
٣٧٩ - مسألة؛ قال: (والشهيد إذا مات في موضعه، لم يغسل، ولم يصل عليه).

٣٧٩ - مسألة؛ قال: (والشَّهِيدُ إذا مَاتَ في مَوْضِعِه، لَمْ يُغَسَّلْ، ولم يُصَلَّ عَلَيْهِ) .

يعني إذا ماتَ في المُعْتَرَكِ، فإنَّه لا يُغَسَّلُ، رِوَايَةً وَاحِدَةً، وهو قولُ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ، ولا نَعْلَمُ فيه خِلَافًا، إلَّا عن الحسنِ، وسَعِيدِ بن المُسَيَّبِ، قالا: يُغَسَّلُ الشَّهِيدُ، ما ماتَ مَيِّتٌ إلَّا جُنُبًا. والاقْتِدَاءُ بالنَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- وأصْحابِه في تَرْكِ غُسْلِهِم أوْلَى. فأمَّا الصلاةُ عليه، فالصَّحِيحُ أنَّه لا يُصَلَّى عليه. وهو قَوْلُ مالكٍ، والشَّافِعِىِّ، وإسحاقَ. وعن أحمدَ، رِوَايَةٌ أُخْرَى، أنَّه يُصَلَّى عليه. واخْتَارَها الخَلَّالُ. وهو قَوْلُ الثَّوْرِىِّ، وأبى حنيفةَ. إلَّا أن كلامَ أحمدَ في هذه الرِّوَايَةِ يُشِيرُ إلى أنَّ الصلاةَ عليه مُسْتَحَبَّةٌ، غيرُ وَاجِبَةٍ. قال في مَوْضِعٍ: إن صُلِّىَ عليه فلا بَأْسَ به . وفي مَوْضِعٍ آخَرَ، قال: يُصَلَّى عليه ، وأهْلُ الحِجَازِ لا يُصَلُّونَ عليه، وما تَضُرُّهُ الصلاةُ، لا بَأْسَ به. وصَرَّحَ بذلك في رِوَايَةِ المَرُّوذِىِّ، فقال: الصلاةُ عليه أجْوَدُ، وإن لم يُصَلُّوا عليه أجْزَأَ. فكأنَّ الرِّوَايَتَيْنِ في اسْتِحْبَابِ الصلاةِ، لا في وُجُوبِها، إحْدَاهُما يُسْتَحَبُّ؛ لما رَوَى عُقْبَةُ، أنَّ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- خَرَجَ يَوْمًا، فصَلَّى على أهْلِ أُحُدٍ صَلَاتَه على المَيِّتِ، ثم انْصَرَفَ إلى المِنْبَرِ. مُتَّفَقٌ عليه . وعن ابنِ عَبَّاسٍ، أنَّ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- صَلَّى على قَتْلَى أُحُدٍ . ولَنا، ما رَوَى جَابِرٌ، أنَّ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أمَرَ بِدَفْنِ شُهَدَاءِ أُحُدٍ في دِمَائِهم، ولم يُغَسِّلْهم، ولم يُصَلِّ عليهم. رَواهُ البُخَارِىُّ . ولأنَّه لا يُغَسَّلُ مع إمْكانِ غَسْلِه، فلم يُصَلَّ

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 318 - 320

ارجع إلى صلاة الجنازة للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 5 جمادى الأولى
هلال متزايد اليوم 5.6 / 29.5
الإضاءة 32%
البدر بعد 9 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله

إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ ۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا

سورة الأحزاب 33:56