الإسلام > الجنائز > صلاة الجنازة > أ- الشهيد
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 8 دقيقة قراءةوقد ذكَرَ ابنُ عبدِ الحَكَمِ عن مالِكٍ أنَّ الصَّلاةَ على الجنازةِ جائِزةٌ في ساعاتِ اللَّيلِ والنَّهارِ عندَ طُلوعِ الشَّمسِ وعندَ غُروبِها في كلِّ وَقتٍ، كما قالَ الشافِعيُّ (١).
مَنْ يُصلَّى عليه ومَن لا يُصلَّى عليه:
أ- الشَّهيدُ:
اختَلفَ العُلماءُ في حُكمِ الصَّلاةِ على الشَّهيدِ:
فذهَبَ الإمامُ مالِكٌ والشافِعيُّ وأحمدُ في المَشهورِ عنه إلى أنَّه لا يُصلَّى على الشَّهيدِ المَقتولِ في المَعركةِ؛ لِما رَوى جابِرُ بنُ عبدِ اللهِ «أنَّ رَسولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَجمَعُ بينَ الرَّجلَينِ مِنْ قَتلَى أُحدٍ في ثَوبٍ واحِدٍ، ثُم يَقولُ: أَيُّهم أَكثَرُ أَخذًا لِلقُرآنِ؟ فإذا أُشِيرَ له إلى أَحدٍ قدَّمَه في اللَّحدِ، وقالَ: أنا شَهِيدٌ على هَؤلاءِ يَومَ القِيامَةِ، وأمَرَ بِدَفنِهم بدِمَائهِم، ولَم يُصلِّ عليهم، ولَم يُغسَّلُوا» (٢).
ولأنَّ الصَّلاةَ على الميِّتِ شَفاعةٌ له، ودُعاءٌ لتَمحيصِ ذُنوبِه، والشَّهيدُ قد تَطهَّرَ بصِفةِ الشَّهادةِ مِنْ دَنسِ الذُّنوبِ فاستَغنى عن ذلك، كما استَغنى عن الغُسْلِ، ولأنَّ اللهَ ﷾ وصَفَ الشُّهداءَ بأنَّهم أَحياءٌ في كِتابِه، والصَّلاةُ على الميِّتِ لا على الحَيِّ (٣).
(١) «الاستذكار» (٣/ ٤٣، ٤٤)، و «بداية المجتهد» (١/ ٣٣٥).
(٢) حَديثٌ صَحيحٌ: تقدم.
(٣) «الذخيرة» (٢/ ٢٩٧)، و «المجموع» (٦/ ٣٥٨)، و «المغني» (٣/ ٢٩٦)، و «شرح ابن بطال» (٣/ ٣٣٠)، و «فتح الباري» (٣/ ٢٠٩، ٢١٠)، و «بداية المجتهد» و «الإفصاح» (١/ ٢٨٢).
وذهَبَ الإمامُ أبو حَنيفةَ وأحمدُ في رِوايةٍ إلى أنَّه يُصلَّى عليه؛ لِما رَوى عُقبةُ بنُ عامِرٍ الجُهنيُّ: «أنَّ رَسولَ اللَّهِ ﷺ خرَجَ يَوْمًا فصلَّى على أَهْلِ أُحدٍ صَلاتَه على الميِّتِ بعدَ ثمانِي سِنينَ كالمُودِّعِ لِلأَحْياءِ والأَمواتِ» (١).
ولِما رَواه شَدَّادُ بنُ الهادِ: «أنَّ رَجلًا مِنْ الأَعْرابِ جاءَ إلى النَّبيِّ ﷺ فآمَنَ به واتَّبعَه، ثُم قالَ: أُهاجِرُ معَك، فأَوْصى به النَّبيُّ ﷺ بعضَ أَصحابِه، فلمَّا كانَت غَزوةٌ غنِمَ النَّبيُّ ﷺ سَبيًا، فقسَمَ وقسَمَ له فَأَعْطَى أَصحابَهُ ما قَسَمَ له، وكان يَرْعَى ظَهرَهُم، فلمَّا جاءَ دفَعُوه إليه، فقالَ: ما هذا؟ قالوا: قَسْمٌ قسَمَه لكَ النَّبيُّ ﷺ، فأخَذَه فجاءَ به إلى النَّبيِّ ﷺ فقالَ: ما هذا؟ قالَ: قسَمْتُه لكَ. قالَ: ما على هذا اتَّبَعتُك، ولكنِّي اتَّبَعتُك على أنْ أُرمَى إلى ههنا، وأَشارَ إلى حَلقِه، بسَهمٍ، فأَموتَ فأَدخُلَ الجَنةَ، فقالَ: إنْ تَصدُقِ اللَّهَ يَصدُقْكَ، فلَبِثوا قَلِيلًا ثُم نهَضُوا في قِتالِ العَدوِّ، فأتَى به النَّبيَّ ﷺ يُحمَلُ قد أَصابَه سَهمٌ حيثُ أَشارَ، فقالَ النَّبيُّ ﷺ أَهو هو؟ قالوا: نَعم. قالَ: صدَقَ اللَّهَ فصدَقَه، ثُم كفَّنَه النَّبيُّ ﷺ في جُبَّةِ النَّبيِّ ﷺ، ثُم قدَّمَه
(١) رواه البخاري (١٢٧٩)، ومسلم (٢٢٩٦)، وأحمد (٤/ ١٥٤)، وأبو داود (٣٢٢٤)، والزيادة له.
فصَلَّى عليه، فكانَ فِيما ظهَرَ مِنْ صَلاتِه: اللَّهمَّ هذا عَبدُك، خرَجَ مُهاجِرًا في سَبيلِك، فقُتِلَ شَهِيدًا، أنا شَهِيدٌ على ذلك» (١).
ولِما رَوى عبدُ اللهِ بنُ الزُّبيرِ: «أنَّ رَسولَ اللَّهِ ﷺ أمَرَ يَومَ أُحدٍ بحَمْزةَ فسُجِّيَ ببُردِه ثُم صلَّى عليه فكبَّرَ تِسعَ تَكْبيراتٍ، ثُم أَتى بِالقَتلَى يُصفُّونَ ويُصلَّى عليهم وعلَيه معَهم» (٢).
قالوا: ولأنَّ الصَّلاةَ على الميِّتِ لِإظهارِ كَرامَتِه، ولِهذا اختُصَّ بها المُسلِمونَ دونَ الكَفَرةِ، والشَّهيدُ أَوْلى بالكَرامةِ.
قال الكاسانِيُّ رحمة الله عليه: وما ذُكرَ مِنْ حُصولِ الطَّهارةِ بالشَّهادةِ، فالعَبدُ وإنْ جَلَّ قَدْرُه لا يَستَغني عن الدُّعاءِ.
ألَا تَرى أنَّهم صَلَّوا على رَسولِ اللهِ ﷺ، ولا شَكَّ أنَّ دَرَجتَه فوقَ دَرجةِ الشُّهداءِ، وإنَّما وصَفَهم بالحَياةِ في حَقِّ أَحكامِ الآخِرةِ، ألَا تَرى إلى قَولِه ﷾: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩)﴾ [آل عمران: ١٦٩]، فأمَّا في حَقِّ أَحكامِ الدُّنيا فالشَّهيدُ ميِّتٌ يُقسَّمُ مالُه، وتُنكَحُ امرأتُه بعدَ انقِضاءِ العدَّةِ، ووُجوبُ الصَّلاةِ عليه مِنْ أَحكامِ الدُّنيا، فكانَ ميِّتًا فيه، فيُصلَّى عليه، واللهُ ﷾ أعلَمُ بالصَّوابِ، وإليه المَرجعُ والمآبُ (٣).
(١) حَديثٌ صَحيحٌ: رواه النسائي (١٩٥٣).
(٢) حَديثٌ حَسنٌ: أخرجه الطحاوي في «شرح معاني الآثار» (١/ ٥٠٣).
(٣) «بدائع الصنائع» (٢/ ٣٧٦)، وينظر: «مختصر اختلاف العلماء» للطحاوي (١/ ٣٩٦، ٣٩٧)، و «عمدة القاري» (٨/ ١٥٥)، و «المغني» (٣/ ٢٩٦).
ارجع إلى صلاة الجنازة للاطلاع على جميع المسائل.