الإسلام > الجنائز > صلاة الجنازة > التسليم في صلاة الجنازة
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 17 دقيقة قراءةنصَّ عليه واختارَه الخِرقيُّ وابنُ عَقيلٍ وغيرُهما، ونقَلَ جَماعةٌ: يَدعو فيها كالثالِثةِ، اختارَه أبو بَكرٍ والآجُريُّ والمَجدُ في شَرحِه؛ لأنَّ ابنَ أَبي أوْفَى فعَلَه وأخبَرَ أنَّ النَّبيَّ ﷺ فعَلَه، قالَ أحمدُ: هو مِنْ أصلَحِ ما رُويَ، وقالَ: لا أعلَمُ شَيئًا يُخالِفُه.
فيَقولُ: (ربَّنا آتِنا في الدُّنيا حَسنةً وفي الآخِرةِ حَسنةً وقِنا عَذابَ النارِ)، واختارَه جَمعٌ.
وحَكاه ابنُ الزاغونِيِّ عن الأكثَرِ.
وصَحَّ أنَّ أنسًا كانَ لا يَدعو بدُعاءٍ إلا ختَمَه بهذا.
واختارَ أبو بَكرٍ: «اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنا أَجْرَه، ولَا تَفْتِنا بعدَهُ، واغْفِرْ لَنا ولَه»؛ لأنَّه لَائِقٌ بالمحَلِّ (١).
التَّسليمُ في صَلاةِ الجنازةِ:
اختَلفَ أهلُ العِلمِ في التَّسليمِ على الجنازةِ:
فذهَبَ المالِكيةُ والحَنابِلةُ وأكثَرُ أهلِ العِلمِ مِنْ أَصحابِ النَّبيِّ ﷺ وغَيرِهم إلى أنَّ السُّنةَ أنْ يُسلِّمَ تَسليمةً واحِدةً عن يَمينِه؛ لِما رَواه أبو هُريرةَ رضي الله عنه: «أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ صلَّى على جنازةٍ، فكبَّرَ عليها أربَعًا، وسلَّمَ تَسليمةً واحِدةً» (٢).
(١) «كشاف القناع» (٢/ ١١٥)، و «المغني» (٣/ ٢٤٨).
(٢) حَديثٌ حَسنٌ: رواه الدارقطني (١٩١)، والحاكم (١/ ٥١٣)، وعنه البيهقي (٤/ ٤٣).
ولِما رَواه عَطاءُ بنُ السائِبِ: «أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ سلَّمَ على الجنازةِ تَسليمةً واحِدةً» (١).
وحَكاه ابنُ المنذِرِ عن علِيٍّ، وجابِرِ بنِ عبدِ اللهِ، وواثِلةَ بنِ الأسقَعِ، وابنِ أَبي أوْفَى، وأبي هُريرةَ وأبي أُمامةَ سَهلِ بنِ حُنَيفٍ، وأنسٍ، وابنِ عَباسٍ، وابنِ عمرَ (٢).
قال ابنُ المنذِرِ: ولأنَّه الذي عليه أَصحابُ رَسولِ اللهِ ﷺ، وهُم أعلَمُ بالسُّنةِ مِنْ غيرِهم، ولأنَّهم الذين حَضروا صَلاةَ رَسولِ اللهِ ﷺ وحَفِظوا عنه ولَم يختلِفْ ممَّن رَوَينا ذلك عنه منهم على أنَّ التَّسليمَ تَسليمةٌ واحِدةٌ، وقد أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّه يَكونُ بتَسليمةٍ واحِدةٍ خارجًا مِنْ الصَّلاةِ (٣).
وذهَبَ الحَنفيةُ (٤) وبعضُ الحَنابِلةِ إلى أنَّ السُّنةَ أنْ يُسلِّمَ تَسليمتَينِ؛
(١) مرسل: أخرجه أبو داود في «المراسيل» (٤١٨)، والبيهقي (٤٣٤) معلقًا.
(٢) قال الحاكِمُ في «المُستدرَك» (١/ ٥١٣): «قد صَحَّت الرِّوايةُ فيه عن علِيِّ بنِ أبي طالِبٍ وعبدِ اللهِ بنِ عُمرَ وعبدِ اللهِ بنِ عباسٍ وجابِرِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ أبي أوْفَى وأبي هُريرةَ أنَّهم كانوا يُسلِّمون على الجَنازةِ تَسليمةً واحِدةً»، ووافَقهُ الذَّهبيُّ وأسنَدَ البَيهقيُّ أغلَبَ هذه الآثارِ في «السُّننِ» (٤/ ٤٣)، وزادَ فيهم «واثِلةَ بنَ الأسقَعِ وأبا أُمامةَ وغَيرَهم».
(٣) «الأوسط» (٥/ ٤٤٧، ٤٤٨)، و «الشرح الصغير» (١/ ٣٦٣)، و «الاستذكار» (٣/ ٣٢)، و «المدونة الكبرى» (١/ ١٨٩)، و «اختلاف العلماء» للمروزي (١/ ٦٤)، و «المغني» (٣/ ٢٤٩)، و «زاد المعاد» (١/ ٥١٠)، و «بداية المجتهد» (١/ ٣٢٦).
(٤) «عمدة القاري» (٨/ ١٢٣)، و «البدائع» (٢/ ٣٤٤)، و «المبسوط» (٢/ ٦٥)، و «كشاف القناع» (٢/ ١٣٧).
لحَديثِ عبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ رضي الله عنه أنَّه قالَ: «ثَلاثُ خِلالٍ كانَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ يَفعَلُهنَّ، ترَكَهنَّ الناسُ، إحْداهُنَّ التَّسليمُ على الجَنائِزِ، مِثلَ التَّسليمِ في الصَّلاةِ» (١).
ولحَديثِ إِبراهيمَ الهَجَريِّ قالَ: «أمَّنا عبدُ اللهِ بنُ أَبي أوْفَى على جنازةِ ابنَتِه، فمكَثَ ساعةً حتى ظَننَّا أنَّه سيُكبِّرُ خَمسًا، ثم سلَّمَ عن يَمينِه وعن شِمالِه فلمَّا انصَرفَ قُلنا له: ما هذا؟ فقالَ: إنِّي لا أَزيدُكم على ما رَأيتُ رَسولَ اللهِ ﷺ يَصنَعُ، أو هَكذا صنَعَ رَسولُ اللهِ ﷺ» (٢).
أمَّا الشافِعيُّ رحمة الله عليه فقد اختَلفَ النَّقلُ عنه، فقالَ النَّوويُّ رحمة الله عليه: أمَّا صِفةُ السَّلامِ ففيها نصَّانِ للشافِعيِّ هنا: المَشهورُ أنَّه يُستحَبُّ تَسليمتانِ، قالَ الفُورانِيُّ: وهذا نَصُّه في الجامِعِ الكَبيرِ.
وقالَ الشافِعيُّ: تَسليمةٌ واحِدةٌ يَبدأُ بها إلى يَمينِه ويَختِمُها مُلتفِتًا إلى يَسارِه فيُديرُ وَجهَه وهو فيها، هذا نَصُّه، وقيلَ: يأتي بها تِلقاءَ وَجهِه، وهو أشهَرُ (٣).
(١) حَديثٌ حَسنٌ: رواه البيهقي (٤/ ٤٣)، وقال النَّوَويُّ في «المجموع» (٦/ ٣١٨): إسنادُه جَيِّدٌ.
(٢) رَواه البَيهقيُّ (٤/ ٤٣)، وقال الألبانِيُّ في «أحكام الجَنائزِ» (١٩٦): سَنَدُه ضَعيفٌ مِنْ أجلِ الهَجَريِّ.
(٣) «المجموع» (٦/ ٣١٩)، و «الأوسط» (٥/ ٤٤٧).
بداية المجتهد ونهاية المقتصد · ابن رشد الحفيد · كتاب أحكام الميت
الباب الخامس في الصلاة على الجنازة
وَرُوِيَ عَنْهُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ: قَدِّمْهَا بَيْنَ يَدَيْكَ، وَاجْعَلْهَا نُصْبَ عَيْنَيْكَ، فَإِنَّمَا هِيَ مَوْعِظَةٌ وَتَذْكِرَةٌ وَعِبْرَةٌ، وَبِمَا رُوِيَ أَيْضًا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: سَأَلْنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ السَّيْرِ في الْجَنَازَةِ فَقَالَ: «الْجَنَازَةُ مَتْبُوعَةٌ وَلَيْسَتْ بِتَابِعَةٍ، وَلَيْسَ مَعَهَا مَنْ يُقَدِّمُهَا» . وَحَدِيثِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «الرَّاكِبُ يَمْشِي أَمَامَ الْجَنَازَةِ وَالْمَاشِي خَلْفَهَا وَأَمَامَهَا وَعَنْ يَمِينِهَا أو عن يَسَارِهَا قَرِيبًا مِنْهَا» . وَحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَيْضًا فِي الْمَعْنَى قَالَ: «امْشُوا خَلْفَ الْجَنَازَةِ» ، وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ صَارَ إِلَيْهَا الْكُوفِيُّونَ وَهِيَ أَحَادِيثُ يُصَحِّحُونَهَا وَيُضَعِّفُهَا غَيْرُهُمْ.
وَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ الْقِيَامَ إِلَى الْجَنَازَةِ مَنْسُوخٌ بِمَا رَوَى مَالِكٌ مِنْ حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقُومُ فِي الْجَنَائِزِ ثُمَّ جَلَسَ» . وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى وُجُوبِ الْقِيَامِ، وَتَمَسَّكُوا فِي ذَلِكَ بِمَا رُوِيَ مِنْ أَمْرِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْقِيَامِ لَهَا كَحَدِيثِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إِذَا رَأَيْتُمُ الْجَنَائِزَ فَقُومُوا إِلَيْهَا حَتَّى تَخْلُفَكُمْ أَوْ تُوضَعَ» .
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب الجنائز
باب وقت صلاة الجنازة
باب وقت صلاة الجنازة
قال الشافعي رضي الله عنه: " وَيُصَلَّى عَلَى الْجَنَائِزِ فِي كُلِّ وَقْتٍ " .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ، الصَّلَاةُ عَلَى الْمَيِّتِ، لَا يَخْتَصُّ بِهَا وَقْتٌ دُونَ وَقْتٍ، وَلَا تُكْرَهُ فِي وَقْتٍ دُونَ وَقْتٍ، وَيَجُوزُ فِعْلُهَا فِي الْأَوْقَاتِ الْمَنْهِيِّ عَنِ الصَّلَاةِ فِيهَا، وَكَرِهَ أبو حنيفة فِعْلَهَا فِي الْأَوْقَاتِ الْمَنْهِيِّ عَنِ الصَّلَاةِ فِيهَا، بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِ فِي الصَّلَوَاتِ الَّتِي لَهَا أَسْبَابٌ، وَاسْتِدْلَالًا بِرِوَايَةِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنْ نُصَلِّيَ ثَلَاثَ سَاعَاتٍ، وَأَنْ نَقْبُرَ فِيهَا مَوْتَانَا حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ بَازِغَةً حَتَّى تَرْتَفِعَ، وَحِينَ تَقُومُ الظَّهِيرَةُ حَتَّى تَمِيلَ الشَّمْسُ، وَحِينَ تصفر للغروب حتى تغرب ".
قال الماوردي: وَالدَّلَالَةُ عَلَيْهِ مَا قَدَّمْنَاهُ مَعَهُ مِنَ الْكَلَامِ فِي أَصْلِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، ثُمَّ مِنَ الدَّلِيلِ عَلَى عَيْنِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: مَا رُوِيَ أَنَّ عَقِيلَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَاتَ فَصَلَّى عَلَيْهِ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ عِنْدَ اصْفِرَارِ الشَّمْسِ، فَلَمْ يُعْلَمْ أَحَدٌ أَنْكَرَ ذَلِكَ فَكَانَ إِجْمَاعًا، وَلِأَنَّهَا صَلَاةٌ لَهَا سَبَبٌ، فَجَازَ فِعْلُهَا فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ كَالْمَفْرُوضَاتِ، فَأَمَّا حَدِيثُ عُقْبَةَ فَلَا حُجَّةَ فِيهِ، لِأَنَّهُ نَهَى عَنْ قَبْرِ الْمَوْتَى فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ، وَذَلِكَ غَيْرُ مَمْنُوعٍ منه إجماعاً.
مسألة:
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الجنائز
٣٨٩ - مسألة؛ قال: (وإذا حضرت الجنازة وصلاة الفجر، بدئ بالجنازة، وإذا حضرت صلاة المغرب بدئ
ويَحْتَمِلُ أن يُنْبَشَ، إذا كان الكَفَنُ بَاقِيًا بحالِه؛ لِيُرَدَّ إلى مَالِكِه عن مَالِه، وإن كان بَالِيًا فَقِيمَتُه في تَرِكَتِه. فإن دُفِنَ في أرْضِ غَصْبٍ، أو أرْضٍ مُشْتَرَكَةٍ بينه وبينَ غيرِه بغيرِ إذْنِ شَرِيكِه، نُبِشَ وأُخْرِجَ؛ لأنَّ القَبْرَ في الأرْضِ يَدُومُ ضَرَرُه، ويَكْثُرُ، بخِلافِ الكَفَنِ. وإن أذِنَ المالِكُ في الدَّفْنِ في أرْضِه، ثم أرادَ إخْرَاجَهُ، لم يَمْلِكْ ذلك؛ لأنَّ في ذلك ضَرَرًا. وإنْ بَلِىَ المَيِّتُ وعَادَ تُرَابًا، فلِصَاحِبِ الأَرْضِ أَخْذُها، وكُلُّ مَوْضِعٍ أجَزْنَا نَبْشَه لِحُرْمَةِ مِلْكِ الآدمِىِّ، فالمُسْتَحَبُّ تَرْكُه احْتِرَامًا لِلْمَيِّتِ.
٣٨٩ - مسألة؛ قال: (وإذا حَضَرَتِ الْجِنَازَةُ وصَلَاةُ الفَجْرِ، بُدِئَ بالجِنَازَةِ، وَإِذَا حَضَرَتْ صَلَاةُ المَغْرِبِ بُدِئَ بالمَغْرِبِ)
وجُمْلَتُه أنَّه متى حَضَرَتِ الجِنَازَةُ والمَكْتُوَبَةُ بُدِئ بالمَكْتُوبَةِ، إلَّا الفَجْرَ والعَصْرَ؛ لأنَّ ما بَعْدَهما وَقْتٌ نُهِىَ عن الصلاةِ فيه. نَصَّ أحمدُ على نحوٍ من هذا، وهو قولُ ابنِ سِيرِينَ. ويُرْوَى عن مُجَاهِدٍ، والحسنِ، وسَعِيدِ بن المُسَيَّبِ، وقَتَادَةَ، أنَّهم قالوا: يَبْدَأُ بالمَكْتُوبَةِ؛ لأنَّها أهَمُّ وأيْسَرُ، والجِنَازَةُ يَتَطَاوَلُ أمْرُها، والاشْتغالُ بها، فإن قَدَّمَ جميعَ أمْرِها على المَكْتُوبَةِ أفْضَى إلى تَفْوِيتِها، وإن صَلَّى عليها ثم انْتَظَرَ بها فَرَاغَ المَكْتُوبَةِ لم يُفِدْ تَقْدِيمُها شيئًا، إلَّا في الفَجْرِ
والعَصْرِ، فإنَّ تَقْدِيمَ الصَّلَاةِ عليها يُفيد أنَّه يَقَعُ في غيرِ وَقْتِ النَّهْىِ عن الصلاةِ، فيكونُ أوْلَى .
ارجع إلى صلاة الجنازة للاطلاع على جميع المسائل.