الصلاة على الغائب

الإسلام > الجنائز > صلاة الجنازة > الصلاة على الغائب

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 16 دقيقة قراءة

الصلاة على الغائب - الأقوال والأدلة

وقالَ الشافِعيُّ في الجَديدِ مِنْ قَولَيه: الوَليُّ أحَقُّ مِنْ الوَالي.

وقالَ الإمامُ أحمدُ: الأَوْلى الوَصيُّ -أي: الذي أَوصى به الميِّتُ- ثم الوَالي ثم الوَليُّ (١).

الصَّلاةُ على الغائِبِ:

اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ الصَّلاةِ على الغائِبِ بالنِّيةِ.

فذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى جَوازِ الصَّلاةِ على الميِّتِ الغائِبِ عن البَلدِ سَواءٌ كانَ في جِهةِ القِبلةِ أو في غيرِها، ولكنَّ المُصلِّيَ يَستقبِلُ القِبلةَ، ولا فَرقَ بينَ أنْ تَكونَ المَسافةُ بينَ البَلدَينِ قَريبةً أو بَعيدةً على الصَّحيحِ عندَهما، خِلافًا لشَيخِ الإِسلامِ ابنِ تَيميَّةَ حين قالَ: لا بدَّ أنْ يَكونَ الغائِبُ مُنفصِلًا عن البَلَد بما يُعدُّ الذَّهابُ إليه نَوعَ سَفرٍ.

واستَدلُّوا على ذلك بما رَواه أبو هُريرةَ رضي الله عنه: «أنَّ رَسولَ اللهِ نَعى لِلناسِ وهو بالمَدينةِ النَّجاشيَّ صاحِبَ الحَبشةِ في اليَومِ الذي ماتَ فيه، قالَ: إنَّ أخًا لَكم قد ماتَ -وفي رِوايةٍ: ماتَ اليَومَ عبد صالِحٌ بغيرِ أرضِكم- فقُوموا فصلُّوا عليه، قالوا: ومَنْ هو؟ قالَ: النَّجاشيُّ، قالَ: استَغفِروا لِأخيكم، قالَ فخرَجَ بهم إلى المُصلَّى -وفي رِوايةٍ: البَقيعِ- ثم

(١) «الإفصاح» (١/ ٢٧٩)، و «المبسوط» (٢/ ٦٢)، و «البدائع» (٢/ ٣٥٣، ٣٥٥)، و «العناية شرح الهداية» (١/ ٣٣٨)، و «تبين الحقائق» (١/ ٢٣٨، ٢٣٦)، و «حاشية الدسوقي» (١/ ٤٢٧، ٤٢٨)، و «المجموع» (٦/ ٢٨٢، ٢٨٣)، و «المغني» (٣/ ٢٣٧)، و «الأوسط» (٥/ ٣٩٨).

تَقدَّمَ فصَفُّوا خَلفَه صَفَّينِ، قالَ: فصَفَفنا خَلفَه كما يُصَفُّ على الميِّتِ، وصلَّينا عليه كما يُصَلَّى على الميِّتِ، وما تَحسَبُ الجنازةَ إلا مَوضوعةً بينَ يدَيْه، قالَ: فأمَّنا وصلَّى عليه، وكبَّرَ عليه أربَعَ تَكبيراتٍ» (١).

وذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ وأحمَدُ في رِوايةٍ إلى عَدمِ جَوازِ الصَّلاةِ على الغائِبِ، وأنَّ ذلك مَكروهٌ، كما يَنُصُّ المالِكيةُ؛ لأنَّ مِنْ شُروطِ صِحَّةِ صَلاةِ الجنازةِ أنْ يَكونَ الميِّتُ حاضِرًا ومَوضوعًا أمامَ المُصلِّي، وأنْ يَكونَ للقِبلةِ، وهذه الشُّروطُ لا تَتوافرُ في الميِّتِ الغائِبِ؛ ولأنَّه قد تُوفِّيَ خَلقٌ كَثيرونَ على عَهدِ رَسولِ اللهِ مِنْ أعَزِّهم القُرَّاءُ، ولَم يُنقَلْ عنه أنَّه صلَّى عليهم، مع حِرصِه على ذلك، حتى قالَ: «لَا يَموتَنَّ أحَدٌ مِنْكُم إلا آذَنتُمونِي به، فإنَّ صَلاتِي عليه له رَحمَةٌ» (٢).

قالوا: وأمَّا صَلاتُه على النَّجاشيِّ فتلك خُصوصيَّةٌ مِنْ خُصوصياتِه (٣).

(١) حَديثٌ صَحيحٌ: تقدم.
(٢) حَديثٌ صَحيحٌ: رواه النسائي (١/ ٢٨٤)، وابن ماجه (١٥٢٨)، والبيهقي في «الكبرى» (٤/ ٤٨).
(٣) «ابن عابدين» (٢/ ٢٠٨، ٢٠٩)، و «المبسوط» (٢/ ٦٧)، و «البدائع» (٢/ ٣٤٠)، والبيهقي في «الكبرى» (٤/ ٤٨)، و «الاستذكار» (٣/ ٢٧)، و «بداية المجتهد» (١/ ٣٣٤)، و «عمدة القاري» (١/ ٢١، ٢٢)، و «تفسير القرطبي» (٢/ ٨١)، و «شرح ابن بطال» (٣/ ٢٤٤)، و «الشرح الصغير» (١/ ٣٧٢)، و «الفواكه الدواني» (١/ ٢٩٩)، و «المجموع» (٦/ ٣٣٥)، و «روضة الطالبين» (٢/ ١٣٠)، و «المغني» (٣/ ٢٨٥)، و «الإنصاف» (٢/ ٥٣٣)، و «فتح الباري» (٣/ ١٨٩)، و «التحقيق» لابن الجوزي (٢/ ١٤٧)، و «الإفصاح» (١/ ٢٨٠).

أمَّا شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميَّةَ وابنُ القَيمِ فقد فَرَّقا في ذلك:

فقال شَيخُ الإِسلامِ وابنُ القَيمِ -رحمهما الله-: ولَم يَكنْ مِنْ هَديِه الصَّلاةُ على كلِّ ميِّتٍ غائِبٍ، فقد ماتَ خَلقٌ كَثيرٌ مِنْ المسلِمينَ وهُم غُيَّبٌ فلَم يُصلِّ عليهم، وصَحَّ عنه أنَّه صلَّى على النَّجاشيِّ صَلاتَه على الميِّتِ فاختَلفَ الناسُ في ذلك على ثَلاثِ طُرُق:

إِحداها: أنَّ هذا تَشريعٌ منه وسُنةٌ للأُمةِ الصَّلاةُ على كلِّ غائِبٍ، وهذا قَولُ الشافِعيِّ وأحمدَ في إحدى الرِّوايتَينِ عنه.

وقالَ أبو حَنيفةَ ومالِكٌ: هذا خاصٌّ به، وليسَ ذلك لغيرِه.

قال أَصحابُهما: ومِن الجائِزِ أنْ يَكونَ رُفعَ له سَريرُه فصلَّى عليه وهو يَرى صَلاتَه على الحاضِرِ المُشاهَدِ، وإنْ كانَ على مَسافةٍ مِنْ البُعدِ والصَّحابةُ -وإنْ لَم يَروْه- هُمْ تابِعون للنَّبيِّ في الصَّلاةِ.

قالوا: ويَدُلُّ على هذا أنَّه لَم يُنقَلْ عنه أنَّه كانَ يُصلِّي على كلِّ الغائِبِين غيرِه، وتَركُه سُنةٌ كما أنَّ فِعلَه سُنةٌ، ولا سَبيلَ لِأحدٍ بعدَه أنْ يُعايِنَ سَريرَ الميِّتِ مِنْ المَسافةِ البَعيدةِ ويُرفَعَ له حتى يُصلِّيَ عليه، فعُلمَ أنَّ ذلك مَخصوصٌ به .

وقالَ شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميَّةَ: الصَّوابُ أنَّ الغائِبَ إنْ ماتَ ببَلدٍ لَم يُصلَّ عليه فيه صُليَ عليه صَلاةُ الغائِبِ، كما صلَّى النَّبيُّ على النَّجاشيِّ؛ لأنَّه ماتَ بينَ الكُفارِ ولَم يُصلَّ عليه، وإنْ صُلِّيَ عليه حيثُ ماتَ لَم يُصلِّ عليه صَلاةَ الغائِبِ؛ لأنَّ الفَرضَ قد سقَطَ بصَلاةِ المسلِمينَ عليه،

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بداية المجتهد ونهاية المقتصد · ابن رشد الحفيد · كتاب أحكام الميت
الفصل الثالث في وقت الصلاة على الجنازة

وَأَمَّا مَنْ أَوْلَى بِالتَّقْدِيمِ لِلصَّلَاةِ عَلَى الْجَنَازَةِ: فَقِيلَ الْوَلِيُّ وَقِيلَ الْوَالِي. فَمَنْ قَالَ الْوَالِي شَبَّهَهُ بِصَلَاةِ الْجُمُعَةِ مِنْ حَيْثُ هِيَ صَلَاةُ جَمَاعَةٍ، وَمَنْ قَالَ الْوَلِيُّ شَبَّهَهَا بِسَائِرِ الْحُقُوقِ الَّتِي الْوَلِيُّ بِهَا أَحَقُّ، مِثْلُ مُوَارَاتِهِ وَدَفْنِهِ، وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْوَالِيَ بِهَا أَحَقُّ.

قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْمُنْذِرِ: وَقَدَّمَ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ سَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ وَهُوَ وَالِي الْمَدِينَةِ لِيُصَلِّيَ عَلَى الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ وَقَالَ: لَوْلَا أَنَّهَا سُنَّةٌ مَا تَقَدَّمْتَ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَبِهِ أَقُولُ.

وَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهُ لَا يُصَلَّى إِلَّا عَلَى الْحَاضِرِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ يُصَلَّى عَلَى الْغَائِبِ لِحَدِيثِ النَّجَاشِيِّ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ خَاصٌّ بِالنَّجَاشِيِّ وَحْدَهُ.

وَاخْتَلَفُوا هَلْ يُصَلَّى عَلَى بَعْضِ الْجَسَدِ؟ وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ يُصَلَّى عَلَى أَكْثَرِهِ لِتَنَاوُلِ اسْمِ الْمَيِّتِ لَهُ، وَمَنْ قَالَ إنَّهُ يُصَلَّى عَلَى أَقَلِّهِ قَالَ: لِأَنَّ حُرْمَةَ الْبَعْضِ كَحُرْمَةِ الْكُلِّ، لَا سِيَّمَا إِنْ كَانَ ذَلِكَ الْبَعْضُ مَحَلَّ الْحَيَاةِ، وَكَانَ مِمَّنْ يُجِيزُ الصَّلَاةَ عَلَى الْغَائِبِ.

الْفَصْلُ الثَّالِثُ فِي وَقْتِ الصَّلَاةِ عَلَى الْجَنَازَةِ

وَاخْتَلَفُوا فِي الْوَقْتِ الَّذِي تَجُوزُ فِيهِ الصَّلَاةُ عَلَى الْجَنَازَةِ:

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب الجنائز
باب من هو أولى بالصلاة على الميت

بَابُ مَنْ هُوَ أَوْلَى بِالصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ

قال الشافعي رضي الله عنه: " وَالْوَلِيُّ أَحَقُّ بِالصَّلَاةِ مِنَ الْوَالِي لِأَنَّ هَذَا من الأمور الخاصة " .

مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِي الْجَدِيدِ: أَنَّ الْوَلِيَّ الْمُنَاسِبَ أَوْلَى بِالصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ مِنْ وَالِي الْبَلَدِ، وَسُلْطَانِهِ وَقَالَ أبو حنيفة وَالِي الْبَلَدِ وَسُلْطَانُهُ أَوْلَى بِالصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ مِنْ سَائِرِ أَوْلِيَائِهِ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ: اسْتِدْلَالًا بِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " لَا يَؤُمَّنَّ رجلٌ رَجُلًا فِي سُلْطَانِهِ إِلَّا بِإِذْنِهِ " .

وَرُوِيَ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ - عليهما السلام - قَدَّمَ سَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ حَتَّى صَلَّى عَلَى أَخِيهِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ وَقَالَ: " لَوْلَا السُّنَّةُ لَمَا قَدَّمْتُكَ " وَلِأَنَّهَا صَلَاةٌ سُنَّ لَهَا الْجَمَاعَةُ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْوَالِي بِإِقَامَتِهَا أَوْلَى مِنَ الْوَلِيِّ، كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ وَوَجَّهَ فِي الْجَدِيدِ عُمُومَ قوله تعالى: {وَأَولوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ) {الأنفال: ٧٥) وَلِأَنَّهَا مُسْتَحَقَّةٌ بِالنَّسَبِ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْوَلِيُّ أَحَقَّ مِنَ الْوَالِي كَالنِّكَاحِ، وَلِأَنَّ كُلَّ مَنْ تَقَدَّمَ عَلَى غَيْرِهِ فِي النِّكَاحِ تَقَدَّمَ عَلَيْهِ فِي الصَّلَاةِ، كَالْقَرِيبِ عَلَى الْبَعِيدِ، وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ الِاسْتِغْفَارُ وَالتَّرَحُّمُ وَالِاسْتِكْثَارُ مِنَ الدُّعَاءِ.

وَلِهَذَا كَانَ الْأَبُ أَوْلَى مِنْ غَيْرِهِ، لِأَنَّهُ أَشْفَقُ وَأَحْنَى وَأَرَقُّهُمْ عَلَيْهِ، قُلْنَا فَاقْتَضَى أَنْ يَكُونَ الْوَلِيُّ أَوْلَى لِاخْتِصَاصِهِ بِهَذَا الْمَعْنَى.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 313 - 315

ارجع إلى صلاة الجنازة للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 5.8 / 29.5
الإضاءة 34%
البدر بعد 9 يوم
الحمد لله