الصلاة على من قتل في حد

الإسلام > الجنائز > صلاة الجنازة > الصلاة على من قتل في حد

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 13 دقيقة قراءة

الصلاة على من قتل في حد - الأقوال والأدلة

وقالَ أبو حَنيفةَ: لا يُغسَّلونَ ولا يُصلَّى عليهم؛ إهانةً لهم وزَجرًا لغيرِهم عن فِعلِهم، وذلك إذا قُتِلوا في أثناءِ حَربِهم.

أمَّا إذا قُتِلوا بعدَ استِيلاءِ السُّلطةِ الحاكِمةِ عليهم فإنَّهم يُغسَّلون ويُصلَّى عليهم؛ لأنَّ قَتلَهم حينَئذٍ لِكَسرِ شَوكَتِهم، فهو في حُكمِ الحَدِّ فيَعودُ نَفعُه على الجَماعةِ.

قال الوَزيرُ ابنُ هُبيرةَ رحمة الله عليه: وليسَ تَركُ الصَّلاةِ على هؤلاء -عندَ أَبي حَنيفةَ- مما له مُناسَبةٌ بتَركِ الصَّلاةِ على الشُّهداءِ؛ فإنَّ ذلك لتَشريفِهم، وهؤلاء تُركَت الصَّلاةُ عليهم عُقوبةً لهم، وزَجرًا لأمثالهم (١).

الصَّلاةُ على مَنْ قُتلَ في حَدٍّ:

ذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ مَنْ قُتلَ في حَدٍّ مِنْ حُدودِ اللهِ كحَدِّ الزِّنا أو قِصاصٍ فإنَّه يُغسَّلُ ويُصلَّى عليه؛ لأنَّه بذَلَ نَفسَه لإيفاءِ حَقٍّ مُستحَقٍّ عليه، ولأنَّه لَم يُقتلْ ظُلمًا.

ولحَديثِ عِمرانَ بنِ حُصينٍ رضي الله عنه قالَ: «إنَّ امْرأَةً مِنْ جُهينَةَ أتَتْ نَبيَّ اللَّهِ وهي حُبلَى مِنْ الزِّنا فقالَت: يا نَبيَّ اللَّهِ، أصَبْتُ حَدًّا فأَقِمْه علَيَّ، فدَعا نَبِيُّ اللَّهِ وَلِيَّها، فقالَ: أَحسِنْ إِلَيها، فإذا وضَعَت فأْتِني بها، ففَعَل، فأمَرَ بها نَبيُّ اللَّهِ فشُكَّت عليها ثِيابُها

(١) «الإفصاح» (١/ ٢٨٣)، وانظر: «الإشراف» (١/ ١٥٠)، و «ابن عابدين» (٢/ ٢١٠)، و «بداية المبتدي» (١/ ٣١)، و «الهداية شرح البداية» (١/ ٩٥)، و «العناية شرح الهداية» (٣/ ٣٥)، و «المجموع» (٦/ ٣٦٤)، و «المغني» (٣/ ٤١٩).

ثُم أمَرَ بها فرُجِمَت، ثُم صلَّى عليها، فقالَ له عمرُ: تُصلِّي عليها يا نَبيَّ اللَّهِ وقد زَنَت؟ فقالَ: لقد تابَتْ تَوبَةً لو قُسمَت بينَ سَبعِينَ مِنْ أَهلِ المَدينَةِ لَوسِعَتْهُم، وهَلْ وجَدْتَ تَوْبةً أَفضَلَ مِنْ أَنْ جادَتْ بنَفْسِها للَّهِ تعالَى» (١).

قال الإمامُ أحمدُ رحمة الله عليه: مَنِ استقبَلَ قِبلتَنا وصلَّى بصَلاتِنا نُصلِّي عليه ونَدفِنُه، ويُصلَّى على وَلدِ الزِّنا والزانِيةِ، والذي يُقادُ منه بالقِصاصِ أو يُقتَلُ في حَدٍّ، وسُئلَ عمَّن لا يُعطي زَكاةَ مالِه؟ فقالَ: يُصلَّى عليه، ما يُعلَمُ أنَّ رَسولَ اللهِ ترَكَ الصَّلاةَ على أحَدٍ إلا على قاتِلِ نَفْسِه والغالِّ (٢).

وقالَ الإمامُ مالِكٌ رحمة الله عليه: لا يُصلِّي الإمامُ على مَنْ قُتلَ في حَدٍّ، وتُصلِّي عليه الرَّعيةُ؛ لأنَّ أبا بَرزةَ الأسلَميَّ قالَ: «إنَّ رَسولَ اللَّهِ لَم يُصلِّ على ماعِزِ بنِ مالكٍ، ولَم يَنهَ عنِ الصَّلاةِ عليه» (٣).

(١) رواه مسلم (١٦٩٦).
(٢) «المغني» (٣/ ٣١٩)، وانظر: «منح الجليل» (١/ ٥١٤)، و «بلغة السالك» (٤/ ٢٦٢)، و «العناية شرح الهداية» (٣/ ٣٥)، و «الجوهرة النيرة» (١/ ٤٣٨)، و «الهداية شرح البداية» (١/ ٩٥)، و «المجموع» (٦/ ٣٦٤)، و «الإفصاح» (١/ ٢٨١)، و «الأوسط» (٥/ ٤٠٦، ٤٠٨)، و «الإنصاف» (٢/ ٥٣٥)، و «نيل الأوطار» (٤/ ٨٥).
(٣) تقدم.

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بداية المجتهد ونهاية المقتصد · ابن رشد الحفيد · كتاب أحكام الميت
الباب الخامس في الصلاة على الجنازة

وَرُوِيَ عَنْهُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ: قَدِّمْهَا بَيْنَ يَدَيْكَ، وَاجْعَلْهَا نُصْبَ عَيْنَيْكَ، فَإِنَّمَا هِيَ مَوْعِظَةٌ وَتَذْكِرَةٌ وَعِبْرَةٌ، وَبِمَا رُوِيَ أَيْضًا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: سَأَلْنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ السَّيْرِ في الْجَنَازَةِ فَقَالَ: «الْجَنَازَةُ مَتْبُوعَةٌ وَلَيْسَتْ بِتَابِعَةٍ، وَلَيْسَ مَعَهَا مَنْ يُقَدِّمُهَا» . وَحَدِيثِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «الرَّاكِبُ يَمْشِي أَمَامَ الْجَنَازَةِ وَالْمَاشِي خَلْفَهَا وَأَمَامَهَا وَعَنْ يَمِينِهَا أو عن يَسَارِهَا قَرِيبًا مِنْهَا» . وَحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَيْضًا فِي الْمَعْنَى قَالَ: «امْشُوا خَلْفَ الْجَنَازَةِ» ، وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ صَارَ إِلَيْهَا الْكُوفِيُّونَ وَهِيَ أَحَادِيثُ يُصَحِّحُونَهَا وَيُضَعِّفُهَا غَيْرُهُمْ.

وَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ الْقِيَامَ إِلَى الْجَنَازَةِ مَنْسُوخٌ بِمَا رَوَى مَالِكٌ مِنْ حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقُومُ فِي الْجَنَائِزِ ثُمَّ جَلَسَ» . وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى وُجُوبِ الْقِيَامِ، وَتَمَسَّكُوا فِي ذَلِكَ بِمَا رُوِيَ مِنْ أَمْرِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْقِيَامِ لَهَا كَحَدِيثِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إِذَا رَأَيْتُمُ الْجَنَائِزَ فَقُومُوا إِلَيْهَا حَتَّى تَخْلُفَكُمْ أَوْ تُوضَعَ» .

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب الجنائز
باب من هو أولى بالصلاة على الميت

بَابُ مَنْ هُوَ أَوْلَى بِالصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ

قال الشافعي رضي الله عنه: " وَالْوَلِيُّ أَحَقُّ بِالصَّلَاةِ مِنَ الْوَالِي لِأَنَّ هَذَا من الأمور الخاصة " .

مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِي الْجَدِيدِ: أَنَّ الْوَلِيَّ الْمُنَاسِبَ أَوْلَى بِالصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ مِنْ وَالِي الْبَلَدِ، وَسُلْطَانِهِ وَقَالَ أبو حنيفة وَالِي الْبَلَدِ وَسُلْطَانُهُ أَوْلَى بِالصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ مِنْ سَائِرِ أَوْلِيَائِهِ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ: اسْتِدْلَالًا بِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " لَا يَؤُمَّنَّ رجلٌ رَجُلًا فِي سُلْطَانِهِ إِلَّا بِإِذْنِهِ " .

وَرُوِيَ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ - عليهما السلام - قَدَّمَ سَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ حَتَّى صَلَّى عَلَى أَخِيهِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ وَقَالَ: " لَوْلَا السُّنَّةُ لَمَا قَدَّمْتُكَ " وَلِأَنَّهَا صَلَاةٌ سُنَّ لَهَا الْجَمَاعَةُ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْوَالِي بِإِقَامَتِهَا أَوْلَى مِنَ الْوَلِيِّ، كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ وَوَجَّهَ فِي الْجَدِيدِ عُمُومَ قوله تعالى: {وَأَولوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ) {الأنفال: ٧٥) وَلِأَنَّهَا مُسْتَحَقَّةٌ بِالنَّسَبِ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْوَلِيُّ أَحَقَّ مِنَ الْوَالِي كَالنِّكَاحِ، وَلِأَنَّ كُلَّ مَنْ تَقَدَّمَ عَلَى غَيْرِهِ فِي النِّكَاحِ تَقَدَّمَ عَلَيْهِ فِي الصَّلَاةِ، كَالْقَرِيبِ عَلَى الْبَعِيدِ، وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ الِاسْتِغْفَارُ وَالتَّرَحُّمُ وَالِاسْتِكْثَارُ مِنَ الدُّعَاءِ.

وَلِهَذَا كَانَ الْأَبُ أَوْلَى مِنْ غَيْرِهِ، لِأَنَّهُ أَشْفَقُ وَأَحْنَى وَأَرَقُّهُمْ عَلَيْهِ، قُلْنَا فَاقْتَضَى أَنْ يَكُونَ الْوَلِيُّ أَوْلَى لِاخْتِصَاصِهِ بِهَذَا الْمَعْنَى.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 323 - 324

ارجع إلى صلاة الجنازة للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 3 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 25%
البدر بعد 10 يوم
لا إله إلا الله