الإسلام > الجنائز > صلاة الجنازة > صلاة الجنازة في أوقات النهي
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 15 دقيقة قراءةوالنَّبيُّ ﷺ صلَّى على الغائِبِ وترَكَه، وفِعلُه وتَركُه سُنةٌ، وهذا له مَوضِعٌ وهذا له مَوضِعٌ، واللهُ ﷾ أعلَمُ.
والأَقوالُ الثَّلاثةُ في مَذهبِ أحمدَ، وأصَحُّها هذا التَّفصيلُ، والمَشهورُ عندَ أَصحابِه الصَّلاةُ عليه مُطلَقًا (١).
وإلى هذا التَّفصيلِ ذهَبَ بعضُ المُحقِّقين مِنْ الشافِعيةِ كالخَطابيِّ والرُّويانِيِّ رحِمَهما اللهُ ﷾ (٢).
صَلاةُ الجنازةِ في أَوقاتِ النَّهيِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ الصَّلاةِ على الجنازةِ عندَ طُلوعِ الشَّمسِ، وعندَ الزَّوالِ وعندَ غُروبِ الشَّمسِ.
فذهَبَ أبو حَنيفةَ وأحمدُ في المَشهورِ عنه إلى أنَّه تُكرهُ الصَّلاةُ على الميِّتِ في هذه الأَوقاتِ؛ لحَديثِ عُقبةَ بنِ عامِرٍ قالَ: «ثَلاثُ ساعاتٍ كانَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ يَنْهانا أنْ نُصلِّيَ فِيهنَّ أو أَنْ نَقبُرَ فِيهنَّ مَوْتانا: حينَ تَطلُعُ الشَّمسُ بازِغَةً حتى تَرتَفعَ، وحينَ يَقُومُ قائِمُ الظَّهيرَةِ حتى تَمِيلَ الشَّمسُ، وحينَ تَضيَّفُ الشَّمسُ للغُروبِ حتى تَغرُبَ» (٣).
ومَعنى «تَضيَّفُ»: أي تَجنَحُ وتَميلُ للغُروبِ مِنْ قَولِك: تَضيَّفتُ فُلانًا، إذا مِلتُ إليه، وقد صرَّحَ الحَنفيةُ بأنَّ الكَراهةَ ههنا تَحريميَّةٌ، ولا تُكرهُ في غيرِها مِنْ الأَوقاتِ.
(١) «زاد المعاد» (١/ ٥٢٠، ٥٢١).
(٢) «عمدة القاري» (٨/ ٢١، ١١٩)، و «عون المعبود» (٩/ ١٥).
(٣) رواه مسلم (٨٣١).
قال ابنُ المُبارَكِ: مَعنى «نَقبُرَ فيهن مَوتانا»: يَعني الصَّلاةَ على الجنازةِ (١).
وقالَ الشافِعيُّ وأحمدُ في رِوايةٍ: تَجوزُ الصَّلاةُ في كلِّ الأَوقاتِ، ولا تُكرهُ في أَوقاتِ النَّهيِ؛ لأنَّها صَلاةٌ ذاتُ سَببٍ.
قال النَّوويُّ: قالَ أَصحابُنا: لكنْ يُكرهُ أنْ يَتحرَّى صَلاتَها في هذه الأَوقاتِ، بخِلافِ ما إذا حصَلَ ذلك اتِّفاقًا (٢).
أمَّا الإمامُ مالِكٌ فقالَ في رِوايةِ ابنِ القاسِمِ عنه: لا بأسَ بالصَّلاةِ على الجَنائِزِ بعدَ العَصرِ ما لَم تَصفَرَّ الشَّمسُ، فإذا اصفَرَّت لَم يُصلَّ عليها إلا أنْ يَكونَ يَخافُ تَغيُّرَها، فإنْ خِيفَ ذلك صُلِّيَ عليها.
قال: ولا بأسَ بالصَّلاةِ على الجَنائزِ بعدَ الصُّبحِ ما لَم يُسفِرْ، فإذا أسفَرَ فلا تُصلُّوا إلا أنْ يَخافوا عليها.
(١) «بدائع الصنائع» (٢/ ٣٥٣)، و «البحر الرائق» (١/ ٢٦٢)، و «المبسوط» (٢/ ٦٨)، و «عمدة القاري» (١/ ١٢٤)، و «الأوسط» (٥/ ٣٩٥)، و «المغني» (٣/ ٣١٥)، و «كشاف القناع» (٢/ ١٢٨)، و «التحقيق» (٢/ ١٣).
(٢) «المجموع» (٦/ ٢٧٥)، و «روضة الطالبين» (٢/ ١٤٣)، وقال في «شرح مسلم» (١/ ١١٤): قال بَعضُهم إنَّ المُرادَ بالقَبرِ صَلاةُ الجَنازةِ، وهذا ضَعيفٌ؛ لأنَّ صَلاةَ الجَنازةِ لا تُكرهُ في هذا الوَقتِ بالإجماعِ، فلا يَجوزُ تَفسيرُ الحَديثِ بما يُخالِفُ الإجماعَ، بل الصَّوابُ أنَّ مَعناه تَعمُّدُ تَأخيرِ الدَّفنِ إلى هذه الأوقاتِ، كما يُكرهُ تَعمُّدُ تأخيرِ العَصرِ إلى اصفِرارِ الشَّمسِ بلا عُذرٍ، فأمَّا إذا وقَع الدَّفنُ في هذه الأوقاتِ بلا تَعمُّدٍ فلا يُكرهُ.
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب الجنائز
باب وقت صلاة الجنازة
باب وقت صلاة الجنازة
قال الشافعي رضي الله عنه: " وَيُصَلَّى عَلَى الْجَنَائِزِ فِي كُلِّ وَقْتٍ " .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ، الصَّلَاةُ عَلَى الْمَيِّتِ، لَا يَخْتَصُّ بِهَا وَقْتٌ دُونَ وَقْتٍ، وَلَا تُكْرَهُ فِي وَقْتٍ دُونَ وَقْتٍ، وَيَجُوزُ فِعْلُهَا فِي الْأَوْقَاتِ الْمَنْهِيِّ عَنِ الصَّلَاةِ فِيهَا، وَكَرِهَ أبو حنيفة فِعْلَهَا فِي الْأَوْقَاتِ الْمَنْهِيِّ عَنِ الصَّلَاةِ فِيهَا، بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِ فِي الصَّلَوَاتِ الَّتِي لَهَا أَسْبَابٌ، وَاسْتِدْلَالًا بِرِوَايَةِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنْ نُصَلِّيَ ثَلَاثَ سَاعَاتٍ، وَأَنْ نَقْبُرَ فِيهَا مَوْتَانَا حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ بَازِغَةً حَتَّى تَرْتَفِعَ، وَحِينَ تَقُومُ الظَّهِيرَةُ حَتَّى تَمِيلَ الشَّمْسُ، وَحِينَ تصفر للغروب حتى تغرب ".
قال الماوردي: وَالدَّلَالَةُ عَلَيْهِ مَا قَدَّمْنَاهُ مَعَهُ مِنَ الْكَلَامِ فِي أَصْلِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، ثُمَّ مِنَ الدَّلِيلِ عَلَى عَيْنِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: مَا رُوِيَ أَنَّ عَقِيلَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَاتَ فَصَلَّى عَلَيْهِ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ عِنْدَ اصْفِرَارِ الشَّمْسِ، فَلَمْ يُعْلَمْ أَحَدٌ أَنْكَرَ ذَلِكَ فَكَانَ إِجْمَاعًا، وَلِأَنَّهَا صَلَاةٌ لَهَا سَبَبٌ، فَجَازَ فِعْلُهَا فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ كَالْمَفْرُوضَاتِ، فَأَمَّا حَدِيثُ عُقْبَةَ فَلَا حُجَّةَ فِيهِ، لِأَنَّهُ نَهَى عَنْ قَبْرِ الْمَوْتَى فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ، وَذَلِكَ غَيْرُ مَمْنُوعٍ منه إجماعاً.
مسألة:
بداية المجتهد ونهاية المقتصد · ابن رشد الحفيد · كتاب أحكام الميت
الفصل الثالث في وقت الصلاة على الجنازة
وَأَمَّا مَنْ أَوْلَى بِالتَّقْدِيمِ لِلصَّلَاةِ عَلَى الْجَنَازَةِ: فَقِيلَ الْوَلِيُّ وَقِيلَ الْوَالِي. فَمَنْ قَالَ الْوَالِي شَبَّهَهُ بِصَلَاةِ الْجُمُعَةِ مِنْ حَيْثُ هِيَ صَلَاةُ جَمَاعَةٍ، وَمَنْ قَالَ الْوَلِيُّ شَبَّهَهَا بِسَائِرِ الْحُقُوقِ الَّتِي الْوَلِيُّ بِهَا أَحَقُّ، مِثْلُ مُوَارَاتِهِ وَدَفْنِهِ، وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْوَالِيَ بِهَا أَحَقُّ.
قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْمُنْذِرِ: وَقَدَّمَ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ سَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ وَهُوَ وَالِي الْمَدِينَةِ لِيُصَلِّيَ عَلَى الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ وَقَالَ: لَوْلَا أَنَّهَا سُنَّةٌ مَا تَقَدَّمْتَ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَبِهِ أَقُولُ.
وَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهُ لَا يُصَلَّى إِلَّا عَلَى الْحَاضِرِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ يُصَلَّى عَلَى الْغَائِبِ لِحَدِيثِ النَّجَاشِيِّ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ خَاصٌّ بِالنَّجَاشِيِّ وَحْدَهُ.
وَاخْتَلَفُوا هَلْ يُصَلَّى عَلَى بَعْضِ الْجَسَدِ؟ وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ يُصَلَّى عَلَى أَكْثَرِهِ لِتَنَاوُلِ اسْمِ الْمَيِّتِ لَهُ، وَمَنْ قَالَ إنَّهُ يُصَلَّى عَلَى أَقَلِّهِ قَالَ: لِأَنَّ حُرْمَةَ الْبَعْضِ كَحُرْمَةِ الْكُلِّ، لَا سِيَّمَا إِنْ كَانَ ذَلِكَ الْبَعْضُ مَحَلَّ الْحَيَاةِ، وَكَانَ مِمَّنْ يُجِيزُ الصَّلَاةَ عَلَى الْغَائِبِ.
الْفَصْلُ الثَّالِثُ فِي وَقْتِ الصَّلَاةِ عَلَى الْجَنَازَةِ
وَاخْتَلَفُوا فِي الْوَقْتِ الَّذِي تَجُوزُ فِيهِ الصَّلَاةُ عَلَى الْجَنَازَةِ:
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الجنائز
٣٨٩ - مسألة؛ قال: (وإذا حضرت الجنازة وصلاة الفجر، بدئ بالجنازة، وإذا حضرت صلاة المغرب بدئ
ويَحْتَمِلُ أن يُنْبَشَ، إذا كان الكَفَنُ بَاقِيًا بحالِه؛ لِيُرَدَّ إلى مَالِكِه عن مَالِه، وإن كان بَالِيًا فَقِيمَتُه في تَرِكَتِه. فإن دُفِنَ في أرْضِ غَصْبٍ، أو أرْضٍ مُشْتَرَكَةٍ بينه وبينَ غيرِه بغيرِ إذْنِ شَرِيكِه، نُبِشَ وأُخْرِجَ؛ لأنَّ القَبْرَ في الأرْضِ يَدُومُ ضَرَرُه، ويَكْثُرُ، بخِلافِ الكَفَنِ. وإن أذِنَ المالِكُ في الدَّفْنِ في أرْضِه، ثم أرادَ إخْرَاجَهُ، لم يَمْلِكْ ذلك؛ لأنَّ في ذلك ضَرَرًا. وإنْ بَلِىَ المَيِّتُ وعَادَ تُرَابًا، فلِصَاحِبِ الأَرْضِ أَخْذُها، وكُلُّ مَوْضِعٍ أجَزْنَا نَبْشَه لِحُرْمَةِ مِلْكِ الآدمِىِّ، فالمُسْتَحَبُّ تَرْكُه احْتِرَامًا لِلْمَيِّتِ.
٣٨٩ - مسألة؛ قال: (وإذا حَضَرَتِ الْجِنَازَةُ وصَلَاةُ الفَجْرِ، بُدِئَ بالجِنَازَةِ، وَإِذَا حَضَرَتْ صَلَاةُ المَغْرِبِ بُدِئَ بالمَغْرِبِ)
وجُمْلَتُه أنَّه متى حَضَرَتِ الجِنَازَةُ والمَكْتُوَبَةُ بُدِئ بالمَكْتُوبَةِ، إلَّا الفَجْرَ والعَصْرَ؛ لأنَّ ما بَعْدَهما وَقْتٌ نُهِىَ عن الصلاةِ فيه. نَصَّ أحمدُ على نحوٍ من هذا، وهو قولُ ابنِ سِيرِينَ. ويُرْوَى عن مُجَاهِدٍ، والحسنِ، وسَعِيدِ بن المُسَيَّبِ، وقَتَادَةَ، أنَّهم قالوا: يَبْدَأُ بالمَكْتُوبَةِ؛ لأنَّها أهَمُّ وأيْسَرُ، والجِنَازَةُ يَتَطَاوَلُ أمْرُها، والاشْتغالُ بها، فإن قَدَّمَ جميعَ أمْرِها على المَكْتُوبَةِ أفْضَى إلى تَفْوِيتِها، وإن صَلَّى عليها ثم انْتَظَرَ بها فَرَاغَ المَكْتُوبَةِ لم يُفِدْ تَقْدِيمُها شيئًا، إلَّا في الفَجْرِ
والعَصْرِ، فإنَّ تَقْدِيمَ الصَّلَاةِ عليها يُفيد أنَّه يَقَعُ في غيرِ وَقْتِ النَّهْىِ عن الصلاةِ، فيكونُ أوْلَى .
ارجع إلى صلاة الجنازة للاطلاع على جميع المسائل.