الإسلام > الجنايات والحدود > أحكام الأسرى > حكم الأسير إذا أسلم ونطق الشهادتين
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 14 دقيقة قراءةحُكمُ الأسيرِ إذا أسلَمَ ونطَق الشَّهادتَينِ:
قالَ الحافِظُ ابنُ حَجرٍ رحمة الله عليه: لو أسلَمَ الأسيرُ زالَ القَتلُ اتِّفاقًا (١).
رَوى البُخاريُّ ومُسلِمٌ عن أبي ظِبْيانَ قالَ: سَمِعتُ أُسامةَ بنَ زَيدِ بنِ حارِثةَ يُحدِّثُ قالَ: بعَثَنا رَسولُ اللهِ ﷺ إلى الحُرَقةِ مِنْ جُهَينةَ فصَبَّحنا القَومَ فهزَمْناهم، ولَحِقتُ أنا ورَجلٌ مِنْ الأنصارِ رَجلًا منهم فلمَّا غَشَيناهُ قالَ: لا إلهَ إلَّا اللَّهُ، فكَفَّ عَنه الأنصاريَّ وطعَنتُه برُمحي حتى قتَلتُه. قالَ فلمَّا قدِمْنا بلَغ ذلك النَّبيَّ ﷺ فقالَ لي: «يا أُسامةُ، أقتَلتَه بعدَما قالَ: لا إلهَ إلَّا اللَّهُ؟»، قالَ: قُلتُ: يا رَسولَ اللَّهِ، إنَّما كانَ مُتعوِّذًا، قالَ: فقالَ: «أقتَلتَه بعدَما قالَ: لا إلهَ إلَّا اللَّهُ؟»، قالَ: فما زال يُكرِّرُها علَيَّ حتى تَمنَّيتُ أنِّي لم أكُنْ أسلَمتُ قبلَ ذلك اليَومِ (٢).
قالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ رحمة الله عليه: ولا خِلافَ بينَ المُسلِمينَ أنَّ الحَربيَّ إذا أسلَمَ عندَ رُؤيةِ السَّيفِ وهو مُطلَقٌ أو مُقيَّدٌ يَصحُّ إسلامُه وتُقبَلُ تَوبَتُه من الكُفرِ، وإنْ كانَت دِلالةُ الحالِ تَقضي أنَّ باطِنَه بخِلافِ ظاهِرِه.
وأيضًا فإنَّ النَّبيَّ ﷺ كانَ يَقبَلُ من المُنافِقينَ عَلانيَتَهم ويَكِلُ سَرائرَهم إلى اللهِ ﷾ مع إخبارِ اللهِ ﷾ له أنَّهم ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً﴾ [المجادلة ﴿١٦] وأنَّهم ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا
(١) «فتح الباري» (٦/ ١٥٢)
(٢) رواه البخاري (٤٢٦٩)، ومسلم (٢٨٨).
كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا﴾ [التوبة: ٧٤] فعُلمَ أنَّ مَنْ أظهَرَ الإسلامَ والتَّوبةَ من الكُفرِ قُبِل ذلك منه (١).
ثم اختَلفَ الفُقهاءُ في الأسيرِ إذا أسلَمَ هل يَصيرُ رَقيقًا في الحالِ ويَزولُ التَّخييرُ فيه ويَصيرُ حُكمُه حُكمَ النِّساءِ والصِّبيانِ أو يَسقُطُ القَتلُ ويَتخيَّرُ فيه الإمامُ بينَ الخِصالِ الباقيةِ؟
فذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيُّ في أحَدِ قَولَيه وأحمدُ في رِوايةٍ إلى أنَّه يَصيرُ رَقيقًا في الحالِ ويَزولُ عنه التَّخييرُ ويَكونُ حُكمُه حُكمَ النِّساءِ والصِّبيانِ (٢).
قالَ الحَنفيةُ: فإنْ أسلَمَ الأسيرُ قبلَ أنْ يُقسِّمَ حرُمَ دَمُه وقُسِّمَ في الغَنيمةِ؛ لأنَّ القَتلَ عُقوبةٌ على الكُفرِ، فيَرتفِعُ بالإسلامِ، وأمَّا القِسمةُ فلأنَّ الإسلامَ لا يُنافي الاستِرقاقَ، ولا يَجوزُ أنْ يَرُدَّهم إلى دارِ الحَربِ؛ لأنَّ في ذلك تَقويةً لهم على المُسلِمينَ؛ فإنْ أسلَموا لا يَقتُلُهم، وله أنْ يَسترِقَّهم تَوفيرًا للمَنفَعةِ بعدَ انعِقادِ السَّببِ وهو الأخذُ، بخِلافِ إسلامِهم قبلَ الأخذِ؛ لأنَّه لم يَنعقِدِ السَّببُ بَعدُ (٣).
قالَ الكاسانِيُّ رحمة الله عليه: لو أسلَمَ الأسيرُ في دارِ الحَربِ لا يَكونُ حُرًّا، ويَدخُلُ في القِسمةِ؛ لتَعلُّقِ حقِّ الغانِمينَ به بالأخْذِ نَفسِه والاستِيلاءِ نَفسِه، فاعتِراضُ الإسلامِ عليه لا يُبطِلُه بخِلافِ ما إذا أسلَمَ قبلَ الأسرِ يَكونُ حُرًّا،
(١) «الصارم المسلول» (٣/ ٦١٨).
(٢) «المغني» (٩/ ١٨٠)، و «شرح الزركشي» (٣/ ١٧٨)، و «الإنصاف» (٤/ ١٣٣).
(٣) «الجوهرة النيرة» (٢/ ٣٦٣)، و «الهداية شرح البداية» (٢/ ١٤١).
ولا يَدخلُ في القِسمةِ؛ لأنَّه عندَ الأخذِ والأسرِ لمْ يَتعلَّقْ به حقُّ أحَدٍ، فكانَ الإسلامُ دافِعًا الحَقَّ، لا رافِعًا إيَّاه على ما بيَّنَّا (١).
وقالَ الزَّركشيُّ رحمة الله عليه: إذا أسلَمَ الأسيرُ تَعيَّنَ رِقُّه، نَصَّ عليه أحمدُ وعليه الأصحابُ؛ لأنَّه أسيرٌ يَحرُمُ قَتلُه أشبَهَ المَرأةَ، وقالَ أبو مُحمدٍ في الكافي: يَسقُطُ القَتلُ ويُخيَّرُ فيه بينَ الثَّلاثةِ الأُخَرِ؛ لأنَّ القَتلَ امتنَعَ لمانِعٍ (٢).
وذهَبَ الشافِعيةُ في الأظهَرِ وهو قَولٌ للحَنابِلةِ -قالَ في «الإنصافِ»: هو المَذهبُ، ورجَّحَه ابنُ قُدامةَ- إلى أنَّ الإمامَ مُخيَّرٌ فيه بينَ سائرِ الخِصالِ، وهو ما يُفهَمُ من كَلامِ المالِكيةِ؛ فإنَّهم قالُوا: إنَّ الإمامَ مُخيَّرٌ في الأسيرِ الكافِرِ بينَ المَنِّ والفِداءِ والاستِرقاقِ ودَفعِ الجِزيةِ، فالمُسلِمُ من بابِ أوْلى يَتخيَّرُ فيه، لكنْ لا يَدفَعُ الجِزيةَ؛ لأنَّ الجِزيةَ لا تُفرَضَ على مُسلمٍ إجماعًا (٣).
قالَ الإمامُ النَّوويُّ رحمة الله عليه: إذا أسلَمَ الأسيرُ وهو رَجلٌ حُرٌّ مُكلَّفٌ قبلَ أنْ يَختارَ الإمامُ فيه شَيئًا عُصِمَ دَمُه، وهل يَصيرُ رَقيقًا بالإسلامِ؟ فيه طَريقان: أصَحُّهما: على قَولَينِ: أحدُهما: نَعمْ؛ لأنَّه أسيرٌ مُحرَّمُ القَتلِ فأشبَهَ الصَّبيَّ، وأظهَرُهما: لا يُرَقُّ، بل للإِمامِ أنْ يستَرِقَّه أو يَمُنَّ أو يُفاديَ، والطَّريقُ الأُخرى: القَطعُ بالتَّخييرِ؛ لأنَّه كانَ ثابِتًا، فلا يَزولُ؛
(١) «بدائع الصنائع» (٧/ ١٢٢).
(٢) «شرح الزركشي» (٣/ ١٧٨)، و «الإنصاف» (٤/ ١٣٣).
(٣) «بداية المجتهد» (١/ ٧٩)، و «تفسير القرطبي» (٦/ ٢٢٧)، و «الذخيرة» (٣/ ٤١٥)، و «التاج والإكليل» (٣/ ٣٥٨).
فإنِ اختارَ الفِداءَ فشَرطُه أنْ يَكونَ له فيهم عِزٌّ أو عَشيرةٌ يُسلِّمُ بها دِيَتَه ونَفسَه، وسَواءٌ قُلنا: يَرِقُّ أو يَجوزُ إرقاقُه فأرَقَّه كانَ غَنيمةً، وكذا لو فاداه بمالٍ كانَ غَنيمةً، ولو أسلَمَ قبلَ أسرِه والظَّفرِ به عُصمَ دَمُه ومالُه، سَواءٌ أسلَمَ وهو مَحصورٌ، وقد قرُبَ الفَتحُ أو أسلَمَ في حالِ أمْنِه، وسَواءٌ أسلَم في دارِ الحَربِ أو الإسلامِ، ويُعصَمُ أيضًا أولادُه الصِّغارُ عن السَّبيِ، ويُحكَمَ بإسلامِهم تَبعًا له (١).
وقالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: وإنْ أسلَمَ الأسيرُ صارَ رَقيقًا في الحالِ وزالَ التَّخييرُ وصارَ حُكمُه حُكمَ النِّساءِ، وبه قالَ الشافِعيُّ في أحَدِ قَولَيه.
وفي الآخَرِ: يَسقُطُ القَتلُ ويَتخيَّرُ بينَ الخِصالِ الثَّلاثِ؛ لما رُويَ: أنَّ أصحابَ رَسولِ اللهِ ﷺ أسَروا رَجلًا مِنْ بَني عَقيلٍ، فمَرَّ به النَّبيُّ ﷺ فَقالَ: يا مُحمدُ، عَلامَ أُخِذتُ وأخَذتَ سابِقةَ الحاجِّ، فقالَ: أُخِذتَ بجَريرةِ حُلَفائِك مِنْ ثَقيفٍ، فقد أسَرتَ رَجلَينِ مِنْ أصحابي. فمَضى النَّبيُّ ﷺ فناداه: يا مُحمدُ، يا مُحمدُ. فقالَ له: «ما شأنُك؟» فقالَ: إنِّي مُسلِمٌ، فقالَ: «لو قُلتَها وأنتَ تَملِكُ أَرَك لأفلَحتَ كُلَّ الفَلاحِ، وفادَى به النَّبيُّ ﷺ الرَّجلَينِ» (٢).
رَواه مُسلِمٌ، ولأنَّ القَتلَ سقَطَ بإسلامِه فبَقيَ باقي الخِصالِ على ما كانَت عليه.
(١) «روضة الطالبين» (١٠/ ٢٥٢).
(٢) رواه مسلم (١٦٤١).
ولنا: أنَّه أسيرٌ يَحرُمُ قَتلُه فصارَ رَقيقًا كالمَرأةِ، والحَديثُ لا يُنافي رِقَّه فقد يُفادى بالمَرأةِ وهي رَقيقٌ كما رَوى سَلمةُ بنُ الأكوَعِ: «أنَّه غَزا مع أبي بَكرٍ، فنفَّلَه امرأةً، فوهَبَها النَّبيَّ ﷺ فبعَثَ بها إلى أهلِ مَكةَ، وفي أيديهم أُسارى، ففدَاهم بتلك المَرأةِ».
إلا أنَّه لا يُفادَى به ولا يُمَنُّ عليه إلا بإذنِ الغانِمينَ؛ لأنَّه صار مالًا لهم.
ويُحتمَلُ أنْ يَجوزَ المَنُّ عليه؛ لأنَّه كانَ يَجوزُ المَنُّ عليه مع كُفرِه فمع إسلامِه أوْلى؛ لكَونِ الإسلامِ حَسَنةً يَقتَضي إكرامَه والإنعامَ عليه، لا مَنعَ ذلك في حَقِّه، ولا يَجوزُ رَدُّه إلى الكُفارِ إلا أنْ يَكونَ له ما يَمنعُه من المُشرِكينَ من عَشيرةٍ أو نَحوِها، وإنَّما جازَ فِداؤُه؛ لأنَّه يَتخلَّصُ به من الرِّقِّ.
فأمَّا إنْ أسلَمَ قبلَ أسرِه حرُمَ قَتلُه واستِرقاقُه والمُفاداةُ به سَواءٌ أسلَمَ وهو في حِصنٍ أو جَوفٍ أو مَضيقٍ أو غيرِ ذلك؛ لأنَّه لم يَحصُلْ في أيدي الغانِمينَ بَعدُ (١).
(١) «المغني» (٩/ ١٨٠)، و «شرح الزركشي» (٣/ ١٧٨)، و «الإنصاف» (٤/ ١٣٣).
وقال في «الإنصافِ»: إذا أسلَمَ الأسيرُ صارَ رَقيقًا في الحالِ وزالَ التَّخييرُ فيه، وصارَ حُكمُه حُكمَ النِّساءِ، وهو إحدى الروايتَينِ، ونَصَّ عليه وجزَمَ به في الوَجيزِ والهِدايةِ والمَذهبِ ومَسبوكِ الذَّهبِ، والخُلاصةِ وتَجريدِ العِنايةِ وقَدَّمه في المُحرَّرِ والشَّرحِ والرِّعايتَينِ والحاويَينِ والزَّركَشيِّ وقال: عليه الأَصحابُ.
وعنه: يَحرُمُ قَتلُه، ويُخيَّرُ الإمامُ فيه بينَ الخِصالِ الثَّلاثِ الباقيةِ، صحَّحَه المُصنِّفُ والشارِحُ وصاحِبُ البُلغةِ وقالَه في «الكافي» وقدَّمَه في الفُروعِ، وهذا المَذهبُ على ما اصطَلَحناه في الخُطبةِ.
فعلى هذا يَجوزُ الفِداءُ ليتخَلَّصَ من الرِّقِّ، ولا يَجوزُ رَدُّه إلى الكُفارِ أطلَقَه بَعضُهم.
وقال المُصنِّفُ والشارِحُ: لا يَجوزُ رَدُّه إلى الكُفارِ إلا أنْ يَكونَ له مَنْ يَمنعُه من عَشيرةٍ ونَحوِها.
فائِدةٌ: لو أسلَمَ قبلَ أسرِه لم يُسترَقَّ وحُكمُه حُكمُ المُسلِمينَ، لكنْ لو ادَّعى الأسيرُ إِسلامًا سابِقًا يَمنعُ رِقَّه، وأَقامَ بذلك شاهِدًا وحلَفَ لمْ يَجُزِ استِرقاقُه، جزَمَ به ناظِمُ المُفرداتِ وهو منها.
وعنه: لا يُقبَلُ إلا بشاهِدَينِ وأطلَقَهما في الفُروعِ والرِّعايةِ وغَيرِهما ذكَرَه في بابِ أَقسامِ المَشهودِ به، ويَأتي ذلك أيضًا هناك.
ارجع إلى أحكام الأسرى للاطلاع على جميع المسائل.