أحكام الأسرى

الإسلام > الجنايات والحدود > أحكام الأسرى

مسائلُ فقهيةٌ في أحكام الأسرى على المذاهبِ الأربعةِ (الحنفيِّ، والمالكيِّ، والشافعيِّ، والحنبليِّ)، من موسوعةِ الفقهِ الإسلاميِّ.

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 22 دقيقة قراءة

تعريف أحكام الأسرى وحكمها

فصل في أحكامِ الأسرَى

قَتلُ الأسيرِ:

لا خِلافَ بينَ الفُقهاءِ على جَوازِ قَتلِ الأسيرِ للأخبارِ المُتواتِرةِ مِنْ فِعلِه في ذلك.

قالَ الإمامُ أبو بَكرٍ الجَصاصُ رحمة الله عليه: اتَّفقَ فُقهاءُ الأمصارِ على جَوازِ قَتلِ الأسيرِ لا نَعلَمُ بينَهم خِلافًا فيه، وقد تَواتَرت الأخبارُ عن النَّبيِّ في قَتلِه الأسيرَ، منها: قَتلُه عُقبةَ بنَ أبي مُعَيطٍ والنَّضرَ بنَ الحارِثِ بعدَ الأسْرِ يَومَ بَدرٍ، وقتَلَ يَومَ أُحُدٍ أبا عَزةَ الشاعِرَ بعدَما أُسِر، وقتَلَ بَني قُريظةَ بعدَ نُزولِهم على حُكمِ سَعدِ بنِ مُعاذٍ، فحكَمَ فيهم بالقَتلِ وسَبيِ الذُّرِّيةِ، ومَنَّ على الزُّبَيرِ بنِ باطا من بينِهم، وفتَحَ خَيبَرَ بَعضَها صُلحًا وبَعضَها عَنوةً، وشرَط على ابنِ أبي الحَقيقِ ألَّا يَكتُمَ شَيئًا، فلمَّا ظهَرَ على خيانَتِه وكِتمانِه قتَله، وفتَحَ مَكةَ وأمَرَ بقَتلِ هِلالِ بنِ خَطَلٍ ومَقيسِ بنِ صُبابةَ وعبدِ اللهِ بنِ سَعدِ بنِ أبي سَرحٍ وآخَرينَ، وقالَ: «اقتُلوهم وإن وجَدتُموهم مُتعَلِّقينَ بأستارِ الكَعبةِ» (١). ومَنَّ على أهلِ مَكةَ ولم يَغنَمْ أموالَهم.

(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٢٦٨٣)، والنسائي (٤٠٦٧)، وابن أبي شيبة (٣٦٩١٣)، والطحاوي في «شرح المشكل» (٤/ ١٥٧)، والدارقطني (٣/ ٥٩)، والحاكم في «المستدرك» (٢٣٢٩).

ورُوي عن صالِحِ بنِ كَيسانَ عن مُحمدِ بنِ عبدِ الرَّحمنِ عن أبيه عبدِ الرَّحمنِ بنِ عَوفٍ أنَّه سمِعَ أبا بَكرٍ الصِّديقَ يَقولُ: «وَدِدتُ أنِّي يَومَ أتَيتُ بالفُجاءةِ لم أكُنْ أحرَقتُه، وكُنتُ قتَلتُه سَريحًا، أو أطلَقتُه نَجيحًا»، وعن أبي موسى أنَّه قتَلَ دِهقانَ السوسِ بعدَما أعطاه الأمانَ على قَومٍ سَمَّاهم ونَسيَ نَفسَه فلم يُدخِلْها في الأمانِ، فقتَلَه، فهذه آثارٌ مُتواتِرةٌ عن النَّبيِّ وعن الصَّحابةِ في جَوازِ قَتلِ الأسيرِ وفي استِبقائِه، واتَّفقَ فُقهاءُ الأمصارِ على ذلك (١).

وقالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ رحمة الله عليه: أمَّا قَتلُ الأسيرِ واستِرقاقُه فلا أعلَمُ فيه خِلافًا (٢).

إلا أنَّ العُلماءَ قد اختَلفُوا في الأسيرِ هل يَجوزُ المَنُّ عليه وفِداؤُه أو لا يَجوزُ إلا قَتلُه أو استِرقاقُه؟

فذهَبَ جُمهورُ العُلماءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ الإمامَ مُخيَّرٌ في الأسرى بحسَبِ الاجتِهادِ في مَصالحِ المُسلِمينَ، إمَّا بالقَتلِ وإمَّا بالمَنِّ وإمَّا بالفِداءِ بحسَبِ ما يُرى في الأسرى من مَصلَحةِ المُسلِمينَ.

والمَنُّ: هو إطلاقُ سَراحِهم دونَ مُقابِلٍ.

والفِداءُ: قد يَكونُ بالمالِ، وقد يَكونُ بأسرى من المُسلِمينَ.

(١) «أحكام القرآن» للجصاص (٥/ ٢٦٩، ٢٧٠).
(٢) «الصارم المسلول» (٢/ ٥٠٠).

واستَدلَّ الجُمهورُ على جَوازِ المَنِّ والفِداءِ أو القَتلِ بقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ (٤)[محمد: ٤].

وأنَّ النَّبيَّ مَنَّ على ثُمامةَ بنِ أُثالٍ وأبي عَزةَ الشاعِرِ وأبي العاصِ بنِ الرَّبيعِ، وقالَ في أسرى بَدرٍ: «لو كانَ المُطعِمُ بنُ عَديٍّ حَيًّا ثم كلَّمنِي في هؤلاء النَّتْنى لترَكتُهم له» (١). ففي هذا الحَديثِ حُجةٌ في جَوازِ المَنِّ على الأسرى وإطلاقِهم بغيرِ فِداءٍ؛ لأنَّ النَّبيَّ لا يَجوزُ في صِفتِه أنْ يُخبِرَ عن شَيءٍ لو وقَعَ لفَعلَه وهو غيرُ جائِزٍ.

وأمَّا فِداؤُه فقد فادَى أُسارى بَدرٍ، وكانُوا ثَلاثةً وسَبعينَ رَجلًا، كلُّ رَجلٍ منهم بأربَعِمئةٍ، وفادَى يَومَ بَدرٍ رَجلًا برَجلَينِ، وصاحِبَ العَضباءِ برَجلَينِ.

وأمَّا القَتلُ؛ فلأنَّ النَّبيَّ قتَلَ رِجالَ بَني قُريظةَ، وهُم بينَ السِّتِّمئةِ والسَّبعِمئةِ، وقتَلَ يَومَ بَدرٍ النَّضرَ بنَ الحارِثِ، وعُقبةَ بنَ أبي مُعَيطٍ صَبرًا، وقتَلَ أبا عَزةَ يَومَ أُحدٍ، وهذه قِصصٌ عَمَّت واشتُهِرت، وفعَلَها النَّبيُّ مَرَّاتٍ، وهو دَليلٌ على جَوازِها.

ولأنَّ كلَّ خَصلةٍ من هذه الخِصالِ قد تَكونُ أصلَحَ في بعضِ الأسرى؛ فإنَّ منهم مَنْ له قُوةٌ ونِكايةٌ في المُسلِمينَ، ويَكونُ بَقاؤُه ضَرَرًا عليهم، فقَتلُه

(١) رواه البخاري (٢٩٧٠).

أصلَحُ، ومنهم الضَّعيفُ الذي له مالٌ كَثيرٌ ففِداؤُه أصلَحُ، ومنهم حَسنُ الرأيِ في المُسلِمينَ يُرجَى إسلامُه بالمَنِّ عليه أو مَعونَتِه للمُسلِمينَ بتَخليصِ أسراهُم والدَّفعِ عنهم، فالمَنُّ عليه أصلَحُ، ومنهم مَنْ يُنتفَعُ بخِدمَتِه ويُؤمَنُ شَرُّه فاستِرقاقُه أصلَحُ كالنِّساءِ والصِّبيانِ، والإمامُ أعلَمُ بالمَصلَحةِ فيَنبَغي أنْ يُفوَّضَ ذلك إليه (١).

وقالَ ابنُ القَيمِ رحمة الله عليه: فَصلٌ في هَديِه في الأُسارى:

كانَ يَمنُّ على بَعضِهم ويَقتلُ بَعضَهم ويُفادِي بَعضَهم بالمالِ وبَعضَهم بأسرى المُسلِمينَ، وقد فعَلَ ذلك كلَّه بحسَبِ المَصلَحةِ، ففادَى أُسارى بَدرٍ بمالٍ، وقالَ: «لو كانَ المُطعِمُ بنُ عَديٍّ حَيًّا ثم كَلَّمني في هؤلاء النَّتْنى لترَكتُهم له» (٢). وهبَطَ عليه في صُلحِ الحُدَيبيةِ ثَمانونَ مُتسلِّحونَ يُريدونَ غِرتَه فأسَرَهم ثم مَنَّ عليهم.

وأُسِر ثُمامةُ بنُ أُثالٍ سيِّدُ بَني حَنيفةَ، فربَطه بسارِيةِ المَسجِدِ ثم أطلَقَه فأسلَم (٣).

قالَ الإمامُ الأزديُّ المالِكيُّ والماوَرديُّ الشافِعيُّ: والدَّليلُ على جَوازِ المَنِّ والفِداءِ، قَولُ اللهِ تَعالى: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ [محمد: ٤].

(١) «المغني» (٩/ ١٧٩، ١٨٠).
(٢) رواه البخاري (٢٩٧٠).
(٣) «زاد المعاد» (٣/ ١١٠، ١١٢).

قالَ مُجاهِدٌ: حتى لا يَبقَى في الأرضِ دِينٌ غيرُ الإسلامِ، فكانَ المَنُّ أو الفِداءُ صَريحًا في هذه الآيةِ، وليسَ لهم نَسخُ ذلك بقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] لأمرَينِ:

أحدُهما: أنَّه إذا أمكَن استِعمالُ الآيتَيْن لم يَجزْ أنْ تَنسَخَ إحداهُما الأُخرى، واستِعمالُهما مُمكِنٌ في جَوازِ الكُلِّ، ويُعتبَرُ كلُّ واحِدٍ منهما باجتِهادِ الإمامِ ورأيِه.

والثانِي: أنَّ الأمرَ بالقَتلِ على وَجهِ الإباحةِ دونَ الوُجوبِ، وإباحَتُه لا تَمنَعُ من العُدولِ عنه إلى غيرِه، ويَدلُّ على جَوازِ المَنِّ خاصةً أنَّ النَّبيَّ قالَ في أسرى بَدرٍ: «لو كانَ المُطعِمُ بنُ عَديٍّ حَيًّا ثم كَلَّمني في هؤلاء النَّتْنى لترَكتُهم له» (١).

ويُعضِّدُ هذا ما ثبَتَ من قَتلِ النَّبيِّ عُقبةَ بنَ أبي مُعَيطٍ والنَّضرَ بنَ الحارِثِ من جُملةِ أسرى بَدرٍ، واستحياءِ آخَرينَ، ومن قَتْلِ بَني قُريظةَ، وقد مَنَّ على أهلِ خَيبَرَ فلم يَقتُلْهم، افتتَحَها عَنوةً فقَسَّم أرضَها، ومَنَّ على رِجالِهم فترَكهم عُمَّالًا في الأرضِ والنَّخلِ على الشَّطْرِ، حتى أخرَجَهم عُمرُ حينَ استَغنى عنهم.

«وفدَى النَّبيُّ رَجلَينِ مِنْ المُسلِمينَ برَجلٍ مِنْ المُشرِكينَ من بَني عُقَيلٍ» (٢). فدلَّ ذلك كلُّه على جَوازِ القَتلِ والمَنِّ والفِداءِ،

(١) رواه البخاري (٢٩٧٠).
(٢) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: أخرجه أحمد (١٩٨٤٠)، والشافعي في «الأم» (٤/ ١٨٩، ٢٣٩) و (٧/ ٣٤٨)، والترمذي (١٥٦٨)، والنسائي في «الكبرى» (٨٦٦٤)، من حَديثِ عِمرانَ ابنِ حُصينٍ، به.

وكلُّ ذلك بَيانُ ما تضَمَّنه القُرآنُ، فيَكونُ على هذا جَميعُ الآياتِ مُحكَمةً.

أمَّا آيةُ السَّيفِ في «بَرَاءَةٌ» وكلُّ آيةٍ في مِثلِ مَعناها، فتُحمَلُ على نَسخِ المُوادَعةِ وإيجابِ القَتلِ والقِتالِ حالَ مُمانَعةِ العَدوِّ، وهذا الوَجهُ أرجَحُ الأقوالِ؛ لأنَّ اعتِقادَ النَّسخِ لا يَحسُنُ إلا حيثُ يَقومُ عليه الدَّليلُ بالتَّوقيفِ ونَحوِه، أو حيثُ لا يُمكِنُ الجَمعُ ألبَتةَ ويُعلَمُ المُتأخِّرُ مع ذلك، فيَكونُ هو الناسِخَ كما تَقدَّمَ ذِكرُه، فإذا تَقرَّر ذلك فالأسرى يَجوزُ فيهم للإمامِ القَتلُ والمَنُّ والفِداءُ، وكذلك الاستِرقاقُ (١).

وأمَّا الحَنفيةُ فقالَ أبو يُوسفَ ومُحمدٌ: يَجوزُ مُفاداةُ الأسرى بأسرى المُسلِمينَ؛ لأنَّ في عَودِ المُسلِمينَ إلينا عَونًا لنا، ولأنَّ تَخليصَ المُسلِمِ أوْلى مِنْ قَتلِ الكُفارِ، وقد قالَ تَعالى: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [محمد: ٤].

وأمَّا المَنُّ فقالَا عنه: لا يَجوزُ إطلاقُهم مَجانًا ولو بعدَ إسلامِهم لتَعلُّقِ حَقِّ الغانِمينَ.

وقالَ أبو حَنيفةَ رحمة الله عليه: لا يَجوزُ المَنُّ ولا الفِداءُ، ويَتعيَّنُ إمَّا قَتلُ الأسيرِ أو استِرقاقُه؛ لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥].

فعُمومُ هذا يَقتَضي القَتلَ في كلِّ مُشرِكٍ قبلَ الأسرِ وبعدَه، إلَّا أنْ يُخصِّصَه دَليلٌ، وأنَّ قَتْلَه عندَ التَّمكُّنِ منه فَرضٌ مُحكَمٌ، وفي المُفاداةِ

(١) انظر: «الحاوي الكبير» (٨/ ٤١٠)، و «الإنجاد في أبواب الجِهاد» (٢٤٤) وما بعدَها.

تَركُ إقامةِ هذا الفَرضِ، وسُورةُ «بَرَاءَةٌ» من آخِرِ ما نزَلَ فكانَت هذه الآيةُ قاضيةً على قَولِ اللهِ تَعالى: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [محمد: ٤] على ما فعَلَه رَسولُ اللهِ من مُفاداةِ الأسرى يَومَ بَدرٍ.

وكذلك قَولُ اللهِ تَعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٣] فيَجبُ قَتلُهم، وذلك يَمنعُ رَدَّهم، ولأنَّ في قَتلِهم حَسمَ مادةِ الفَسادِ الكائِنِ منهم بالكُلِّيةِ، ولأنَّ الكافِرَ يَصيرُ حَربًا علينا، ولأنَّ دَفعَ شَرِّ حِرابِهم خَيرٌ من تَخليصِ المُسلِمِ منهم؛ لأنَّ كَونَ المُسلِمِ في أيديهم ابتِلاءٌ من اللهِ تَعالى غيرُ مُضافٍ إلينا، ولأنَّ إعانَتَهم بدَفعِ الأسيرِ إليهم مُضافةٌ إلينا، وإنْ شاءَ استَرَقَّهم؛ لأنَّ فيه دَفعَ شَرِّهم مع وُفورِ المَصلَحةِ لأهلِ الإسلامِ.

والمُعتمَدُ عندَ الحَنفيةِ أنَّه إذا أسَرَ عَسكَرُ المُسلِمينَ كُفارًا لا يُفادُون أُسارى المُسلِمينَ بأُسارى المُشرِكينَ لا بمالٍ ولا بغيرِ مالٍ؛ لأنَّ فيه تَقويةَ الكُفارِ علينا، ولأنَّ دَفعَ شَرِّ حَربِه خَيرٌ من استِنقاذِ أسيرِنا.

ولا يَجوزُ المَنُّ عليهم بأنْ يُطلِقَهم مَجانًا من غيرِ خَراجٍ ولا جِزيةٍ؛ لأنَّه بالأسرِ ثبَتَ حقُّ الاستِرقاقِ فيه، فلا يَجوزُ إسقاطُه بغيرِ مَنفَعةٍ وعِوَضٍ.

وقالُوا: الإمامُ في الأُسارى بالخِيارِ بينَ ثَلاثةِ أُمورٍ:

١ - إنْ شاءَ قتَلهم: إلَّا أنْ يُسلِموا؛ لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]، فعُمومُ هذا يَقتَضي القَتلَ في كلِّ مُشرِكٍ قبلَ الأسرِ وبعدَه إلَّا أنْ يُخصِّصَه دَليلٌ، وقَتلُه عندَ التَّمكُّنِ منه فَرضٌ مُحكَمٌ، وفي المُفاداةِ تَركُ إقامةِ هذا الفَرضِ.

وكذلك قَولُ اللهِ تَعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٣] فيَجبُ قَتلُهم.

وذلك يَمنعُ رَدَّهم، ولأنَّ في قَتلِهم حَسمَ مادةِ الفَسادِ الكائِنِ منهم بالكُلِّيةِ إذا رَأى الإمامُ ذلك لمَا يُخافُ مِنْ غَدرِهم بالمُسلِمينَ، ولأنَّ الكافرَ يَصيرُ حَربًا علينا، ولأنَّ دَفعَ شَرِّ حِرابِهم خَيرٌ من تَخليصِ المُسلِم منهم؛ لأنَّ كَونَ المُسلِمِ في أيديهم ابتِلاءٌ من اللهِ تَعالى غيرُ مُضافٍ إلينا، ولأنَّ إعانَتَهم بدَفعِ الأسيرِ إليهم مُضافةٌ إلينا.

٢ - وإنْ شاءَ استَرقَّهم: سَواءٌ أسلَموا أو لم يُسلِموا إذا كانُوا ممَّن يَجوزُ استِرقاقُهم بأنْ لم يَكونوا من العَربِ؛ لأنَّ فيه دَفعَ شَرِّهم مع وُفورِ المَصلَحةِ لأهلِ الإسلامِ.

وأيُّ رَجلٍ من المُسلِمينَ قتَلَ أسيرًا في دارِ الإسلامِ أو في دارِ الحَربِ قبلَ أنْ يُقسَّموا وقبلَ أنْ يُسلَّموا فلا شَيءَ عليه من دِيةٍ ولا قيمةٍ ولا كَفارةٍ؛ لأنَّهم على أصلِ الإباحةِ؛ فإنْ قسَّمَهم الإمامُ أو باعَهم حَرُمت دِماؤُهم؛ فإنْ قتَلهم قاتِلٌ غُرِّم قيمَتَهم ووجَبَت عليه الكَفارةُ إذا قتَلَهم خَطَأً؛ لأنَّ القِسمةَ والبَيعَ تَقريرٌ للرِّقِّ فيهم، وإسقاطٌ لحُكمِ القَتلِ عنهم، فصارَ القاتِلُ جانِيًا كمَن قتَلَ عبدَ غيرِه، ولا يَجبُ عليه القَوَدُ؛ لأنَّ الإباحةَ التي كانَت هي في الأصلِ شُبهةً، والقِصاصُ يَسقُطُ بالشُّبهةِ.

فإنْ أسلَمَ الأسيرُ قبلَ أنْ يُقسَمَ حرُمَ دَمُه وقُسِّمَ في الغَنيمةِ؛ لأنَّ القَتلَ عُقوبةٌ على الكُفرِ، فيَرتفِعُ بالإسلامِ، وأمَّا القِسمةُ فلأنَّ الإسلامَ لا يُنافي الاستِرقاقَ.

٣ - وإنْ شاءَ تَرَكهم أحرارًا ذِمةً للمُسلِمينَ: إلا مُشرِكي العَربِ والمُرتَدِّينَ؛ فإنَّه لا يَترُكهم وإنَّما لهم الإسلامُ أو السَّيفُ.

ولا يَجوزُ أنْ يرُدَّهم إلى دارِ الحَربِ؛ لأنَّ في ذلك تَقويةً لهم على المُسلِمينَ؛ فإنْ أسلَموا لا يَقتُلُهم، وله أنْ يَسترِقَّهم تَوفيرًا للمَنفَعةِ بعدَ انعِقادِ السَّببِ، وهو الأخذُ بخِلافِ إسلامِهم قبلَ الأخذِ؛ لأنَّه لم يَنعقِدِ السَّببُ.

وإذا أراد الإمامُ العَودَ إلى دارِ الإسلامِ ومعه مَواشٍ فلم يَقدِرْ على نَقلِها إلى دارِ الإسلامِ ذبَحها وحرَقها؛ لأنَّ ذَبحَ الحَيوانِ يَجوزُ لغَرضٍ صَحيحٍ ولا غَرضَ أصَحُّ من كَسرِ شَوكةِ أعداءِ اللهِ ، وأمَّا تَحريقُها بعدَ الذَّبحِ فلقَطعِ مَنفعةِ الكُفارِ بلُحومِها وجُلودِها ولا يَجوزُ تَحريقُها قَبلَ الذَّبحِ لما فيه مِنْ تَعذيبِ الحَيَوانِ، ولا يَعقِرُها؛ لأنَّه مُثْلةٌ.

ولا يَعقِرُها ولا يَترُكُها مَعقورةً ولا يَترُكُها ابتِداءً بدونِ العَقرِ.

وما كانَ من سِلاحٍ يُمكِنُ تَحريقُه حرَقه، وإنْ كانَ لا يُمكِنُ تَحريقُه كالحَديدِ؛ فإنَّه يَدفِنُه في مَوضِعٍ بحيثُ لا يَجدُه أهلُ الحَربِ، وكذلك يَكسِرُ آنيَتَهم وأثاثَهم بحيثُ لا يَنتفِعون بها، ويُراقُ جَميعُ أدنانِهم وجَميعُ المائِعاتِ مُغايَظةً لهم.

وأمَّا السَّبيُ إذا لم يَقدِروا على نَقلِهم؛ فإنَّه يُقتَل الرِّجالُ إذا لم يُسلِموا، ويُترَكُ النِّساءُ والصِّبيانُ والشُّيوخُ في أرضٍ مُضيِّعةٍ ليَهلِكوا جُوعًا وعَطشًا، وكذا إذا وجَدَ المُسلِمونَ حَيةً أو عَقربًا في دارِ الحَربِ فإنَّهم يَقطَعون ذنَب

مسائل أحكام الأسرى الفقهية

ارجع إلى الجنايات والحدود للاطلاع على جميع الأبواب.

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 19 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 20.5 / 29.5
الإضاءة 68%
الهلال الجديد بعد 9 يوم
سبحان الله وبحمده