كيفية قتل الأسير وحكم التمثيل به

الإسلام > الجنايات والحدود > أحكام الأسرى > كيفية قتل الأسير وحكم التمثيل به

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 7 دقيقة قراءة

كيفية قتل الأسير وحكم التمثيل به - الأقوال والأدلة

وأمَّا الشافِعيةُ؛ فقالَ الخَطيبُ الشِّربينيُّ رحمة الله عليه: ولو بذَل الأسيرُ الجِزيةَ ففي قَبولِها وَجهان. قالَ صاحِبُ البَيانِ: الذي يَقتَضيه المَذهَبَ أنَّه لا خِلافَ في جَوازِ قَبولِ ذلك منه، وإنَّما الوَجهانِ في الوُجوبِ؛ لأنَّه إذا جاز أنْ يَمُنَّ عليه من غيرِ مالٍ أو بمالٍ يُؤخَذُ منه مَرةً واحِدةً فلَأنْ يَجوزَ بمالٍ يُؤخَذُ منه في كلِّ سَنةٍ أوْلى.

قالَ في الشامِلِ: وإذا بذَل الجِزيةَ حرُمَ قَتلُه وتَخيَّر الإمامُ فيما عدا القَتلِ كما لو أسلَمَ، وصحَّحه الرافِعيُّ في بابِ الجِزيةِ.

ثم ما جزَمَ به المُصنِّفُ من التَّخييرِ هو فيمَن له كِتابٌ، أمَّا غيرُه فأشارَ إلى خِلافٍ في استِرقاقِه بقَولِه: (وقيلَ لا يُسترَقُ وَثَنيٌّ) كما لا يَجوزُ تَقريرُه بالجِزيةِ ورُدَّ بأنَّ من جازَ أنْ يُمَنَّ عليه ويُفادى جازَ أنْ يُسترَقَّ كالكِتابيِّ (١).

وقالَ الحَنابِلةُ: إنْ سألَ الأُسارى مِنْ أهلِ الكِتابِ تَخليَتَهم على إعطاءِ الجِزيةِ لم يَجزْ ذلك في نِسائِهم وذَراريِّهم؛ لأنَّهم صاروا غَنيمةً بالسَّبيِ، وأمَّا الرِّجالُ فيَجوزُ ذلك فيهم، ولا يَزولُ التَّخييرُ الثابِتُ فيهم؛ لأنَّه بَدلٌ لا تَلزمُ الإجابةُ إليه، فلم يَحرُمْ قَتلُهم كبَدلِ عَبدةِ الأوثانِ (٢).

كَيفيةُ قَتْلِ الأسيرِ وحُكمُ التَّمثيلِ به:

المُثْلةُ: بضَمِّ الميمِ وسُكونِ الثَّاءِ أو بفَتحِ المِيمِ وضَمِّ الثاءِ: العُقوبةُ والتَّنكيلُ.

(١) «مغني المحتاج» (٤/ ٢٢٨)، وانظر: «نهاية المحتاج» (٨/ ٦٩).
(٢) «المغني» (٩/ ١٨١).

قالَ ابنُ الأنباريِّ رحمة الله عليه: المُثْلَةُ: العُقوبةُ المُبيِّنةُ من المُعاقَبِ شَيئًا، وهو تَغييرُ الصُّورةِ فتَبقَى قَبيحةً، من قَولِهم: مثَّلَ فُلانٌ بفُلانٍ: إذا قبَّح صُورَتَه إمَّا بقَطعِ أُذُنِه أو جَدعِ أنْفِه أو سَمْلِ عَينَيه أو بَقْرِ بَطنِه، هذا هو الأصلُ، ثم يُقالُ للعارِ الباقي والخِزيِ اللَّازمِ: مُثلةٌ (١).

وفي الاصطِلاحِ: المُثلةُ: العُقوبةُ الشَّنيعةُ كرَضِّ الرأسِ وقَطعِ الأُذنِ أو الأنفِ (٢).

اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ على تَحريمِ التَّمثيلِ بالأسرَى، بل يُكتَفى بقَتلِه المُعتادِ بضَربِه بالسَّيفِ.

قالَ الإمامُ الكاسانِيُّ رحمة الله عليه: وإذا عزَم المُسلِمونَ على قَتلِ الأُسارى فلا يَنبَغي أنْ يُعذِّبوهم بالجُوعِ والعَطشِ وغيرِ ذلك من أنواعِ التَّعذيبِ؛ لأنَّ ذلك تَعذيبٌ من غيرِ فائِدةٍ (٣).

وقالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: فمَتى رأى القَتلَ ضرَبَ عُنُقَه بالسَّيفِ؛ لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ [محمد: ٤] ولأنَّ النَّبيَّ أمَرَ بالذين قتَلهم فضُرِبتْ أعناقُهم، ولا يَجوزُ التَّمثيلُ به؛ لما رَوى بُرَيدةُ: «أنَّ رَسولَ اللهِ كانَ إذا أمَّرَ أميرًا على جَيشٍ أو سَريةٍ أوصاه في خاصَّتِه بتَقوَى اللهِ ومن معه من المُسلِمينَ خَيرًا، ثم قالَ: اغزُوا باسمِ

(١) «لسان العرب»، و «المعجم الوسيط»، و «تفسير الرازي» (١٩/ ١١).
(٢) «الشرح الكبير» (٢/ ١٧٩).
(٣) «بدائع الصنائع» (٧/ ١٢٠).

اللهِ في سَبِيلِ اللهِ، قاتِلوا مَنْ كفَر باللهِ، اغزوا ولا تَغُلُّوا ولا تَغدِروا ولا تُمثِّلوا … » (١).

قالَ ابنُ عبدِ البَرِّ رحمة الله عليه بعدَ أنْ ذكَرَ هذا الحَديثَ: أجمَع العُلماءُ على القَولِ بهذا الحَديثِ ولم يَختَلِفوا في شَيءٍ منه، فلا يَجوزُ عندَهم الغُلولُ ولا الغَدرُ ولا المُثلةُ (٢).

وقالَ الزَّمخشَريُّ رحمة الله عليه: ولا خِلافَ في تَحريمِ المُثلةِ (٣).

وهذا بعدَ الظَّفرِ والنَّصرِ، وأمَّا قبلَه، أي: في أثناءِ المَعركةِ فلا بأسَ بقَطعِ الأطرافِ أو الأعضاءِ، إذا وقَعَ قِتالٌ كمُبارزٍ ضرَبه فقطَع أُذنَه ثم ضرَبه ففقَأَ عَينَه ثم ضرَبَه فقطَع يَدَه وأنفَه ونَحوَ ذلك، قالَ اللهُ تَعالى: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ (١٢)[الأنفال: ١٢].

قالَ الحَصكَفيُّ رحمة الله عليه: (و) نُهينا (عن غَدرٍ وغُلولٍ و) عن (مُثلةٍ) بعدَ الظَّفرِ بهم، أمَّا قبلَه فلا بأسَ بها.

قالَ ابنُ عابدِين رحمة الله عليه: قَولُه: ومُثلةٌ -بضَمِّ الميمِ- اسمُ مَصدَرِ «مثَّل به»، من باب نصَر أي: قطَع أطرافَه وشَوَّه به، كذا في جامِعِ اللُّغةِ.

قَولُه: (أمَّا قبلَه فلا بأسَ بها) قالَ الزَّيلعيُّ: وهذا حَسنٌ ونَظيرُه الإحراقُ بالنارِ، وقيَّد جَوازَها قبلَه في الفَتحِ بما إذا وقَعت قِتالًا كمُبارزٍ ضُرِب فقُطِعت أُذنُه، ثم ضُرِب ففُقِئت عَينُه ثم ضُرِب فقُطِعت يَدُه وأنفُه ونَحوُ ذلك.

(١) رواه مسلم (١٧٣١)، وانظر: «الكافي» (٤/ ٢٧٢).
(٢) «التمهيد» (٢٤/ ٢٣٣).
(٣) «الكشاف» (٢/ ٦٠٢).

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 132 - 134

ارجع إلى أحكام الأسرى للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 5.8 / 29.5
الإضاءة 33%
البدر بعد 9 يوم
سبحان الله وبحمده